فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الباب الأول: العلاقة بين العقل والشرع
الفصل الأول: ما هو العقل؟
تمهيد

ماذا يهديك إلى النور؟
أليس النور ذاته؟ كذلك عقلك يهديك إلى ذاته، وهل يبصر أحدنا عينه بغير عينه؟ فيجب-إذاً- ان لا نبحث في الظلمات عن النور، لأنّنا لن نجده هنالك، بل سوف نزداد عنه ضلالاً.
كذلك ضلَّ أكثر الناس عن العقول، فلم ينتفعوا بهذا الموهبة الإلهية إلاّ قليلاً. وترى بعضهم ينكر عقله أساساً، ويحتجُّ على إنكاره ببعض الحجج، ولا يدري أنّ احتجاجه ذاته دليله إلى عقله. وكيف يتسنىّ لمن لا عقل له أنْ يكون منطقّياً ويحتجّ على شيء بشيء؟.
العقل يكشف ذاته بذاته، ولا يحتاج أحدنا إلاّ إلى التذكرة به، واستثارته كالمصباح الذي رانت عليه الأوساخ يكفيك أنْ تنظّفه لتراه ثم ترى الأشياء به!.
والمناهج العلمية المختلفة، سبل العقل إلى الحقائق، والعقل هو الذي عّرفها، واستفاد منها، ولكنه لا يتقَّيد بها. وانّى له التقيُّد بها، وهو الذي كشفها لنا، وحدّد معالمها وأمرنا باتّباعها للوصول إلى الحقائق. وهكذا تجد العقل البشري لم يتقيد بمنهج أرسطو في المنطق، بل ابتدع عشرات المناهج الأخرى، كالمناهج الرياضية المتطورة، والمناهج التجريبية المختلفة1.
كما أنّ الأذكياء من الناس قد يتجاوزون كل المناهج، ويتركون المجال لعقولهم أنْ تنطلق في رحاب الحقيقة، حتى يظنّ البعض أنّهم ملهمون -وليسوا بملهمين- ولكنهم يجوبون آفاق الحقائق بلا قيود.
ولهذا فإنّ تحديد العقل بأنه يدرك الكليات، ولا شأن له بالأمور الجزئية، أو أنه لا يدرك شيئاً إلاّ من خلال مناهج خاصة، هو نوع من خسارة لموهبة العقل..
إنّك تبصر بعينك الجبل الأشم، كما تبصر سمّ الخياط، وتضيء أشعة الشمس صحراء واسعة، كما تضيء كوخاً صغيراً! وتفقه بعقلك قبح الظلم، وحسن الإحسان، كما تفقه كيفية فتح باب مغلق.
العقل موهبة عظيمة، وغفلة الإنسان عنها هي المسؤولة عن ضلاله وجهله، كما لو سدّ الإنسان نافذته عن الشمس، أو سد عينه، أفيرى شيئاً؟!
وهكذا تكون الثقة بالعقل مفتاح المعارف، لأنّ مَنْ يشكّ في عقله يغفل عنه، ويهمل الانتفاع به.
والثقة بالعقل، تعني اكتشاف الإنسان لذاته، لأنّ عقل الإنسان أعظم ما فيه، وهو يرفد كل كمال وجمال!.
والمنهج السليم لاعادة الثقة بالعقل بعد التذكرة به، التعرُّف على الحقائق التي لا تحصى التي تعرَّفنا عليها بالعقل، وقياس أنفسنا بمن لا عقل له، وقياس ذوي العقول بغيرهم أليس من يعيش في صحراء مضاءة بنور الشمس لا ظل فيها ولا ظلام، قد يغفل عن مصدر النور، ويظن أن النور حالة طبيعية في ذرات التراب، فإذا غابت الشمس هنالك يعرف قيمة الشمس..
وحين نتدبَّر في القرآن والسنَّة نجد أنّ هذا هو المنهج الذي اتّبع فيهما، سواءً في التذكرة بالعقل أو بتنمية ثقة الإنسان به.
والعقل هو ذلك النور الذي نُميَّز به الخير عن الشر، والحسن عن القبيح، وحينما ينحسر عنا عند الغضب والشهوة العارمَيْن، نرتكب القبائح ثم نلوم أنفسنا عندما يعود، هو الذي نفقده عند الصغار والمجانين والحمقى فنرى فيهم نقصاً كبيراً، وهو الذي يحاسب الناس بعضهم بعضاً على أساسه ويحمَّلونهم به مسؤولية أفعالهم، وهكذا يصف الإسلام العقل بصفاته التي تتجلَّى في العقلاء.
والوحي إثارة للعقل وتذكرة به، وقد خلقه الله من نورٍ مخزونٍ مكنونٍ عنده فأكرمه وحّمله المسؤولية حين قال له: بك أُثيب وبك أُعاقب.
وقد فصّل قادة الإسلام القول في العقل، كما فعل الإمام الكاظم في وصيته الحكيمة، حيث بيّن فيها دوره في تلقّي الحقائق من الوحي، وبيّن كيف أنّه يكتمل بالعلم والخُلُق الفاضل، وأنّه حجة الله ورسوله في الباطن، وأنّه لا يختلف عن الوحي شيئاً.
وقد أخطأ بعض الفلاسفة حين زعموا أنّ العقل مجموعة تصورات أو أحكام قاطعة وبديهية عند الانسان، ذلك لأنّ تلك الأحكام ما هي إلاّ مكشوفات لنور العقل، وإنّ نور العقل، كما يكشفها، يكشف غيرها.
ويختلف العقل والعلم عن القطع، حيث إنّ الثاني ليس سوى دفع الاحتمالات حتى لا يبقى إلاّ واحد منها؛ بينما العلم كشف الحقيقة للنفس حتى تطمئن إليها‍‍‍‍!. وحجية العلم ذاتية، بينما حجية القطع ليست ذاتية، فإذا كان عن طريق عقلائي لم يردع عنه الشرع، أخذنا به، وإلاّ فلا.
والعقل قد يغطُّ في سبات، وعلاجه إيقاظه بإثارته. وقد ينكسف شعاعه بسُحب الهوى، فلا بدّ من ردع النفس عن اتباع الهوى وشحذ عزيمتها لمواجهة الأهواء..
وقد تختلط وساوس الشيطان، وهواجس النفس وتسوّلاتها، بالعقل وأحكامه، فلا بدّ من تجلية العقل بالتذكرة بها، وببيان شواهده، وجنوده، وصفات الذين يتحلَّون به، وكذلك ببيان الجهل، وشواهده، وجنوده، وصفات المبتلين به.
وسوف نناقش طويلاً الآراء التي ذكرت في موضوع علاقة الوحي بالشرع، وهل أنّ العقل يستقلّ بفَهْم الأحكام الشرعية؟.
وصفوة القول، تتلخّص في امور:
1- إنّ القطع الذي اعتبره البعض حجّة ذاتية ليس كذلك، إنّما هو قد يكون طريقاً عقلائياً، وأنه ردعت عن بعض مفرداته الشريعة الغراء، كقطع القطاع، والقطع الذي مصدره القياسات الباطلة أو الجفر والرمل وسائر المصادر غير المعترف بها عند العقلاء. وهذا رأي كبار فقهائنا (قدّس الله أرواحهم).
2- وإنّ العقل يستقلُّ بمعرفة الحسن والقبح، ولكنه بحاجة إلى الوحي، لتزكية النفس، وتنمية الإرادة فيها، وتجلية العقل وإثارة دفائنه.
3- إنَّ الوحي قد بيَّن لنا كلّ ما نحتاجه من الأحكام في صيغة أصول، وهي الأحكام العقلية التي يجمع العقلاء على قواعدها العامة.
4- وظيفة العقل التعرُّف على الوحي، وفهمه، ومعرفة حَمَلَته، ومعرفة كيفية تطبيقه على الحقائق الفرعية. وبكلمة: العقل والوحي شعاعان لمصباحٍ واحد، وبدون تكاملهما، لا يتكامل البشر، لذلك لا يجوز القياس في الدين، ولا الاستغناء عن النصوص.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب