فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
إيقاظ العقل
العقل نور الإنسان يغفل عنه، ويضل بعيداً في ظلمات جهله، ويغطّ في سبات عميق!‍
ويبعث الله أنبياءه الكرام ليثيروا للناس دفائن العقول، ويوقظوهم من سباتهم.
إنهم في ظلمات الجهل، ويخرجهم الأنبياء إلى نور العقل.
(الله وليُّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظلمات إلى النور)72.
(كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور)73.
أن أخَرج قومك من الظلمات إلى النور)74.
وهذا هو دور التذكرة الأساسي الذي يقول عنه الإمام أمير لمؤمنين-عليه السلام- في سياق حديثه عن هدف إنبعاث الرسل عليهم السلام ليستأدوهم ميثاق فطرته وليذكروهم منسي نعمته ويثيروا له دفائن العقول وقد أشارت آيات القرآن زهاء (250) مرة إلى هذا الدور العظيم، دور التذكرة حتى سُميِّ القرآن ذكراً كما سُمِّي الرسلو الأكرم بالذكر وقال ربنا سبحانه:
(وما تسألهم عليه من أجرٍ إنْ هو إلا ذكر للعالمين)75.
(وإنه لذكرٌ ولقومك وسوف تسألون)76.
والآياتُ التي تبعث الإنسان نحو النظر والتفكر والتعقل والتدبر وما أشبه إضاءاتٌ في هذا السيل وإذا استيقظ العقل من سباته، واستثيرت دفائنه، فإنّ صاحبه يتجنب نسبةً كبيرة من الأخطاء الجذرية، والضلالات البعيدة، ومن أجل أن نعرف ذلك دَعنا نبيِّن فكرةً أساسية:
الصور التي تنعكس على نفوسنا من الحقائق الخارجية ربما كانت مطابقة لها، وربما كانت مخالفة، فلا يمكن الاعتماد عليها، والثقة بها.
والمشكلة الرئيسية التي ظلت تقلق البشرية دوماً هي البحث عن ضمانةٍ لمعرفة مدى تطابق ما نعتقد انه حقٌ فعلاً، وبتعبيرٍ أخر عن طريقةٍ لتجنُّب الخطأ.
ولا شك شكّ أن محاولات البشر لإصلاح (المنطق) قد نجحت جزئياًّ منذ انتشار الفكر السوفسطائي الجدلي. والمنطق الأرسطي الذي جاء ردّاً مناسباً له، ثم المتطورات المحددة التي طرأت عله وحتى المناهج الحديثة كالمنطق الرياضي والتجريبي.
إلا أنّ الريب لا يزال يحكم عقل البشر، وذلك لأنه لم يفتش عن ذات العقل الذي يعتبر بمثبتة المصباح، إنما إكتفى بشعاعه وجعله بديلاً عنه. ولو عرف المصباح وجعل شعاعه دليلاً عليه لكفاه ذلك.
وهذا بالضبط هو النهج الإسلامي في المعرفة: اكتشاف المصباح بالمصباح، وبما يشّع من ضياء وعدم الالحاد فيه بما يضاء من أشياء. أرأيت العلم بسائر الحقائق انما يكون بفضل النور فإذا عقل البشر هذه الحقيقة ان علمه بالبديهيات والتي هي أصل العلم بسائل الحقائق، انما يكون بفضل النور الإلهي الذي نسميه عقلاُ أو علماً؛ عرف ان الغفلة عن هذا النور ضلال مبين..
بلى، إن معرفة النور الذي يضيء ما حوله ليست كمعرفة الاشياء التي تضاء بالنور، أو تدري لماذا؟ لأنّ النور يعرف بذاته، وبما يكشفه من الحقائق، فإذا أردت معرفته بغيره ضللت عنه، وعرفت مجموعة أشياء مضاءة هي بدورها بذات النور ولم نعرف النور ذاته كما تورط الفلاسفة حين زعموا أن العقل هو البديهيات أو ما يسمى اليوم بالأحكام المسبقة) أو هي الصور المنعكسة من الأشياء في صقع الذهن البشري. ولم يسألوا أنفسهم كيف يتم علمنا بهذه البديهيات أو بتلك الصور.
ولأن الصور فد تكون حقائق وقد تكون افرازات لحالات نفسية أو عصبية أو ما أشبه والتي نسميها (الاوهام) فقد وقعوا في إشكالية كبيرة لم تنفعهم محاولاتهم العديدة للخروج منها، تلك الاشكالية هي ما الفرق بين الصور المنبعثة من الحقائق الخارجية وتلك الصور المختلقة من الحالات النفسية ودون ان يكون لها أي رصيد من الخارج؟
واعظم ما في بحوثنا هذه اكتشاف وسيلة للتفريق بين الحقائق التي تنعكس علينا وبين (( الأوهام التي تتزاحم عادة على أفئدتنا. وإذا كنا قد وعينا البصائر التي سبقت فإننا نبلغ هذا الهدف بسهولة ونحل تلك الاشكالية كيف ذلك؟
بالطرق التي ذكرّنا بها الإسلام سوف نكتشف العقل .. ونزداد وعياً به.. وبأمتداداته.. وصفاته وصفات من يتحلى به. وهنالك يكون من السهل معرفة أضداده من الجهل والهوى..
وكما ذكرّنا حديث شريف عن الإمام الصادق –عليه السلام – أنه قال : (اعرفوا العقل وجنده، والجهل وجنده، تهتدوا) 77يكون هدفنا الأسمى التعرّف على عقولنا بصورة أفضل حتى لا يتشابه علينا شعاع العقل بظلام الجهل الذي يحيط به. وحسب تعبير أئمة الدين تميّز بين العقل والنكراء التي هي شبيهة بالعقل، فقد جاء في حديث شريف عن الإمام الصادق – عليه السلام- يسأله الراوي ويقول له: ما العقل ؟ قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان. قال ((الراوي)) قلت: فالذي كان في معاوية؟ قال : تلك النكراء وتلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بعقل 78 أقول: إذا ميّزنا العقل عن النكراء، فهنالك نكون كمن وجد المصباح فاستضاء بنوره في دياجير الظلام! وهكذا كانت آيات الوحي وبصائر المفسرين لها لا تني تذكرّنا بالعقل.. وتحفز فينا الرغبة فيه وتحذرنا الجهل وتنذرنا من مغبة اتباعه.
وهذه النصوص لا تنفع كل الناس، إنما تنفع الذين يلقون السمع للشهادة فيسعون جاهدين لمعرفة العقل ولا يحجبون أنفسهم بتصوّرات مسبقة عنه فيضلون عنه السبيل!.
ويبدو ان نهج الوحي في معرفة العقل يتدرج عبر المراحل التالية:
أولا: التذكرة بالعقل.. وبأن الإنسان عاقل، وعليه أن ينتفع بعقله.. واستفاضت الآيات بهذه الكلمات: (أفلا تعقلون)، (أفلا تذكرون)، (ولكنهم لا يشعرون)، (أفلا يتفكرون). وقال ربّنا سبحانه: (وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير)79 وقال سبحانه: (أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قُل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انما يتذكّر أولو الألباب)80.
وقال: (قُل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور)81.
وروي عن النبي –صلّى الله عليه وآله-:
(لكل شيء آلة وعدة، وآلةُ المؤمن وعدته العقل، ولكلّ شيء مطيّة ومطيّةُ المرء العقل، ولكلّ شيء غاية وغايةُ العبادة العقل، ولكلّ قومٍ راعٍ، وراعي العابدين العقل، ولكلّ تاجرٍ بضاعة، وبضاعةُ المجتهدين العقل، ولكل خرابٍ عمارة، وعمارةُ الآخرة العقل، ولكلّ سفرٍ فسطاط يلجأون اليه، وفسطاطُ المسلمين العقل)82.
وعن الإمام علي-عليه السلام-.
(فقدُ العقل فقد الحياة، ولا يقاس إلا بالأموات)83.
ثانياً: بيان صفات العقل وآياته. أو بيان جنوده التي هي-في الواقع- إشعاعاته المختلفة، كالعلم والحلم والصبر والشكر و… وبيان العقل.
فقد جاء في الحديث المأثور عن الامام الصادق-عليه السلام- (اعرفوا العقل وجنده، والجهل وجنده تهتدوا، وانما يدرك الحق بمعرفة العقل وجنده)84.
وأضاف الإمام في حديث آخر: (وأنما يدرك بمعرفة العقل وجنوده، ومجانبة الجهل وجنوده).
وفي حديث ثالث عنه-عليه السلام- قال: (كان مما أعطي العقل من الخمسة والسبعين جنداً الخير وهو وزير العقل، وجعل ضدّه الشر وهو وزير الجهل، والإيمان وضدّه الكفر، والتصديق وضدّه الكفر، والتصديق وضدّه الجحود إلى أخر الحديث)85.
ثالثاً: تعريف الجهل وجنوده. لأنّ الضدّ يعرف بضدّه 86 كما أن الظل يكون دليلاً على الشمس.
جاء في الحدث المأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام-:
(الجهل صورة ركّبت في بني آدم، إقبالها ظلمة، وإدبارها نور، والعبد متقلّب معها كتقلُّب الظلّ مع الشمس ثم قال: وأدنى صفة الجاهل دعواه العلم بلا إستحقاقٍ وأوسطُه جهلُه بالجهل، وأقصاه جحودُه العلمَ، وليس شيء إثباته حقيقة نفيه الا الجهل والدنيا والحرص فالكل منهم كواحد والواحد منهم كالكل)87.
رابعاً: بيان صفات العاقل ممّا يجعل الإنسان الواعي يتذكر أنها فعلاً صفات حميدة. ويهتدي-بالتالي- إلى ذلك النور المودع عنده والذي يكشف له حسن تلك الصفات. وكذلك بيان صفات الجاهل لكي يتذكّر الإنسان قبحها ويتذكّر ويتعرّف على ذلك النور الذي به يبصر قبح تلك الصفات، وهو العقل!.
فقد سئل الإمام أمير المؤمنين-عليه السلام- فقيل له: صف لنا العاقل فقال: هو الذي يضع الشيء مواضعه. قيل له: فصف لنا الجاهل؟ قال: قد فعلت88 (يعني أنه الذي لا يضع الشيء مواضعه).
وعن النبي-صلّى الله عليه وآله_ : (إنّ العاقل مَنْ أطاع الله وإنْ كان دميم المنظر، حقير الخطر، وإنّ الجاهل مَنْ عصى الله وإنْ كان جميل المنظر عظيم الخطر. أفضلُ الناسِ اعقلُ الناسِ)89.
وقال الإمام علَّي-عليه السلام- : (غَضَبُ الجاهل في قوله، وغَضَبُ العاقل في فعله)90.
(إعجاب المرء بنفسه دليلٌ على ضعف عقله)91.
(مَنْ جانب هواه صَحّ عقله).
وفي حديث مفصل يبيّن الرسول الأعظم-صلّى الله عليه وآله_صفات العقل، وجنود الجهل، وعلامات العاقل وعلامات الجاهل، وقد شرحنا جانباً من الحديث في كتاب المنطق الإسلامي: أصوله ومناهجه.92.
خامساً: التذكَّر بخطورة إفرازات الهوى.. من شهوةٍ، أو صفة نفسية كالكبر، والحقد، والعصبية، والحسد، وما أشبه.
إنّ هذه الإفرازات هي-في الواقع- ظلال جنود الجهل، وهي أعداء العقل قال الله سبحانه: (فإنْ لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومَنْ أَضلُّ ممن اتبع هواه بغير هدىَ من الله إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين)93.
وعن الإمام علَّي-عليه السلام- : (ينبغي للعاقل أن يحترس من سُكرِ المال، وسكر القدرة، وسكر العلم، وسكر المدح، وسكر الشباب، فإنّ لكل ذلك رياحاً خبيثة تسلب العقل وتستخف الوقار)94.
جاء في حديثٍ عن الإمام علّي –عليه السلام- : (عدوّ العقل الهوى)95 وقال: (كم من عقل أسير عند هوى أمير) وقال: (الهوى شريك العمى).
روي عنه- عليه السلام- : ( الجهل في ثلاث: الكبر، وشدة المراء، والجهل بالله، فأولئك هم الخاسرون)96.
وروي أن رسول الله مرّ بمجنونٍ فقال: ما له؟ فقيل له: إنه مجنون، فقال: بل هو مصاب، إنما المجنون من آثر الدنيا على الآخرة)97.
وعن الإمام علّي-عليه السلام- (مَنْ إستغنى زلّ، ومَنْ تكّبر على الناس ذلّ) (5).
وقال: (كفى بالمرء جهلاً أن يرضى عن نفسه)98.
سادساً: التذكرة بدور إبليس وسبله في تضليل البشر من وساوسه وهمزاته وغروره وفتنته وكيف يلبس الحق بالباطل ويزّين للإنسان أهواءه.. وواضح أن الإنسان حينما يتقن معرفة الثغرات لا يقع فيها، وكثير من آيات الذر تحذَّر من خطوات الشيطان ومكره وكيده وغروره ووساوسه و… كذلك حينما يقص علينا ربّ‍نا كيف هلك السابقون بضلالهم وكيف سولّت لهم أنفسه خطاياهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون.. فإنه يعلمنا كيف نتجنب مزالق الهاوية، ومداخل الضلال والإنحراف..
قال الله سبحانه: (ينادونهم ألم نكن معكم قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم، وغرَّتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور)99.
وقال سبحانه: (وإمّا ينزغنَّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)100.
وعن النبي الأعظم- صلّى الله عليه وآله- أنه قال لرجلٍ يحذّره من أعدائه: (وأما أعداؤك من الجن، فإبليس وجنوده، فإذا أتاك فقال: مات ابنك فقل: انما خلق الأحياء ليموتوا، وتدخل بضعة مني الجنة إنه ليسرني، فإذا أتاك وقال: قد ذهب مالك، فقل: الحمد لله الذي أعطى وأخذ، وأذهب عنى الزكاة فلا زكاة علي. وإذا أتاك وقال لك: الناس وما على المحسنين من سبيل، واذا أتاك وقال لك: ما أكثر إحسانك يريد أن يدخلك العجب فقل: إساءتي أكثر من إحساني، وإذا أتاك فقال لك: ما أكثر صلاتك فقل: غفلتي أكثر مما أعطي، وإذا قال لك: ما أكثر من يظلمك، فقل: من ظلمته أكثر، وإذا أتاك فقال: لك: كم تعمل، فقل: طالما عصيت)101.
وكلمة أخيرة:
لو لم يخطئ الإنسان في منهج معرفة العقل، ولم يتبع سبل الضلال التي اتبعها الفلاسفة في تعريفه بالتصورات التي هي موهومات تحجبنا عنه، وإنما اتبع منهج الوحي في معرفته بآياته، بحثيث تجعل الحقائق التي تضاء بنور العقل والعلم دليله إليه ولا يجعلها هي العقل. وهكذا يجعل الصفات التي يتحلى بها العاقل دليلاً على العقل، نولا يزعم أنها بذاتها العقل.
أقول: لو لم يخطئ الإنسان في المنهج فإنه المنهج فإنه يكتشف عقله بعقله، ويزداد ثقةً به وبأحكامه، ويؤتى فرقاناً يميّز بين الوهم والوسوسة والظنّ والهوى والجهل و… وبين العلم والعقل والحكمة والرشد.102.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب