فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
العقل في بصائر الوحي
إذا عرضنا هذا السؤال على اللغة لبادرنا القاموس بالقول: نور روحاني تدرك به النفس العلوم الضرورية والنظرية.
وإذا عرضناه على العرف لكانت إجابته أكثر بساطة حيث يصفونه بشواهده، يقولون مثلاً: هو الذي يعلّمنا كيف نعيش، وما ينبغي لنا أنْ نفعله، وما لا ينبغي.
وإذا سألتهم عن العقلاء لسردوا لك مجموعةً من صفات الكمال.
ولكن ذلك لا يجدينا نفعاً إذا لم يكتشف كل واحد منا بنفسه نور العقل وهنا اذاً نتساءل: بالتأكيد لم نكن نعرف الخير من الشر والحسن من القبيح عند الطفولة، ولكنّا اليوم نعرف ذلك جيداً، فما هو هذا النور الذي عرفنا ذلك به؟
عند الغضب والشهوة الجامحين نرتكب أفعالاً ثم نلوم أنفسنا عليها، فما الذي كنا نفقده عندئذِ ثم وجدناه فقيّمنا به؟.
وعندما نحاسب الآخرين نستطيع أنْ نميّز بسهولةِ بالغةِ بين الحسن والقبيح من أفعالهم، وبين المحسن والمسيء منهم، وأنىّ ذهبنا في هذا العالم الرحيب نجد أصول الصفات الحميدة واحدة، فالكل يتغنَّى بالعدل والإحسان، والإنفاق والإيثار، والكل يستنكر الظلم والعدوان والبغي والاستئثار.
فمن خلال التنبهُّ الذاتي ومراجعة أنفسنا كيف عرفنا الحقائق الأولية، وكيف نوقن بها ونستريح إليها بلا أيّ ريبِ أو تردد، من خلال ذلك يتجلّى لنا نور العقل من داخل أنفسنا.
وكلمات القرآن والنبي والأئمة في العقل جرت حسب هذا السياق.. فعرّفوا العقل بآياته وبصفات الذين يتحلّون به، فقد روي عن النبي-صلّى الله عليه وآله-:
(العقل عقالُ من الجهل، والنفس مثل أخبث الدوابّ)2.
وعنه صلَّى الله عليه وآله:
(قسّم العقل على ثلاثة أجزاء، فمَنْ كانت فيه كمل عقله، ومَنْ لم تكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله عز وجل، وحسن الطاعة له، وحسن الصبر على أمره)3.
وروي عنه أيضاً أنه قال- صلّى الله عليه وآله-:
(صفة العاقل أنْ يحلم عمّن جهل عليه، ويتجاوز عمن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق مَنْ فوقه في طلب البرّ، وإذا أراد أنْ يتكلم تدبّر، فإن كان خيراً تكلّم فغنم، واذا كان شرّاً سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلةً انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص فتلك عشر خصال يعرف به العاقل).
وأضاف -صلّى الله عليه وآله- في بيان صفة الجاهل ممّا يعاكس العاقل، وقال:
(وصفة الجاهل أنْ يظلم مَنْ خالطه، ويتعدْى على مَنْ هو دونه، و. و.)4.
وروي عن الإمام علي- عليه السلام- أنّه قال عن العقل:
(التجرُّع للغصة، ومداهنة الأعداء، ومداراة الأصدقاء)5.
وعن النبي – صلّى الله عليه وآله-وقد سُئل: ما العقل؟ فقال: (العمل بطاعة الله، وإن العمّال بطاعة الله هم العقلاء)6.
وروي عن الإمام الصادق- عليه السلام-:
(كمالُ العقل في ثلاث: التواضع لله، وحسن اليقين، والصمت إلاّ من خير)7.
وروي عنه قوله:
(إذا أردتَ أنْ تختبر عقل الرجل في مجلسِ واحدِ فحدّثه في خلال حديثك بما لا يكون فإنْ أنكر فهو عاقل، وإنْ صدّقه فهو أحمق)8.
وجاء عنه- عليه السلام- أيضاً أنّه قال:
(يستدلّ بكتاب الرجل على عقله، وموضع بصيرته، وبرسوله على فهمه وفطنته)9.
وعنه عليه السلام:
(دعامة الإنسان العقل، ومن العقل الفطنة والفهم والحفظ والعلم، فإذا كان تأييد عقله من النور كان عالماً حافظاً زكيّا فطنّا فهماً، وبالعقل يكمل، وهو دليله، ومبصره، ومفتاح أمره)10.
ولأنّ الهدف الأسمى لكتاب الله هداية الإنسان، ولأنّ سبب الهداية ووسيلتها القريبة إثارة العقل من داخل أنفسنا، فإن الكتاب كان تذكرة، وقد استفاضت آيات الكتاب بهذه الكلمة الجامعة وبصيغِ شتّى لأنها تعبّر بدقةِ عن تلك الحاجة الأساسية للإنسان، ألا وهي استثارة العقل، وإيقاظه.
قال ربناُّ: (ولقد يسرّنا القرآن للذكر فهل من مدّكر، فإنما يسرَّناه بلسانك لعلهم يتذكَّرون، نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجباّر فذكِّر بالقرآن مَنْ يخاف وعيد، إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السُّمْعَ وهو شهيد).
وبما أنّ القرآن إيقاظ للعقل من سباته وإثارة وذكر فإنّه يفيض على القلب يقيناً لا ريب فيه، وهدىً وسكينة، لانه يوقظ العقل، ويستثير كوامنه، ويحفّز قدراته، فإذا استيقظ العقل لامس الحقائق بلا حجاب، وإذا استثيرت كوامنه أحاطت بالمعارف بلا ريب أو تردّد، وإذا انبعثت قدراته الكبيرة جابت آفاق العلم بلا قيود.
قال الله: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتَّقين).
(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم نوراً مبيناً) وقد تواترت كلمات الذكر لتنفض غبار السهو والغفلة عن الأفئدة مثل قوله: (أفلا تعقلون، أفلا تذكرون، أفلا تبصرون، أفلا يتدبرون، أفلا يعلمون).
ونجد في السنة الشريفة تذكرة بالعقل وبدوره، حيث يقول النبي-صلّى الله عليه وآله-:
(قوام المرء عقله، ولا دين لمن لاعقل له)5.
(استرشدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا)11.
(يا علي لا فقر أشدّ من الجهل ولا مال أعود من العقل)12.
وقال الإمام أمير المؤمنين-عليه السلام- وهو يصف الأنبياء ومناهجهم:
ويثيروا لهم دفائن العقول)13.
وقال: (أغنى الغنى العقل)14.
وقال: (العقول أئمة الأفكار)15.
وقال الإمام الباقر-عليه السلام_:
(إنّما يُداقُّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا)16.
وعن صفة العقل، وكيف خلقه الله من نور بهيّ يقول النَّبّي-صلى الله عليه وآله-:
(خلق الله العقل من نورٍ مخزونٍ مكنونٍ في سابق علمه، الذي لم يطلع عليه نبّي مرسل، ولا ملك مقَرَّب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينه، والحكمة لسانه، والرأفة همه، والرحمة قلبه، ثم حشاه وقوّاه بعشرة: باليقين والإيمان والصدق والسكينة والاخلاص والرفق والعطية والقنوع والتسليم والشكر، ثم قال عز وجل: أدبر، فأدبر، ثم قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال: تكلمْ فقال: الحمد لله الذي ليس له ضدّ ولا ندّ ولا شبيه ولا كفو ولا عديل ولا مثل، الذي كل شيء لعظمته، خاضع ذليل، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أحسن منك ولا أطوع لي منك ولا أشرف منك ولا أعزّ منكَ، بك أُحَّد وبك أُعبد وبك أُدعى وبك أُرتجى وبك أُبتغى وبك أُخاف وبك أُحذر وبك الثواب وبك العقاب، فخرّ العقل عند ذلك ساجداً وكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك وتعالى: أرفع رأسك، وسلْ تُعط، واشفَعْ تشفع، فرفع العقل رأسه فقال: إلهي أسألك أنْ تشفّعني فيمن خلقتني فيه، فقال الله جل جلاله: أُشهدكم أنّي قد شفَّعته فيمن خلقته فيه)17.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب