فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
ركائز الكرامة 1/ المسؤولية سمة الإنسان في البدء نتحدث عن الحرية باعتبارها أرضية المسؤولية، والحديث عنها من منطلق فلسفي يسفه كل التبريرات التي تنفي المسؤولية مثل فكرة الجبر والحتمية. وتنقسم مسؤولية الإنسان الـى ثلاث شعب؛ المسؤولية الشخصية، والملكية التي تعني مسؤوليته عن الأشياء، والولاية التي تعني – فيما تعني – مسؤوليته عن الآخرين. أ- إن الكرامة البشرية تقتضي مسؤوليته عن تصرفاته. فالانسان في الشرائع الإلهية جميعاً، وفي كل الأنظمة والثقافات البشرية إنه مسؤول عن تصرفاته. ومن دون الايمان بقيمة المسؤولية، ينهار نظام المجتمع البشري؛ بل وينهار ما يتميز به عن الحيوانات من ثقافة وحضارة. وتكريس قيمة المسؤولية، أعظم إنجاز لأي تشريع. وبحق أقول: الدين الاسلامي قد كرّس هذه القيمة في ثقافة المسلمين وفي مختلف أنظمتهم بأفضل صورة ممكنة، إذ سد منافذ التهرب منها والاحتماء الى كهف الظنون والتمنيات (مثل فكرة الفداء أو فلسفة الجبر والتفويض أو صنمية القدر أو أية صنمية أخرى). كما أن الدين بصّر الإنسان بالجزاء؛ عاجلاً في الدنيا، وآجلاً في الآخرة، مما جعله يتقي الفساد والفسوق. وكتاب ربنا حقاً كتاب المسؤولية. ب- لقد كرّم الله بني آدم حين سخّر لهم ما في الأرض وحملهم في البرّ والبحر، وحين رزقهم من الطيبات. وهكذا بدأت هيمنة البشر على الأرض وامتلاكهم لما فيها من أشياء وأحياء؛ فبالعلم والقدرة وسائر المواهب التي أعطاها الرب للبشر استطاعوا أن يعمروا الأرض، ويمتطوا صهوة الريح، ويذلّلوا طاقة النار والذرة، ويلينوا الحديد لمآربهم.. وهذه الملكية - التي هي من تجليات كرامة الله الممنوحة للبشر – ما هي إلا صلاحيات محدودة، ذات هدف محدّد هو ابتلاء الإنسان وبعثه نحو صفات الكمال التي يقتضيها شكر الله. ج- والناس مسؤولون عن بعضهم في إطار الولاية الإلهية؛ فالمؤمنون أولياء بعضهم والله وليّهم والرسول صلى الله عليه وآله وليّهم بإذن الله، ومن بعده الأئمة الأطهار أولياؤهم وشهداء عليهم. والولاية تعني القرب الذي يورث الأقرب الحق في تولي أمر من يتولاه.. وإذا كان المؤمن قريباً من الله، فإن ولاية الله تشمله، فهو الذي يتولى الصالحين من عباده. وقرب المؤمن من ربه ميراث معرفته به، وتخلقه بأخلاقه وسلوكه الصاعد الى رضوانه. وإذا كانت ولاية الله راسخة في وجدان المؤمن، فإنها تصبح الميزان لكل علاقاته. فمدى قربه أو بعده عن الناس يتحدد بمدى صلتهم بالله؛ فكل من كانت صلته بالله أقرب كانت ولاية المؤمن لـه أوثق.. الأنبياء والأوصياء والصديقون ثم الأمثل فالأمثل من الصالحين، هم الذين يمنحهم المؤمن ولايته، كل بدرجة قربه من ربه.. فكل ولاية عند المؤمن شعبة من ولاية الله تعالى، ومقياسها الحق ولاية الله سبحانه. 2/ على خطى أنبياء الله من أجل تحقيق المزيد من كرامة البشر، يجتبي ربنا من عباده رجالاً أكرمين، ويجعل فيهم رسالته ويعصمهم ويؤتيهم الحكمة والنور والتأييد، ثم يأمر عباده باتباعهم والتأسي بهم وحبهم. والرسل هم قمة هرم البشرية، والصديقون والشهداء هم ولائج بيننا وبين الرسل . وهكذا لكي يهتدي الناس الى سبيل الله القويم، ولكي ينالوا الكرامة، لا بد أن يتبعوا من هداهم الله واجتباهم. والإتباع أساساً لكتاب الله، ثم لأنبياء الله، ثم لأوصيائهم، ثم للسابقين. ومن حقائق الإتباع التأسي، حيث يجبر البشر كسر عزيمته وخورها بالتأسي بالسابقين من القدوات الرائدة، وقدوتهم المثلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أمرنا الله سبحانه بالإقتداء به. وأسمى صور الإتباع والتأسي ذلك الذي يفيض من ينبوع الحب، لأن الحب تناغم وانسجام. ويتجلى حب الإنسان لربه في الإنابة إليه، والرضا بما يقدره ويقضيه، والشكر لآلائه، والشوق إلى لقائه. وإذا أحب الإنسان ربه أطاعه إطاعة الأحرار، وحتى إذا ذهب الى لقائه كان في جنته وبين عباده في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ومن حب الله يفيض حب المؤمن لأولياء الله والصالحين من عباده، حتى يكون سلماً لمن سالمهم وحرباً لمن حاربهم.. 3/ السبيل القويم من القيم المثلى في حياة الإنسان، ومن تجليات كرامته عند ربه، أن يكون على بصيرة من أمره ويقين وبيّنة. فما هي سمات البصيرة وشواهد البيّنة عند البشر؟ نستوحي من آي الذكر أنها التالية: أولاً: إن البيّنة من عند الله سبحانه، وليست من ذواتنا نحن البشر. ثانياً: ومن اُوتي البينة تنـزلت عليه الرحمة. ثالثاً: ويشهد له من يصدقه من الشهداء. رابعاً: وتشهد بصدقه حقائق التاريخ وسنن الله فيه. خامساً: وفعله يشهد على صدق قوله. سادساً: إنه يسعى الى الاصلاح ما استطاع إليه سبيلاً. سابعاً: إنه يتوكل على ربه (ويقتحم غمار التحديات الكبرى). وتتجلى البينة عند الإنسان الذي أوتي البصيرة في دينه، إنه يسعى أبداً للآخرة التي هي البقية التي إدخرها الله للصالحين. فهو يتسامى عن الدنيا وحطامها، ويتجاوز لذات الدنيا وشهواتها، ويصبر على المكاره إبتغاء تحقيق بقية الله التي هي خير. كما تتجلى البينة عنده بالولاية التامة للرسول والأئمة والمؤمنين، ولا يكتفي بالولاية الظاهرية بل يترجم ولايته الى الدفاع عن قيمه ونصرة من يتولاهم؛ لأن في هذه النصرة تحقيق قيم العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأنها بند أساسي من بنود الميثاق الذي أخذه الله على النبيين أنفسهم، وإن النصرة حق من حقوق المؤمنين على بعضهم. والرسول والأئمة هم السبيل القويم الذي هدى الله له المؤمنين، والله سبحانه هو الذي يهدي الى السبيل القويم؛ فإما أن يكون الإنسان شاكراً فيتبعه، وإما أن يكون كفوراً فيجتنبه والعياذ بالله.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|