فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
كيف كمل الوحي عقل الإنسان؟ حسبما أفهمه من سياق وصية الإمام فإن الله سبحانه أكمل-بوحيه- عقل الإنسان بعدة سبل: أولاً: لأن عدو العقل الهوى، ولأن جماح الهوى لا يكبح بشيء مثل الترغيب في الحياة الآخرة، فانّ أفضل معين للعقل التذكير بأنّ الدنيا حياة زائلة، وما هي إلاّ لعب ولهو، وأنّ الآخرة هي الحيوان. وهذا دأب القرآن الكريم؛ الوعظ والترغيب في الحياة الأبدية، لعل عواصف الشهوات، والعصبيات تتراجع، فيشرع العقل بتقييم كل شيء بموضوعية وبلا تحّيز أو تطرُّف. وما تلاه الإمام الكاظم-عليه السلام-على مسامع هشام من آيات في هذا الحقل أمثلة يفيض القرآن بأمثالها حيث يقول الإمام: (يا هشام! ثم وعظ (ربّنا سبحانه) أهل العقل ورغبهم في الآخرة، فقال: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدَّار الآخرةُ خيرُ للذين يتَّقون أفلا تعقلون)23. وقال (وما أُتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون)24. ثانياً: ولذات السبب السابق، أي لكي تصفو النفس من غبار الهوى وقتار الغضب يخوّف القرآن الذين لا يعقلون بعذاب الدنيا، ويذكّرهم بمصير الغابرين الذين دمَّر الله عليهم حضاراتهم القائمة على البغي والطغيان. والقرآن الكريم يفيض بعبر الغابرين، وبأنّ دمارهم كان بسبب تركهم فطرة عقولهم التي ذكروا بها. وكان في ذلك دعوة لهم بالعودة إلى عقولهم من جهة، وبالخروج من أسر الهوى (عدو العقل) من جهة ثانية. قال الإمام-عليه السلام-: (ثم دمّرنا الآخرين، وإنكم لتّمروُن عليهم مصبحين، وبالليل أفلا تعقلون)25. ثالثاً: والعقل كُتلة نور إذا انبسطت على أرجاء الخليقة وكشفت الحقائق فيها سُمّيت علماً ومعرفةً وتفاعل الإنسان معها أكثر فأكثر.وكذلك كان العلم وزير العقل، بل كان نفسه وروحه. والقرآن الحكيم ذكّرنا بدور العلم في تنمية العقل وتكميله في أكثر من آية، ولكنّ الإمام الكاظم-عليه السلام-يتلو علينا آية واحدة للمثل. (وكفى بها مثلاً) فيقول: (يا هشام ثّم بيّن أنّ العقل مع العلم، فقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاّ العالِمون)26. رابعاً: لكي يستخدم الإنسان عقله، ويستنير بنوره في حياته العملية، فهو بحاجة إلى ارادة، والقرآن ينّمي هذه الإرادة عند الإنسان بسبل مختلفة، منها: ذمّ الذين لا يعقلون، وبيان أنّهم لا قيمة لهم حتى لو كانوا من آبائنا الأولين، بل إنهم شرّ الدوابّ عند الله، لأنّ أيّة دابّةٍ خلقها الله تستخدم كل مواهب الله لها، بينما الإنسان لا يستخدم عقله وهو أعظم موهبة. وفي كتاب ربّنا آيات كثيرة في هذا الاتّجاه، منها ما يسوقه الإمام الكاظم لصاحبه هشام مثلاً فيقول: يا هشام! ثم ذمّ الذين لا يعقلون، فقال: (وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أَوَلَوْ كان آباءهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون)27. وقال: (إن شّر الدواب عند الله الصُّم البكم الذين لا يعقلون)28. وقال: (ولئن سألتهم مَنْ خَلَقَ السمواتِ والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعملون)29. خامساً: ولأنّ من أعظم المؤثرات على العقل البشري اتباع الناس، والخشية من مخالفتهم مما يسمى في العلوم الحديثة بحس (التوافق الاجتماعي) فإن الإسلام يحصَّن الإنسان من هذا المؤثر السلبي بذمّ الكثرة لكي لا تصبح-أبداً- مقياس الحق عند الإنسان. يتلو الإمام الكاظم آيات مباركات في هذا السياق ويقول: ثم ذم (ربّنا سبحانه) الكثرة فقال: (وإنْ تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله)30 وقال: (ولكنّ أكثرهم لا يعلمون)31. ثم مدح القلّة، فقال: (وقليل من عبادي الشكور)32. وقال: (وقليل ما هم)33. وقال: (وما آمن معه إلا قليل)34. سادساً: من أجل تشجيع الإنسان على التفكر والانتفاع بعقله، ذكر رب العزة العاقل بأحسن الذكر، وحلاّه بأحسن الحلية، وبّين أنّ جماع صفات الخير وجملة حسنات البشر تتمثل في التعقل. والى ذلك أشار الإمام الكاظم-عليه السلام-بقوله: (ثم ذكّر أوُلي الألباب بأحسن الذكر، وحلاّهم بأحسن الحلية، فقال: (يؤتي الحكمة مَنْ يشاء ومَنْ يُؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً وما يذكّر إلاّ أوُلو الألباب)35. (يا هشام! إنّ الله يقول: (إنّ في ذلك لَذكرى لمَنْ كان له قلب)36. يعني العقل. وقال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)37 الفهم والعقل). سابعاً: ويمضي الإمام قدماً في بيان المنهجية المناسبة لتنمية العقل، لكي يشعّ نوره على أرجاء الخليقة فيضيء حقائقها، ومن ذلك التواضع للحقّ، لأنّ التكبرّ عليه لا يدع الإنسان يبحث عنه ليجده، ولأن هوى الإنسان يمنعه عن فَهْم الحقيقة التي تخالفه، هكذا يقول الإمام: (يا هشام! إنّ لقمان قال لإبنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس يا بني! إنّ الدنيا بحر عميق، قد غرق فيه عالم كثير، فلتكُنْ سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكّل، وقّيمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر). ثامناً: لأن العقل نور مركّز فلا بد من بَسْطه بالتفكر، لأن التفكّر هو إثارة كوامن العقل، واستخدام ضيائه في إنارة الظلام، وهكذا كان التفكر دليل العاقل، قال الإمام-عليه السلام-. (يا هشام! لكل شيء دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت، ولكل شيء مطية، ومطية العاقل التواضع. وكفى بك جهلا أنْ تركب ما نُهيتَ عنه). تاسعاً: التفكّر صعب على البشر مستصعب، وإذا رأيت المتفكّرين في الناس هم الأقلية فلأن الجهل هو الطبيعة الاولى عند البشر، ومقاومته ليست سهله. ومن أسباب صعوبة التفكر: خشية الإنسان من الآخرين، ونزوعه للتوافق معهم، مما يزلزل ثقته بنفسه. من هنا حذر الإمام من هذه الحالة، وقال: (يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس: لؤلؤة، ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنها جوزة. ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة، ما كان ضرّك وأنت تعلم أنها لؤلؤة).
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|