فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الرابع: الاحكام العقلية
تمهيد:

يستخدم علماء الأصول كلمة (القطع) في موضع الحديث عن العلم والمعرفة واليقين، وهذه الكلمة ذات إيحاء فلسفيّ باعتبار تواصل علم الاصول والحكمة في العصور المتأخرة.
وهذه الكلمة غريبة عن الأدب القرآني، ولكنها مناسبة للمنهج الفلسفي القائم على أساس الجدال وإسكات الخصم وقطع الحديث وحسمه معه.
وفي موضعٍ آخر من هذا البحث نتحدث بإذن الله عن بعض الملاحظات على المنهج الفلسفي ولكنّا هنا نجري على المصطلح الاصولي ونقول: يرى الفقهاء-قدّس الله أرواحهم- أن حجية القطع ذاتية، ولا مجال للمنافسة فيها. وهي أصل كل حجةٍ أخُرى. يقول في ذلك العلامة الأنصاري- قدّس الله سره_:
(وبالجملة فالقطع قد يكون طريقاً لا يفرق فيه بين خصوصياته من حيث القاطع والمقطوع به وأسباب القطع وأزمانه. إذ المفروض كونه طريقاً إلى متعلقه فيترتب عليه احكام متعلقه ولا يجوز للشارع ان ينهى عن العمل به لأنّه مستلزمٌ للتناقض فإذا قطع كون مائعٍ بولاً من أي سببٍ كان فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه. لأن المفروض أنه بمجرد القطع يحصل له صغرى وكبرى. أعني قوله هذا بول. وكل بول يجب الاجتناب عنه فهذا يجب الاجتناب عنه.
فحكم الشارع (لو حكم جدلاً) بأنّه لا يجب الاجتناب عنه، مناقضٌ له 140 أي للحكم الأول الذي ثبت به وجوب الاجتناب عنه قطعاً.
وبالرغم من قوة البيان وبلاغة النافذة إلا أنّنا نجد في تضاعيف كلمات الشيخ ما يوحي بوجود طريقة لنهي الشارع عن العمل بالقطع حيث يقول في معرض ردّْه على بعض المحدثين:
(وإنْ أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقلية لتحصيل المطالب الشرعية لكثرة وقوع الغلط والاشتباه فيها- فلو سلم ذلك وأغمض عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب بالأدلّة الشرعية-فله (أي لهذا القول) وجه. فلو خاض فيها (أي في المطالب العقلية الفقهية، وحصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك لتقصيره في مقدمات التحصيل. إلاَّ أنّ الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أَزيَدُ مما يقع في فهم المطالب من الأدلة الشرعية)141
ومجرّد إمكانية رَدْع الشارع عن العمل بالقطع تجعل الاطمئنان به مخدوشاً، ويُثبت بطريقة، أو بأخرى، آراء المحدثين.
وسوف نذكر إن شاء الله أن الميرزا النائيني-قدّس الله سرّه- وحسب تقريرات السيد الخوئي ينتهي إلى مثل هذا الرأي أيضاً.
أما العلاّمة الأخوند –قدّس الله سرّه- فيقول:
لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً، وكونه موجباً لتنجز التكليف الفعلي فيما أصاب بإستحقاق الذمّ والعقاب على مخالفته، وعذراً فيما أخطأ قصوراً) وأضاف مبيِّناً الحجة على ذلك وقال:
(وتأثيره في ذلك لأن، وصريح الوجدان به شاهد وحاكم فلا حاجة إلى مزيدِ بيان وإقامة برهانٍ)142.
ويبدو أن هذه الكلمات تشير إلى المباحث الفلسفية في المعرفة، حيث أن التشكيك في العقل وقيمته يجعلنا نشك في قيمة كل شيء حتى في قيمة التشكيك ذاته. إذ أنّ أصحاب النظرية الحسية أو اتباع نظريات التشكيك تراهم يستندون في كلماتهم إلى مجموعة حججٍ وبراهين وهي بذاتها قائمةٌ على أسس عقلية وعلمية.
ويعلّق على هذا النص المرجع الحكيم –قدّس الله سرّه_: (لا إشكال في كون القطع طريقاً إلى الواقع الذي تعلّق به وكاشفاً عنه في نظر القاطع بحيث يرى الواقع كما لا ينبغي الريب في أنَّ عقله حينئذ يحكم بقبح عقابه، على تقدير موافقته لو كان القطع بحرمه شيء فتركه، أو بوجوب شيء ففعله، وهذا الأثر منتزعٌ من الأمر السابق، أعني طريقته ومنه ينتزع عنوان التنجز والعذر)143.
أما الأستاذ الكبير الميرزا النائيني- قدس الله سرّه- فإنّه حسب كلمات مقرّره الكبير السيد المرجع الخوئي- قدس الله سره- فإنّه يقول:
(لا إشكال في أن القطع إذا تعلق بكل شيء يكون طريقاً إليه لا محالة كما انه لا إشكال في وجوب متابعته فيما إذا تعلق بتكليفٍ أو موضوع تعلّق به التكليف)144.
وبعد أنْ القطع حيث ذاته الطريقة والكاشفية لا أمراً زائداً عليها قال: (إلاّ أنَّها (حجية القطع) غير قابلة للجعل التشريعي، بداهة إنَّ العل التشريعي إنَّما يتعلّق بشيء يكون تكوينه بعين تشريعه بعد قابلة المحل له)145.
وبالرغم من هذا الكلام نجد الأستاذ النائيني يعود ويشكّ في القطع الذي يحصل من بعض المقدمات فيقول بعد حديث طويل حول القطع الذي يتّخذ موضوعاً وأنَّ للشارع التصرف فيه يقول:
( وإذا أمكن أخذ القطع بالحكم في موضوعه بدليلٍ آخر فيمكن أخذ القطع بالحكم من سبب خاصّ مانعاً عنه أيضاً، وهذا كما في القطع القياسي فإنَّ المستفاد من رواية أبان عدم اعتبار القطع الحاصل من القياس، وهذا إنّما يكون باعتبار تقيّد الأحكام الواقعية بأن لا تكون معلومة عن طريق القيام من باب نتيجة التقييد ففي الحقيقة موضوع تلك الأحكام من لا يكون عالماً بها من طريق القياس146.
وأنت ترى أنّ نتيجة هذا الكلام تحديد القطع بما لم يردع عنه الشارع ويجوز أن نشكّ –حينئذ- في كل قطع، هل أمضاه الشارع أم ردع عنه؟ فيكون الأمر –بالتالي-كما ذكره المحدثون..
وقد تنِّبه الشيخ الأستاذ إلى ذلك فأراد التخلص منه فقال:
(وهذا ليس تصرّفاً في ناحية القطع حتى يقال بأن طريقته ذاتية غير قابلة لان تنالها يد الجعل نفياً وإثباتاً، بل تصرف في ناحية المقطوع، وتخصيصه بموضوع خاص دون آخر).
وأضاف: (بل لا يبعد أن يكون القطع الحاصل من الجفر والرمل، ونحوهما أيضاً كذلك، بأنْ تكون الأحكام الواقعية مختصّه من باب نتيجة التقييد بغير العالمين بها من تلك الطرق الغير المتعارفة فإن دعوى الإجماع على ذلك ليست بكل البعيد) 147
وسوف نعود قريباً إن شاء الله إلى ناقشة هذا الاستثناء الذي وجدنا مثله ولو بتعبير آخر في كلمات شيخنا الأعظم (الانصاري) والذي يؤدي نهايةً إلى حذف القطع من استقلاله في بلوغ الحكم الشرعي.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب