فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
كيف ننمي موهبة العقل؟
ولأن وصية الإمام لهشام برنامج متكامل في حقل العقل، فإنه-عليه السلام- يذكره بالعقل ووسائل تنميته، وأبرزها الأمور التالية:
أولاً: الزهد في الدنيا، التي هي الحجاب الأكبر أمام عقل الإنسان أوَ تدري لماذا؟ لأن القلب المنهوم بالدنيا لا يني يبحث عنها ويدخل الصراع تلو الصراع من أجلها، فيغلب على قبله حبّها ويغلب على فكره كيفيّة الحصول عليها، وإذا فَقَدَ شيئاً منها ذابت نفسه حسرةً عليها، وفي مثل هذه الحالة أنَّى له الاهتمام بالحكمة ودرجات الكمال المعنوي.. لنستمع إلى مواعظ الإمام في ذلك علّنا نهتدي بها ونتكامل عقليّاً ببركتها:
(ياهشام! كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك..
ياهشام! ان العقلاء تركوا فضول الدنيا، فكيف بالذنوب؟ وترك الدنيا من الفضل، وترك الذنوب من الفرض).
لعّل الإمام يقصد بيان هذه الحقيقة أن الذنوب هي التي يجب اجتنابها ولكن العقلاء تركوا أيضاً الزيادة في الدنيا احتياطاً لأنفسهم وحمايةً لها من الوقوع في أشراك الذنوب.. ولأن اهتمامهم بفضل الدنيا كان يمنعهم من التقدّم في مدارج الكمال المعنوي.
وأضاف الإمام-عليه السلام-:
(إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا، ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أنّ الدّنيا طالبة ومطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة، فمنْ طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومِنْ طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته).
والتضرّع إلى الله وسيلة هامة نحو تكميل العقل، ليس فقط لأنه يروّض النفس على العبودية لله التي تورث-بدورها- كمال العقل، بل لأن الله سبحانه يؤيد عقل المؤمن بنور هداه، فإذا به ينظر بنور الله..
هكذا ينصح الإمام عليه السلام هشاماً بالتضرّع إلى الله ليكمل عقله فيكون غنَّى في النفس وراحة في القلب من الحسد، وسلامة في الدين، وقال:
(ياهشام! من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين، فَلْيَتَضَرَّعْ إلى الله في مسألته، بأنْ يكمل عقله، فمَنْ عقل قنع بما يكفيه، ومَنْ قنع بما يكفيه استغنى، ومَنْ لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى ابداً).
ويبينِّ الإمام حقيقةً هامةً إذ يصف العاقل بمَن يجد حقيقة المعرفة في قلبه، فتفيض آثارها على جوارحه، فإذا بأفعاله جميعاً رسل قلبه المطمئن وعقله النّير.
(ياهشام! أنّ الله عزّ وجلّ حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا: (ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هَدَيْتنا وَهَبْ لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهّاب)38. حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها. إنه لم يَخَفِ الله مَنْ لم يعقل عن الله، ومَنْ لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قبله، ولا يكون أحد كذلك إلاّ مَنْ كان قوله لفعله مصدّقاً، وسره لعلانيته موافقاً، لأنّ الله لا يبدِّل على الباطن الخفي من العقل إلاّ بظاهرٍ منه وناطقٍ عنه).
هكذا يؤكِّد الإمام الحقيقة التي سبق أن بيَّنها من أنّ الهدف الأساسّي للدين: أنْ يعقل الإنسانُ عزّة الله، فيكون أثر الوحي في قلبه، وأثر الطاعات، تكامُل عقله ومعرفته وتزكية نفسه، وسكينة الإيمان فيها، وتوافق ظاهره مع واقعه وباطنه.
ولتوضيح هذا الأمر أكثر فأكثر يحكي لنا حديثاً عن جدّه الإمام علي-عليه السلام-يبين فيه طريقة تكامل العقل:
(ياهشام! كان أمير المؤمنين-عليه السلام-يقول: ما من شيء عُبد الله به أفضل من العقل وما تمّ عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، نصيبه من الدنيا: القوت، ولا يشبع من العلم دهره، الذلّ أحبُّ إليه مع الله من العزّ مع غيره، والتواضع أحبُّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقلّ كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيراً منه وأنه شرّهم في نفسه، وهو تمام الأمر).
هكذا لو أخضع الإنسان نفسه الأمّارة بالسوء، حتى أتّصف بتلك الصفات الحميدة واستطاع أن يقتلع جذر الفساد من نفسه-الذي يتمثّل في الكبر- فإذا به يرى أنّ الآخرين هم أفضل منه، وهناك يكتمل عقله، وهو تمام الأمر..
ويسوق الإمام الكاظم طائفة من الخصال الحميدة قبل أن يبينّ العلاقة بين العقل والمروءة، وبين المروءة والدين فيقول:
(ياهشام! مَنْ صدق لسانه زكى عمله ومَنْ حسنت نّيته زيد في رزقه، ومَنْ حَسُنَ بُّره بإخوانه وأهله مُدَّ في عمره.
ياهشام! لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
ياهشام! كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا.
ياهشام! لا دين لمَنْ لا مروءة له، ولا مروءة لمَنْ لا عقل له).
ويتبادر سؤال: ما هي المروءة، وما هي العلاقة بينها وبين العقل، والدين؟
الجواب: إنّ المروءة هي جماع صفات الخير التي يراها الناس تكوِّن شخصية الرجل المتكامل. وقد يختلف بعض أبعادها عبر العصور والأمصار، إلا أن إطاراتها العامة واحدة. وبما أن الذين يستحسنونها هم ذوو العقول فإنها تعتبر علامة مميزّة للعقل، فمن لا مروءة له لا عقل له.
ومن جهة أخرى، فلأن العقل والدين متطابقان، فإن المروءة والدين متطابقان أيضاً.
وبعد بيان هذه الحقيقة يعود لبيان علامة أخرى للعقل هي سمّو التطلّع، وعلّو الهمّة فمَنْ لم يرض لنفسه إلا الآخرة كان عظيماً: (وإن أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطراً 39 أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها).
ثم يسوق الإمام جملةً أخرى من الصفات الحميدة التي تعتبر علامات لكمال العقل، كما أن، السعي وراء التحلّي بها وسيلة قريبة لزيادة العقل.. ونحن إذ نتلوها معاً بلا شرح فلأنها واضحة، وعلاقتها بزيادة العقل شبيهة بعلاقة نظائرها مما تحدثنا عنه آنفاً.
(ياهشام! إنّ أمير المؤمنين_عليه السلام-كان يقول40: (لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فَمْن لم يكُنْ فيه شيءٍ منهنّ فجلس فهو أحمق).
وقال الحسن بن علي- عليه السلام-: (إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها) قيل: يابن رسول الله ومَنْ أهلها؟ قال: (الذين قَصَّ الله في كتابه وذكرهم فقال: (أنما يتذكّر أُولو الألباب)41 قال: هم أُولو العقول).
وقال علي بن الحسين-عليه السلام-: (مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وأدب العلماء (4) زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العزّ، واستثمار المال (5) تمام المروءة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الأذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً).
ياهشام! إنّ العاقل لا يحدّث مَنْ يخاف تكذيبه، ولا يسأل مَنْ مَنْعه، ولا يعد ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنّف برجائه(1) ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه(2)
وكان أمير المؤمنين-عليه السلام-يوصي أصحابه فيقول: (أوصيكم بالخشية من الله في السّر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى، وأن تصلوا مَنْ قَطَعَكُمْ، وتعفُوا عَمَّنْ ظلمكم، وتعطوا (3) على مَنْ حرمكم، وليكن نظركم عبراً، وصمتكم فكراً، وقولكم ذكراً، وطبيعتكم السخاء (4) فإنه لا يدخل الجنة بخيل، ولا يدخل النار سخي).
ياهشام! رَحَمَ الله مَنِ استحيا منَ الله حقَّ الحياءِ، فحفظ الرأس وما حَوَى (5) والبطن وما وَعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أن الجنّة محفوفة بالمكاره (6)، والنار محفوفة الشهوات.
ياهشام! مَنْ كفّ نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة، ومَنْ كفّ غضبه عن الناس كفّ الله عنه غضبه يوم القيامة.
ياهشام! إنّ العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه.
ياهشام! وجد في ذوابة7 سيف رسول الله –صلّى الله عليه وآله- أن اعتى الناس على الله منْ ضرب غير ضاربه، وقتل غير قاتله. العقل في المصطلح البشري
لأن الفلاسفة تكلّفوا علم الكيف وتساءلوا: كيف يعقل الإنسان الحقائق؟ وتكلّفوا علم الذات وتساءلوا: ما هو ذات العقل؟ فإنهم تصوّروا العقل سلسلة معقولات وحُجبوا عن معرفة ذلك النور الذي يكشفها، لأنه أساساً لم يكن ليعرف بغيره، ولأنه أعلى وأسمى من أن يعرف ذاته أو يحاط علماً بكيفياته..
وقد تحدّثنا في موضع آخر عن مشكلة الفلاسفة اليونان التي ورثها أتباعها في غرورهم العلمي وزعمهم بأنهم قادرون على التعرّف على كل شيء بأدواتهم المحدودة..
وقد قال ربّنا سبحانه: (وما أُتيتم من العلم إلا قليلاً) ولعل هذه الكلمة جاءت بالذات عند سؤالهم عن العقل، لأنَّ ربَّنا سبحانه قال: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)8.
والروح- هو الذي يتنزَّل من كل أمر في ليلة القدر وهو الوسيط بين الله ورسله ويسمَّى بروح القدس. والله العالم.
وكان مثل البشر المتكلفين علم الغيب مثل أعمى يزعم أنه قادرٌ على معرفة الألوان باللمس فيزعم أن الشيء الناعم أبيض، وأن الشيء الخشن أسود، وأن ما بينهما هو ألوان مختلفة حسب درجة ملامستها أو خشونتها. ومشكلة هذا الأعمى حقيقة تكلّف علمٍ لا يملك أدواته. وكذلك مشكلة البشر في الحقائق ما فوق المادية أنه يريد أن يتعرف عليها بوسائله المحدودة مع أن هذه الوسائل قد هيّئت له لمعرفة الحقائق المشهودة.. ويكفيه في الأمور الغيبية أن يعرف منها ما أوتي علمه عبر آياتها المنعكسة على عالم الشهود. مثلاً يكفينا في معرفة الله آياته المنتشرة في حقائق الوجود ولا يجوز لنا ان نتساءل: كيف، ولم، وبِمَ وسائر الاسئلة التي تتصل بذاته سبحانه فأنى لنا معرفة ذلك ونحن لم نبلغ واحداً من مليار جزء من معرفة حقائق الوجود المشهودة.
وهكذا وقع الفلاسفة في ضلالٍ عظيم حيث زعموا أن العقل هو تلك الأحكام المسبقة الضرورية والبديهية كقانون العلية وقانون امتناع التناقض،وما أشبه. وهذه البديهيات ليست سوى حقائق يكشفها العقل كما يكشف غيرها من الحقائق الكثيرة، بل لو لم يكُن العقل مع الإنسان في كل خطوة من خطواته، وكل مرحلة من مراحل حياته، لكانت الدنيا عليه مظلمة ولما عرف شيئاً.
ولأنّ سبيلهم كان خاطئاً منذ البداية فإنهم ضلّوا في النتائج ضلالاً بعيداً.. فتراهم في موضوع معرفة الله حاولوا التعرّف على ذاته بالتوهُّمات، فانتهى بعضهم إلى وحدة الوجود، وأثبت تطوُّراً ذاتيّاً له سبحانه، وتاه بعضهم في هذا المجال حتى زعم أن كل شيء هو الله، وقال: ليس في جُبَّتي سوى الله. وزعم أن الله يتجلَّى في الصنم كما يتجلَّى في الصمد…
وفي معرفة أسمائه سبحانه: زعموا قِدَمَ الإرادة وأزليتها، مما أَلْزَمَهُمُ الجبر في الافعال، ولم يستطيعوا عنه فكاكاً.
وفي معرفة سائر أسمائه قاسوا ربهم بخلقه، فشبهوه، وتوهّموه، ولم يعبدوا ربهم الحق، وإنّما عبدوا ما تصوّروه..
وربما جرَّدوه عن أسمائه لأنّهم لم يعرفوا كيف هي، وما هي علاقتها به سبحانه، حتى أن بعضهم نفى علمه بالجزئيات وفي الوحي والمعاجز ويوم البعث كانت لهم تكلُّفات بعيدة عن ضروريات العقل والدين. كل ذلك لانهم زعموا أنهم قادرون على الإحاطة علماً بكل شيء من خلال معارفهم المحدودة.
وكثرة أخطائهم وتناقضاتهم وإختلافاتهم أفقدتنا الثقة بمناهجهم، ولَّما فتَّشنا عن جذر الخطأ رأيناه متمثّلاً في نظرياتهم في العقل والعلم، وفي خلطهم العقل بالمعقول، والعلم بالمعلوم.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب