فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الثاني: العقل يهدي إلى الشرع
دور العقل في حقائق الوحي

حديثنا السابق بيّن دور الوحي في بلورة العقل البشري-فهل ياترى- للعقل دور في حقائق الوحي وقضاياه؟ بلى، وهو دور اساسي ايضاً، فبدونه تبقى فائدة الوحي محدودة.. وصفوة القول في ذلك.. أن للعقل ثلاثَ مهام فيما يتّصل بالوحي:
1- تصديق الوحي.
2- فقه شرائعه
3- معرفة مصاديقه.
وها نحن نفصّل القول في المهمتين الأوليتين اما المهمة الثالثة فسوف نتحدث عنها في مناسبة أخرى.
1/تصديق الوحي
يتسّلل الإنسان ليلاً من وثير فراشه، فيلقي نظرة على النجوم التي تحدثه بآيات الجمال والجلال كم ألف ألف مجرة في هذه السماء، وفي كلّ مجرة كم الف ألف نجمة هي أكبر من شمسنا وأبهر نوراً.. ويسأل نفسه: كم هي ياترى المسافة التي قطعها الشعاع الذي يلامس بصري منذ انبعث من هذه النجمة؟ كم ألف ألف عام قضته هذه الومضة من النور حتى بلغت ناظري. يقال إن بعض الومضات قد قطعت اربعين مليون عام قبل أن يصل بصيصٌ منها إلينا.
ألا ترى بعض النجوم خافتة الضوء باهتة اللون؟ أيّ قدرة تدبّر ملكوت هذا الوجود العظيم الذي خلقها ونظمها وأودع فيها ما يصلحها؟.
مَنْ أنا؟ ما هو دوري؟ ولماذا خُلقت؟ وهل الرب الذي تتجلى حكمته في تنظيم خلايا بناني بذات الدقة التي تتجلى في تنظيم تجمعات المجرات العملاقة.. هل الحكيم خلقني عبثاً..؟ كلا..
هنالك يهتزّ القلب لحقيقة المسؤولية، ويبصر-بنور العقل- أبعادها وآفاقها.. ويقول بلا ريب تردّد:
سبحانك اللِّم أَعِنَّي على نفسي.. إهدني سبيلي وعرّفني الهدف الذي خلقتني له، ووفقني لأداء أمانتك عندي، وَقِني عذاب النار.
كانت تلك رحلة العاقل من عمق صحراء الشك إلى ذروة حقيقة الإيمان وعنها يقول ربّنا سبحانه: (إنَّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات ُلأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكَّرن في خلق السموات والأرض ربنّا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار، ربنَّا إنك من تُدخلِ النّار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصارٍ)44.
وتتموَّج المعارف في ذلك القلب المغمور بنور العقل كما تتموّج المحيطات عند أعتى الأعاصير.
هنالك يعرف العقل حقيقة الرسالة التي هي تجلِّيات الحكة الإلهية في ضمير الإنسان.. يعرف أن تلك القيم التي يدركها عقله، ويدرك أنها تتصل بضمير الكائنات، وبغيب الحياة، وروح الخلائق، إنها تفيض من غيب الربوبية، ومن وراء حجب ملكوته الأعلى..
إنَّ التطابق والتكامل اللذين يجدهما القلب الواعي بين القيم العقلية التي يجدها في داخله ويشهد صدقها، ويرى حقائقها بلا حجاب ولا ارتياب، أقول: إن التطابق والتكامل بينهما وبين الحقائق التي تَشّر بها الرسالات، لأهمُّ دليلٍ وجدانّي على صدقها وصدق المبشّرين بها، والحاملين لها والمخلصين في الدعوة اليها.
إنَّ الحقائق الكبرى واحدةُ، يتّصل بعض أبعادها ببعضٍ كما تتّصل أشعة الشمس ببعضها، فالإيمان بالله يتجلَّى للقلب الذي ينفذُ إلى روح الكائنات، وضميرها المتمثّل في الحكمة البالغة والتدبير المهيمن على كل شيء. ومن الإيمان بالله الحكيم، ينبعث الإيمان بالجزاء وباليوم الآخر، ومنهما يفيض الإيمان بالرسالة وبالرسول.
وهذا الدور المعترف به لدى كل كل المؤمنين بالرسالة هو الأساس، وقد استشهدت به الآيات القرآنية، حيث أمرت بالتفكّر والتذكّر.
فبالتفكّر في الايات نعرف ربّنا العزيز، فقال سبحانه: (إنّ في خلق السماوات وأرض واختلافِ الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب)45.
وبالتفكّر نعرف الرسالة والرسول:
(أم لم يعرفوا رسوَلُهم فهم له منكرون)46.
وقال سبحانه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)47. ومن التفكُّر في الآيات الإلهية في الخليقة وفي آيات اله المنزلة في كتابه، يهتدي العاقل إلى أصول الشرائع الإلهية، لأن عدلُ الله يتجلّى في قيمة العدل في شرائعه، ولأن حكمته في ابتلاء الخلق تتجلى في قيمة الحرية، ولأن رحمته الواسعة تتجلَّى في قيمة الأمن والرفاه في أحكامه. وهكذا يتحقَّق دور العقل في فقه الشرائع.
2/ فقه الاحكام
بالتفقَّه في الدين والتدبُّر في آيات الكتاب، يعرف العقل البشري الأصول العامة للشرائع الإلهية ومن خلالها يتدرَّج نحو معرفة سائر الأحكام.
إنك حين تتدبَّر في آيات الكتاب لا تجد حكماً شرعيّاً إلا وقد بيّنت حكمته إلى يسوقها القرآن الكريم عبر مثلٍ أو قصّةٍ أو أمثولة. وتتكرّر معها عادةً كلمات: من أجل ذلك، أو كذلك. أو لكي لا، أو لا يريد الله، أو ما أشبه.
القرآن الحكيم، كتاب حكمة كما هو كتاب شريعة، بل قبل أن يكون كتاب شريعة. وقد قال سبحانه: (ذلك مّأ أوحى إليك ربّك من الحكمة)48.
وقد سمّى ربُّنا كتابه الكريم بأنه تذكرة وتبصرة ونور وهدى وضياء وشفاء وما إلى ذلك مما يتناسب وحكمة الشرائع وتفقه روحها وبلوغ مرامها وقيمها وحين نتلو سورة الأنعام التي تفيض على أفئدة المؤمنين نور التوحيد، وتطّهرها من دنس الشرك بكل ألوانه وأبعاده49 نجد كيف يبينّ ربّنا لنا أحكام الدين التي هي-في الأصل- ثمارُ شجرة التوحيد المباركة، وهي-في الخاتمة-معارج للعقل والتقوى واليقين.. فالحكم الذي لا ينبعث من التوحيد نبتةً مجتثة لا تلبث أن تهيج وتصفّر، والحكم الذي لا يتّخذ معراجاً نحو العقل والتقوى واليقين، قشرةٌ خاوية لا لبَّ فيها ولا فائدة.
فانظر كيف تشرح سورة الأنعام أولاً: قُبح التكذيب بآيات الله لأنه أصل فساد القلب، وسبب ضلال النفس، ويمدح المؤمنين الذين يعرفون الكتاب كما يعرفون أبناءهم ويقول:
(الذين آتيناهُمُ الكتابَ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون)50.
وكأن الكتابَ ابنُ عقلِ الإنسان، والتكذيب به خساةٌ للنفس، فما قيمة نفس لا عقل فيها؟.
وبعد بيان الصلة بين الشرك والكذب، يبينّ ربّنا ما به شفاء صدر الإنسان الواعي من درن الشرك والكذب.
ثم حين يبينَّ قيمة الأمن المنبعثة من قيمة التوحيد، يستعرض في البدء قصة إبراهم-عليه السلام-حين سلك بقومه سبيل الإيمان بالله عبر النظر في ملكوت ربه والإعجاب بالكوكب والقمر وبالشمس ثم الكفر بها جميعاً، والتوجّه إلى الذي فطر السموات والأرض ثم قال ربّنا سبحانه:
(وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون)51 (الذين آمنوا ولم يلبسُوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهُمُ الأمن وهم مهتدون)52.
وعندما يكرس قيمة التوحيد في النظام السياسي ينوَّه بعباده الصالحين الذي فضّلهم على العالمين ثم يقول: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلاَّ ذكرى للعالمين)53.
وعندما يذكرنا بأصل الإباحة،ويبعث العباد إلى الانتفاع بما في الأرض إلا ما تلُي عليهم من المحرمات، يبيِّن ذلك بالمنهج التالي:
(فكُلُوا ممَّا ذُكر إسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين)54.
هكذا يأمر الأكل ويجعل ذلك من ثمرات الإيمان ويقول: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذُكر اسمُ الله عليه وقد فصَّل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه، وإنّ كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علمٍ إنَّ ربّك ه أعلمُ بالمعتدين)55.
أرأيت كيف يفصِّل القول في جوانب القضية حتى يصل لنا نورً وهدىً ننفذ بهما في عمق الموضوع، فنعرف-مثلاً-أن حالة غير إلهية وهي ضلالة جاهلية يسببها اتباع الهوى بل هي حالة عدوانية معنفة.
ويبنَّ ربّنا دور المجرمين الذين يمكرون في الأرض، ولا سبب في تسلُّطهم على الناس، ونَشرهم للفساد والجريمة،ضرورة مقاومتهم حتى ينعم الناس بدار السلام فيقول سبحانه: وكذلك جَعَلنا في كلّ قرية أكابَر مجرميها ليَمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون)56.
ثم يقول: (وهذا صراط ربِّك مستقيماً قد فصَّلت الآيات لقومٍ يذكرون لهم دار السلام عند ربّهم وهو وليَّهم بما كانوا يعملون)57.
ويختم حديثه ببيان الحكمة البالغة في تولَّي الظالمين السلطة ويقول: وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون)58.
هكذا يفصّل القول في أطراف القضية حتى نعرف كل ما يتصل بها من حقائق ومن ثم نستوحي منها ما يمكن من أحكام فرعية..
وفي القضية الاقتصادية (المعاشية) وبيان خط الاعتدال بين الإسراف والتقتير يصرف السياق القرآني الانظرال إلى نِعَمِ الله ليعرفوا بأنفسهم الحكمة منها فيقول سبحانه: وهو الذي أنشأ جناتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍ والنخلَ والزرعَ مختلفاً أُكله والزيتونَ والرمانَ متشابهاً وغيرَ متشابهٍ كُلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حَصاَدِهِ ولا تُسرفوا إنّه لا يحبُّ المُسرفين)59.
فمن دون معرفة الله الذي أسبغ علينا هذه النعم والإيمان بحكمته كيف نستطيع أن نعرف الحكمة منها؟ ومن دون معرفة الحكمة منها أنّى لنا التعرف على أحكامها؟ فإذا كانت الحكمة من النعم الانتفاع بها فإنَّ الإسراف فيها-كما تحريمها- على النفس ظلم فاحش.
كما أن الاستفادة منها في التسلُّط على الناس أو الاعتداء عليهم أو حرمانهم عنها إنّ كل ذلك مخالفة فاحشة لحكمة وجودها. يقول ربنا سبحانه: (ومن الأنعام حمولةً وفرشاً كُلُوا مما رزقُكُم الله ولا تَتَّبوعوا خطوات الشيطان إنّه لكم عدو مبين)60.
وبعد بيان ظلم الذين يحرمون على أنفسهم نعم الله التي أخرجها لعباده، يقول سبحانه: (قل لا أجدُ في ما أُوحي إليَّ محرَّماً على طاعمٍ يطعّمُه إلاَّ أنْ يكونَ مَيْتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزيرٍ فإنهّض رجسٌ أو فسقاً أُهِلَّ لغيرِ الله به فمن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنَّ ربَّك غفورٌ رحيمٌ)61.
ويعود ويذّم أولئك الذين يحرِّمون ما أحلَّ الله ويقول: (قُلْ هلمَِّ شهداءكم الَّذين يشهدون أن الله حرَّم هذا فإنْ شَهِدُوا فلا تشهَدْ معهم ولا تَتَّبع أهواء الذَّين كذَّبوا بآياتنا والَّذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهِّم يعدِلُون)62.
وبعد ذلك يبينَّ بوضوحٍ قائمةَ المحرَّمات الأساسية التي تحدِّد حرّية الإنسان، لكي يقطع السبيل على كل جبّار يصادر حريات البشر باسم الدين، وعلى كلّ شيطان جاهلي معقّد يوزّع على الناس فتاوى التحريم والتفكير، فيقول سبحانه: (قل تعالْوا أَتلُ ما حرَّم ربّكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم ولا تقرَبُوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا تقتلوا النفس التي حَّرم الله إلا بالحقّ ذلكم وصَّاكم به لعلَّكم تعقِلُون، ولا تقرَبوا مالُ اليتيم إلاَّ بالتي هي أحسنُ حتى يبلغ أشدَّه وأوفُوا الكيلَ والميزان بالقسط لا نكلِّف نفساً غلا وُسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهِد الله أوْفوا ذلكم وصَّاكم به لعلَّكُم تذكرَّون)63.
فالتعقُل والتذكُر هما هدف وصايا الله، إذ بهذه الوصايا ينمو عقل الإنسان، وتتموج معارفه الفطرية.. أليس هذه الوصايا تطابق ما في ضمير كل واحدٍ من البشر من الركائز الوجدانية؟
هكذا نجد آيات سورة الانعام تغني العقل بالحكم التي تذكر بها، فإذا كان الإنسان في مستوى تلقِّي هذه الحكم، وتنمية مواهبه الفطرية بها، حتى تصبح تلك الحكم واضحةً عنده يعرفها كما يعرف المرء ابنه، عندئذ يستطيع أن يستفيد أمرين:
استنباط الفروع من الأصول
أولاً: الرجوع ال القيم لمعرفة الحكم الأولى والأهم والتزاحم وهو ما نتحدث عنه في مناسبة أخرى انشاء الله.
ثانيا: فمن عرف حِكمَ الأمن والحرية والعدالة، فإذا أضرّ عملٌ بأمن الناس، أو سَلَبَهُمْ حريتهم أو كان فيه ظلمٌ ظاهرٌ أو خفيّ فإنه يصبح حراماً كما أنه لو توقف تحقيق هذه الحِكم على عمل معين أضحى واجباً.
وبالرغم من أن الشريعة قد أوضحت الأحكام الفرعية التي تحقَّق هذه الحكم بصورةٍ كافيةٍ إلا أن تلك الأحكام الفرعية تّتّصل بالثوابت، بينما الحوادث المتغّيرة والتي هي من حيث المجموع-أكثر من الثوابت لا تزال بحاجة ماسة إلى الاستنباط لمعرفة احكام تلك المتغيرات من لكم.
وفيما يلي نضرب طائفة من الامثلة لتوضيح ذلك:
الف: حينما أمرنا الله سبحانه بالطهارة بين حكمتها وقال سبحانه:
(يا أيها الذي آمنوا إذا قُمتم إلى الصلاة فّاغْسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وّأمسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعَبْين، وإنْ كنتم جنبا فاطهروا وإنْ كنتم مرضى أو على سفرٍ أو جاءَ أحدٌ منكم من الغائطِ أو لامَسْتُمُ النساء فلم تجدوا ماًء فتيمَّمُوا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرجٍ ولكنْ يريد ليطهّركم وليتَّم نعمتَه عليكم لعلّكم تشكرون)64.
فالحكمة من هذه الواجبات طهارة الإنسان التي هي وسيلة لإتمام العنمة. وبالتالي لشكر المؤمن. وبما أن إتمام النعمة الإلهية تتمثّل في قرُبه من الله تعالى وبما أنَّ الإنسان الطاهر يكون أقرب إلى الله وجبت الطهارة قبل العبادة.
من هذه الحكمة نعرف أنّ كل قذرٍ ووسخٍ مكروهٌ عند ربنا، ويبعد الإنسان من ربه، فلا بدّ من تجنبه. وأنَّ كلَّ طهارةٍ محبوبةٌ، كطهارةِ البدن والثوب والبيت والشارع والهواء. وكما ان الجسد القذر لا يناسب العبادة، كذلك الثوب القذر والمحل القذر والهواء الملوّث بالدخان والغبار والغازات المضّرة لا يناسب الإنسان المسلم والمجتمع المسلم.
وهكذا جاء استنباط حكم تلوث البيئة من هذه الآية، ومن آياتٍ مشابهة وكلنه بحاجة إلى قلبٍ واعٍ ينفذ إلى حكمة الواجب الشرعي، ويستلهم منها الأحكام الفرعية.
باء: يأمرنا الله سبحانه بالصلاة ويبينَّ حكمتها فيقول سبحانه: (فإذا قضيتُمُ الصلاة فَاْذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنُوُبكم فإذا اطمأننْتُمْ فأقيموا الصلاة إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً)65.
وجاءت هذه الآية الكريمة في سياق أمر الله بصلاة الخوف.
وقال سبحانه: (وأَقِمِ الصَّلاة لِذِكْري)66.
فالصلاة إذاً شُرعِّت لذكر الله، وذكُر الله واجبٌ على كل حال قياماً وقعوداً وعلى الجنوب.. وفي الحرب والسلم، وهي-كذلك-كتاب موقوت، فهي على ذلك لا تترك بحال.
فإذا كان الإنسان في الطائرة أو في قطار مزدحم، أو على سرير المستشفى أو في أي حالٍ يجب ألا يترك الصلاة بأية طريقة يقدر عليها.
واذا كان مع الوضوء أو التيمم، أو بدونهما فلا ينبغي ان يترك صلاته. وهكذا نستنبط من هذه الحكمة المذكورة في الكتاب حكم فاقد الطهورين (الطهارة المائية والترابية) فانه لا يجوز له ترك الصلاة رأساً.
جيم: في سورة الحشر عندما يبينَّ ربّنا سبحانه حكم الغنائم الحربية ذكرنا بأصلٍ مهم في الحياة الاقتصادية وقال سبحانه: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخُذُوه وما نهاكُمْ عنه فانتهوا واتَّقُوا الله إن الله شديدُ العقاب)67.
فإذا كانَ وَضْعٌ اقتصادي معين يسبب تداول الثروة بين الأغنياء فقط وحرمان الطبقات المستضعفة من خيرات الثروة، فإن ذلك أمر شاذ عن تعلم الدين ويجب تعديله..
وكذب حينما بيّن ربّنا سبحانه حكم السفهاء وقال: (ولا تؤتوا السَّفهَاء أموالكم التي جعل الله لكُم قياماً وَارزقوهم فها وأكسوُهم وهولوا لهم قولاً معروفاً)68.
هكذا بيّن حكمة المال وأنه قيامٌ للناس، فإذا أضرّ تصرُّف معّين بهذه الحكمة المالية فإنه يصبح لا غياً.
فمن كنز الذهب والفضة، أو كرس أمواله في البنوك الأجنبية، وترك شعبه بحاجة إلى الثروة لتدوير اقتصاده، فإن عمله محالف لحكمة المال.
دال: وعندما بيّن لنا الدين حكم العقود جعل ذلك بصفةٍ مطلقة وقال سبحانه: (ياأيها الذين آمنُوا أوفُوا بالعقودِ أحلَّت لكم بهيمة الأنعام إلاّ ما يتُلى عليكم غير محلّي الصيد وأنتم حرُْمٌ إن الله يحكم ما يريد)69 ولان كلمة العقود هنا عامة تشمل كلّ تداول وتبادل، فإن كلّ عقدٍ عرفّي مشروعٌ شريطة ألاّ يتعارض والأحكام الشرعية كالمصالح المحَّرمة مثل بيع الخمر، وهكذا العقود الفردية والضررية وما أشبه.
وقد قال سبحانه: (إلا أنْ تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألاَّ تكتبوها)70.
وقال سبحانه: (ياأيّها الذين آمنُوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)71.
بمثل هذه الآيات نعرف الحكمة العامة في فقه الإقتصاد، ومنها نستنبط الحكم الفرعي المناسب لكل عقد مستحدث.
بين الاستنباط والقياس
وليس هذا الاستنباط من نوع القياس الذي يرفضه مذهب أهل البيت-عليهم السلام- والسبب هو:
أولا: أن القياس منجٌ جذرياً مع المنهج القرآني وقد ناقشنا ذلك في مناسبةٍ سبقت.
ثانياً: أن القياس-في المصطلح- التعُّرف على حكم النظير من خلال علّة مظنونة في نظيره، بينما هنا نحن نريد استنباط حكم الفرع من الأصل. وعلى هذا فإن أساس البصيرة القرآنية التي عرفناها بفضل أحاديث أهل البيت-عليهم السلام- هو السعي لفهم الحكم العامة في الشريعة عبر التدبُّر في آيات الذكر. والسلوك عبر المنهج الإلهي الذي بشّر به الدين وسبق الحدث عنه. وإذا تبصرَّنا الحكم هذه جيداً، وعرفناها يقيناً فإننا نستنبط منها حكم المسألة الفرعية بلا تردّد، ويكن علمنا به علماً يقينياً أو لا أقل تطمئن نفوسنا إله مما يكفينا حجة شرعية، كما سوف نتحدث عنه في مناسبة أخرى إن شاء الله.
وهكذا يرى هذا المنهج أنه لا يجوز لا أخذ بالحكمة المظنونة، ولكن يوصينا بضرورة البحث الجدي لمعرفة حكمة كل حكم شرعي من خلال التدبّر في النصوص (الآيات والروايات) فنحن ندعو إلى الحصول على العلم بالحكمة الآلهية الموجودة في كل حكم شرعي. ولا ندعو إلى العمل بالحكم الستنبطة بالقياس الظني. والفرق بينهما هو الفرق بين العمل وبالاستنباط العلمي وبين العمل بالقياس الظني ولله الموفق..

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب