فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
أسئلة حائرة: لكي نثير ركام الأفكار التي تجمعت في هذا الحقل الشائك، لنبلغ الحقائق الدفينة، لا بدّ أن نطرح التساؤلات المتدرجة التي تشابكت مع بعضها، وربما طرحت بصورة غير مرتبة. والتساؤلات هي: أولاً: هل العقل يجب اتّباعه بعيداً عن حكم الشريعة حتى إذا حكم بشيء وجب الانصياع له دون أنْ نسأل عن حكم الشرع فيه؟ ثانياً: وإذا حكم العقل بشيء فهل الشريعة تحكم حتى تصدق المقولة المعروفة ما حكم به العقل حكم به الشرع؟ ثالثاً: والمناهج العقلية المتبعة في القضايا الفلسفية مثل أقيسة المنطق الأرسطي هل هي مناهج مناسبة ومأمونة للتعرّف على الأحكام الالهية؟ رابعاً: وإذا توصلّنا إلى حكمٍ شرعي عبر هذه الأقيسة أو عبر الجفر والرمل والسبل غير المتعارفة فهل يجب شرعاً التعبّد به فيما إذا وصلت قناعتنا به إلى درجة القطع واليقين؟ يبدو لي أن خلط هذه الأسئلة ببعضها جعل الحديث مشوشاً حتى وكأن البحث في مواضيع مختلفة. مثلاً يقول المحدث 148: لا يمكن حصول القطع عبر المناهج العقلية المعروفة، فيجيبه الأصولي: فإذا افترضنا وحصل القطع ماذا نفعل؟ انك ترى ان الحديث لا يجري في موضوع واحد بل في موضوعين مختلفين وقد أشار إلى إلى ذلك الشيخ الأخوند في الكفاية حيث قال: (وأما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لأنها لا تفيد إلاّ الظن كما هو صريح الشيخ المحدث الأمني الاستر آبادي-رحمة رحمه الله-)149. وأنّى كان فإنّ علاقة العقل بالشرع قضية في غاية الخطورة، وقد تشعَّبت الأحاديث حولها إلى علوم كثيرة ابتداءً من الفلسفة وانتهاءً بعلم الأخلاق ومروراً بالكلام والأصول والفقه. وكانت هذه العلاقة محور الخلاف الرئيسي بين مختلف المذاهب الإسلامية. فبين من يلغي أساساً دور العقل كالظاهرية والصوفية، وبين من يعطيه دوراً محدوداً مثل الأشاعرة، وبين من يفسح المجال له كاملاً كما فعل المعتزلة. بينما نعتقد أن أئمة أهل البيت-عليهم السلام-عرَّفوا العقل بأنه النور الإلهي الذي أودعه الله القلب، وميّزوه تماماً عن الأهواء والوساوس والظنون، ثم أعطوه دوراً كبيراً في معرفة الحقائق الشرعية وغيرها. فعن الظاهرية يقول ماجد فخري: وهو يؤرخ ابن حزم ويعتبره أهم شخصية ابتعث الرؤية الظاهرية يوقول عنه: (يرفض جميع ضروب القياس أو الاسدلال ويشبث بالدلالة الحرفية الضيّقة للنصّ معتبراً المذاهب الكلامية على اختلافها السمحة منها أو المحافظة المعتزلية أو الأشعرية سواء في الضلال)150. أما عن نظرية المعتزلة والأشاعرة في قضية العقل فيقول المؤلفان حنا الفاخوري وخليل الجر: (وأننا لا نستطيع أن نسمِّي المعتزلة متكلمين لأننا نخصّ بهذا الاسم الذين اعتبروا الكلام وسيلةً للدفاع عن الحديث والفّوا كتبهم وفقاً لهذه الطريقة ونحن نعلم أنّ المعتزلة كانوا أخصاماً لأهل الحديث. ولئن اتّفق المعتزلة والمتكلمون على أن اللجوء إلى العقل والنظر لمعرفة الله والبرهان على وجوده فرضٌ على كل مؤمن ومؤمنة، فقد اختلفوا حول مصدر هذا الفرض وقال المعتزلة: إنه عقلي محض ناجم على طبيعة العقل. أما المتكلمون (ويرى المؤلفان أن الأشاعرة في طليعتهم) فقد أثبتوا تقدم الشريعة على العقل وقالوا: إن اللجوء إلى العقل والنظر في الامور العقائدية فرضٌ شرعيّ، وإنه لولا الشريعة لما تمكن العقل من معرفة الله وإثبات وجوده. فالعقل في نظر المعتزلة دليلٌ داخلي يمكِّن الإنسان من معرفة الخير والشر، ولا قيمة للشريعة المنزلة إلا إذا اتّفقت مع أحكامه. أما المتكلمون، ولا سيما في أول عهدهم، فإنهم يضعون النص في الدرجة الأولى والعقل في الدرجة الثانية. وهناك نوعان من البراهين: البرهان العقلي الذي لا يستند الا إلى العقل ومبادئه، والبرهان السمعي الذي يستند إلى القرآن والحديث والإجماع. وفيما نرى المعتزلة لا يعترفون الا بقيمة الأول ويعتبرون أن كلّ برهان سمعي لا يدعمه العقل مردود، يظل المتكلمون، وعلى رأسهم الأشاعرة، يؤكدون أن البراهين العقلية لا قيمة لها إلاّ لأنّ الشرع يأمر بها. وإنّ العقل لا قيمة له في ذاته، بل فيما يستمده من الشرع. وفي حال تعذّر الوصول إلى الرهان العقلي يمكن اللجوء إلى البرهان السمعي أو النقلي، كما يسمونه، فيما بعد)151.وأما فيما يتصل ببصائر الوحي في العقل، وكيف أنه النور المؤيِّد بالله، وأنه يختلف عن التعقّلات والأقيسة الأرسطية وما اشبه، فيقول العلامة الميرزا الأصفهاني في ذلك: (أما أساس علومهم (أي علوم البشر) فهو (قائم) على تعريف العلم وتنوصيفه وتقسيمه بالحضوري والحصولي، والحصولي إلى التّصور والتصديق، وأما أحكام العقول فعند الفحول من البشر عبارة عن الأمور الثابتة بالبرهان، فأنّ الأساس عندهم على تعريف العقل وتوصيفه لتقسيمهم إيّاه بالعقل النظري والعملي، والنظري عندهم، عبارة عن فعلية النفس باستخراج النظريات عن الضروريات فما كان نتيجة البرهان فهو من أحكام العقل يجب الجري على طبقه)152. (وأما أساس معارف القرآن-كما عليه أساس معارف الرسول والأئمة-يناقض ذلك كله، فإنّ أساس معارفهم على العقول التي هي حجج إلهية مبعوث على جميع العقلاء وإنّ العقل لا يوصف ولا يعرف الا بنفسه يعرفه كلّ عاقل يجده وهو النور الذي يجده الإنسان حال كبره بعد عدم وجدانه حال صغره مما يعرف به قبح أفعاله وحسنها. فبعد صدور الأفعال عنه في حال فقدان العقل يدرك بنور العقل -بعد وجدانه- أنها كانت حسنة أو قبيحة. ومع أنّه كان فاعلاً لها في حال فقدان العقل ولم يكن أفعاله خفياً (خفية) عنده لم يكن يدرك حسنها وقبحها فما يظهر له حسنها وقبحها حتى يتحسّر ويغتّم بفعلها. وهذا هو العقل). (وظاهر أن هذا النور لا يعرف إلا بنفسه، وأن توصيفه وتعريفه للعاقل الواجد لهن إلحادٌ وإضلال، لأن ه يتصوّر حينئذ ويتوهّم، ومتصوّره وموهومه خلاف ما يجده وما به إدراكه الحسن والقبح بالضرورة. بل لا يحتاج إلاّ إلى التذكر بأنّ النور الذي يده وبه يعرف حسن أفعاله السابقة وقبحها أجلُّ من أن يُفهم ويُعلم وُيعقل. فوجدانه وعرفانه به لعلوّه عن المفهومية والمعلومية والمعقولة، يوجب الحيرة، وهذا كماله فيتذكر العاقل بأنه أقرب كل شيء له، كيف وبه يدرك ويعرف حسن الأفعال وقبحها، ويؤاخذ غيره عليها، وهذا العقل الذي لا يوصف إلا بنفسه، ويعرفه الإنسان ويجده ويربه به غير العقل الذي عقل وله أحكام في العلوم المعارف البشرية كما هو ظاهر. وهذا العقل الذي هو حجة لك عاقل واجد له، إنما هو من حجج الله على خلقه في المعارف الإلهية كما ستعرف153. ولقد نقلت هذا نص من كلام العلامة الاصفهاني لأنّه يشكل خلاصة مفيدة لما اعتقد أنه بصيرة الوحي في العقل، ودوره الأساسي في المعارف والعلوم الإلهية. وهكذا اختلفت الآراء في دور العقل في الشرع، ولا يسعنا التفصيل في تاريخ هذا الجدل الذي أكثر المؤرخون من الحديث حوله154. والآن تعالوا نَعُدْ إلى المسائل الاربعة التي طرحناها آنفا، وأولها:
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|