فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
3- مناهج القياس حينما تلامس النفس البشرية أرجاء الحقيقة بنور العقل تستريح وتغمرها السكينة والاطمئنان.. ولكنها حين تفقد هذا النور، وتعيش ظمأ الحقيقة.. يجب عليها أن تبحث عنها بلا كلل. وإذا كانت بينهما وبين الحقيقة حجب باطنية كالكبر والحسد والغرور.. سعت في تزكية النفس وتطهيرها منها. وإذا منعتها عن معرفة الحقيقة حجبٌ واقعية مثل انعدام الوسائل الكفيلة بالمعرفة، كضعف البصر أو بُعد المسافة فعلى النفس أنْ تعترف أولاً بذلك لكي يسعى الإنسان جاهداً لتوفير الوسيلة المناسبة.. مثلاً منظاراً مقرباً أو مطيّة تعرب المسافة إلى حيث الحقيقة. ثم تبحث عنها فتجدها. أما إذا أصابه غرور العلم وملأ نفسه بظنون الهوى، وزعم أنّه قادر على معرفة الحقيقة كلها بما أوتي من وسائل محدودة فهنالك تقع المصيبة الكبرى تصوَّره من معاني كلماتها الغريبة، فإنك قد تخترع لغة جديدة ولكنك لن تتعرف على اللغة الصينية.. كذلك نشأت مشكلة القياس في الإنسان حيث كان من الصعب عليه أن يقاوم غروره ويعترف بأنه لم يؤت علم كل شيء فأخذ يملأ فراغ نفسه بالأوهام والظنون. ويّصور الإمام عليّ-عليه السلام- هذه الحالة عندما يصف طائفة من الناس ويقول: (وآخر قد تسمّى عالماً وليس به، فاقتبس جهائل من جهّائل، وأضاليل من ضلاّل، ونصب للناس أشراكاً من حبائل غروره وقول زوره قد حمل الكتاب على آرائه، وعطف الحق على أهوائه)169. وتصبح المشكلة بالنسبة إليه مضاعفةً إذ أ،ّه لا يصل إلى الحقيقة ولن يبلغها لأنّه يعتقد أنّه قد عرفها، وهذا الاعتقاد يمنعه من السعي نحوها مستقبلاً أو قبول كلام من ينبئه عنها. وأول غرور الإنسان زعمُه بأنّه أُوتي القدرة على العلم بذات الله سبحانه، فأخذ يقيس ربه بنفسه جهلاً بمقامه.. ثم جرى على ذلك فأخذ يقيس دينه بأهوائه. يقول الإمام أمير المؤمنين-عليه السلام-: قال رسول الله –صلّى الله عليه وآله-: قال الله جل جلاله: (ما آمن بي مَنْ فسّر برأيه كلامي، وما عرفني مَنْ شبَّهني بخلقي، وما على ديني مَنِ استعمل القياس في ديني)170. إننا نجد كيف اتصلت ضلالة تشبيه الله بضلالة القياس في دينه، لأنّهما ينتهيان معاً إلى إشباع غرور الإنسان عبر القياس.. وتاريخياً إنّما نشأت فكرة القياس التي استولت على الفكر اليوناني بسبب هذا الغرور الجامح بعد اكتشاف قوانين الهندسة، حيث زعموا أنّهم قادرون على كشف كل حقائق الكون عبرها، فاندفعوا يقيسون كل كل شيء بمعادلات هندسية، فضلّوا وأضلّوا أجيالاً متمادية من البشر. يقول عن ذلك براتراند راسل 171بعد أنْ يسمَّي المذهب التعقلي بـ(السنة المأثورة) أو (المذهب الكلاسيكي) يقول: الدافع الأول والبسيط الذي كان وراء هذا المذهب اعتقاد حكماء اليونان الساذج القدرة المطلقة للتعقل والاستدلال (القياسي). لقد أشبعهم اكتشاف الهندسة غروراً وسكراً حتى زعموا بأنّ منهج القياس الذي استخدم فيها يمكن أنْ يستعمل بصورة مطلقة وكلّية (وفي كل شيء). كانوا يزعمون: أنّ الحقيقة أمرٌ واحدٌ ولا تعدد فيها، وليس عالم الحس سوى غرور وأوهام محضة، ولم يرفَّ لهم جفنٌ بسبب غرابة هذه النتائج. بل كانوا من شدّة الإعتقاد (بمنهج القياس) قد بلغوا درجة زعموا انّ بإمكانهم إصدار أعظم وأغرب الأحكام فيما يتّصل بالحقائق الكلية دون أنْ يشكّوا في صحتها بسبب معارضتها للتجارب الحسية172. ويرى أنّ السبب الرئيسي للأخطاء التي تورّطت فيها الفلسفة اليونانية أنّهم تكلَّفوا علماً لم يُؤت الإنسان –يومئذٍ- أدوات معرفته173. وقد تنبّه المسلمون، مبكراً إلى هذه الثغرة الواسعة في المنهج اليوناني المنطقي والفلسفي ولذلك لم تتأثّر ثقافتهم به إلاّ عند شريحةٍ معينةٍ منهم. فمعارف التفسير والحديث والرجال والعقائد ظلّت قائمة على أساس منهجهم القرآني المتميّز بالدلائل الفطرية والوجدانية، وإنْ لم تتبلور هذه المناهج بصورة كافية.. بلى، استحدث علم الكلام، واستفاد من المنهج الفلسفي للرّد على شبهات المتفلسفين من المسلين، واستفاد البعض من القياس الذي اعتمد على فهم ملاكات الأحكام، بينما اعتبر الآخرون منهج القياس غير مناسب لفهم احكام الدين، وملاكاتها. واعتراضات العلماء المسلمين على المنطق الارسطي هي ذاتها التي أصبحت اليوم واضحة حتى لطلاب الثانوية. ولو لا التوقّف الحضاري الذي طرأ على المسلمين بعد الحروب الصليبية الطوفان التتري لكانت المناهج القرآنية قد فتحت آفاق المعارف أمام البشرية. ولكن المعروف أنّ قبساً من نور القرآن شعّ على العقل الغربي فأناره، وأنار له العالم، وتقدم في حقول العلوم. إنكّ تجد رحلة الغزالي من الشك إلى اليقين قد سبقت رحلة ديكارت بقرون، ولكنهّا لم تثمر تلك النتائج التي كانت لرحلة ديكارت. وإنّ مناقشات علماء المسلمين لعقم المنهج الكلاسيكي سبقت مناقشات بيكون، ولكنها ذهبت أدراج حالة التخلّف التي أصابتهم. فمثلاً تجد ابن حزم يرى أنّ أقوال المتكلمين معتزلةً كانوا أم أشاعرة أم سواهم في باب ماهية الله وتركيب الجوهر، وطبيعة المسؤولية الخلقية.. الخ جميعها باطلة، وعليه فينبغي للإنسان أنْ يسلّم بامتناع تحرّي الحقيقة في مثل هذه الخفايا بالعقل وبصورة أخص سر ماهية الله وطرقه الحكيمة.174 وحسب ما ترى إنّ هذه الفكرة هي ذاتها التي نقلناها من الفيلسوف البريطاني براتراند راسل.. من أنّ اليونانيين ومن اتّبعهم تكلّفوا علماً لم يؤتوا ادواته.. وعن المنطق الأرسطي يقول فخر الدين الرازي: قد تأمّلتُ الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتُها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن. ويدّعي انّ من جربته لن يشكَّ في عدم جدوى هذه المناهج175. وخلاصة النقد الموجّه- حديثاً ضد هذا المنطق- هي التالية: 1- أنّ المنطق الأرسطي اهتّم بشكل التفكير، وغفل عن مادته. 2- أنه لم يهتم بدور السلبيات البشرية (كالهوى والغضب) في إضلال البشر. ولا بدور الإرادة والعقل في مقاومة هذه السلبيات. 3- أنّه كان يعيش في دور طفولة البشر حيث كان يزعم الإنسان أنّه قادر على إدراك كل شيء بترتيب بعض الأقيسة. 4- أنّه كان يبحث عن المطلق، مَّما جعله يغفل عن الحقائق وعما بيّنها من فوارق عظيمة. مما هو وظيفة العلم. 5- وقد تنّبه المفكرون المسلمون إلى هذه الثغرات، وأشاروا اليها بوضوح176. والمحدثون من علمائنا أشاروا إلى بعض تلك الثغرات، وحذروا من مغبّة الاعتماد على المناهج القياسية التعقلية. وقبل أن ننقل كلماتهم في ذلك نذكر بأنّ حديثهم هذا لا يتعلّق بمباحث القطع، بل بأساليب الوصول إلى الحكم الشرعي، إذ من الواضح أنّ÷ حينما يلتفت الإنسان إلى أنّ الطريق إلى العلم لا يمر عبر المناهج التعقلية يصبح أكثر حذراً ولا يغتربها. ومن ثمَّ لا يزعم أنه قد أوتي العلم، أو حصل عنده القطع بالحكم. ولذلك لا يجوز أنْ نعترض عليهم بالقول: كيف إذا حصل للفرد القطع من خلال هذه المناهج؟ لأنّهم يرون أنّ القطع لا يحصل من هذه المناهج لمن التفت إلى كلماتهم في الاعتراض عليها. دعنا نستمع إلى كلام المحدث الاستر آبادي الذي يحكيه عنه شيخنا الأعظم الأنصاري، والذي يعكس نقله من دون تعليق ميله إليه، قال: الدليل التاسع مبنّي على مقدمة دقيقة شريفة تفطّنتُ لها بتوفيق الله تعالى وهي: أن العلوم النظرية قسمان: قسم ينتهي إلى مادة هي قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة الحساب وأكثر أبواب المنطق. وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء، والخطأ في نتائج الأفكار ويضيف: وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الاحساس، ومن هذا القسم الحكم الإلهية والطبيعة وعلم الكلام وعلم اصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في علم المنطق. ومن ثم وقعت الإختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية والطبيعة وبين علماء الإسلام في أصول الفقه ومسائل الفقه وعلم الكلام وغير ذلك. والسبب في ذلك أنّ القواعد المنطقية انما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة، إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب الأقيسة تقسيم المواد على وجه كلي إلى أَقسام وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كل مادة مخصوصة، داخله في أيّ قسم من الأقسام ومن المعلوم امتناع وضع قاعدة يكفل بذلك.177 وهذا الأمر الذي التفت الهي بتوفيق الله سبحانه المحدث الاستر آبادي التفت إليه من قبله علماء كثيرون.. كما أصبح اليوم جزءاً من معارفنا الحديثة التي لا يختلف فيها عالمان. قال الشيخ: والمستفاد من كلامه عدم حجيّة إدراكات العقل في غير المحسوسات وما يكون مباديه قريبة من الإحساس إذا لم يتوافق عليه العقول. وقد استحسن ما ذكره غير واحد مما تأخّر عنه منهم السيد المحدث الجزائري-قدّس سره- ثم قال: (وممن وافقهما على ذلك في الجملة المحدث البحراني في مقدمات الحدائق حيث نقل كلاماً للسيد المتقدم في هذا المقام واستحسنه، إلاّ أنه صرح بحجّية (الدليل) العقلي الفطري الصحيح، وحكم بمطابقته للشرع له، ثم قال: لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها ولا سبيل إليها إلاّ السماع عن المعصوم لقصور العقل المذكور عن الإطلاع عليها178.. وقد استدل المحدثون على قولهم بما خلاصته تعود إلى الحجج التالية: الأخطاء والإختلاف إذا كانت المناهج العقلية (ويقصدون بها مناهج القياس المعروفة في الفلسفة والمنطق) عاصمة عن الخطأ.. فما هذه الأخطاء الفظيعة التي لا نشكّ نحن اليوم ولا أحد من الناس فيها.. والتي وقعت فيها البشرية خلال القرون الماضية. إن الثقافة اليونانية في الإلهيّات والطبيعيات والأمور الإنسانية سلسلة لا تنتهي من الأخطاء والضلالات، فهل يبقى عندنا ثقة بتلك المناهج التي قادتهم إليها؟ وإذا كانت هذه المناهج وسيلة لحسم الخلاف، وبلوغ الحقائق والواضحة، فلماذا الإختلاف الواسع بينهم؟ فبعكس الرسالات الإلهّية التي كانت أُولاها تصدق أُخراها، ترى المذاهب الفلسفية يكفر بعضها بعضاً، ويدّعي كلٌّ أن الوجدان والبديهة، وشهادة المقاييس كلها تقف إلى جانبه. والى ذلك يشير المحدث الاستر آبادي بقوله: (إنّ ادّعوا البداهة في أنَّ تفرق ماء الكوز إلى كوزين إعدامٌ لشخصه وإحداثٌ لشخصين آخرين. وعلى هذه المقدمة بنوا إثبات الهيولي، وان الإشراقّيين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداماً للشخص الأول وإنّما انعدمت صفة من صفاته وهو الاتصال)179. وقد أجاب الشيخ الانصاري عن هذه الإشكالية بأن الإختلاف ناشيء أيضاً في الاحكام الشرعية بين الفقهاء فقال: (فلو سلم وأغمض عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلة الشرعية180 وكلن المحدث الاستر آبادي كان قد أجاب عن مثل هذا الاشكال بما خلاصته ان الاختلاف الموجود في الاحكام الشرعية منشؤه المناهج القياسية التي تبعث فيها قال: (فإن قلت لا فرق في ذلك بين العقليات والشرعيات والشاهد على ذلك ما نشاهده من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين وفي الفروع الفقهية قلت: إنما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة بالمقدّمة النقلّية الظنيّة أو القطعيّة181. والواقع: أن هذه الإشكالّية هي الثغرة الواسعة في جدار الفلسفة كما في جدار أيّ منهجٍ آخر يدّعي رَفع الاختلاف ثم يعجز عن ذلك أو يزعم بلوغ الحقائق ويوقع الإنسان في أخطاء كبيرة. والنقض بما يوجد عند بعض المتشرعة من اختلافات مخدوش بما يلي: أولاً: إن هؤلاء لم يلتزموا بالمنهج الشرعي بل أدخلوا فيه المناهج البشرية، وهذا الرد هو ما أشار إليه المحدث الأستر آبادي آنفاً. ثانياً: إن الأحكام الرعية أكثرها ظاهرية ولا يدّعي الفقهاء أنّها حقائق نهائية. بينما يدّعي أصحاب المنهج الآخر أنّ÷ يؤديّ بهم إلى عين الحق، وبهذا الدّعاء يزعمون أنّه كلما حكم به العقل حكم به الشرع. فالاختلاف لا ينقض الأحكام الفقهية التي هي وظائف المكلفين بينما ينقض ادعاء أولئك. ثالثاً: إذا قسنا اختلاف المؤمنين بالشريعة الإسلامية والتابعين لنهج الأئمة- عليهم السلام- بما لدى أتباع المنهج الفلسفي لرأيناه شيئاً ضئيلاً. ويعود عادة إلى أمور ثانوية. بينما الاختلاف عند الفلاسفة واتباعه يطال كل الامور تقريباً. خفاء الملاكات الشرعية بما أنّ الحكم العقلي يعتمد على فهم الملاك الذي هو علة الحكم وفلسفته، وحكمته، حتى يمكن تعميم الحكم وفق ذلك الملاك، فإن خفاء الملاك الشرعي يجعل العقل حائراً، ولا يدعه واثقاً من نفسه في الحكم بشيء. وقد افاض صاحب الفصول في الحدث عن هذا الجانب –حسب أجود التقريرات- حيث جاء فيه: (ثم إنّ صاحب الفصول ذهب إلى إنكار الملازمة من الطرفين ( بين العقل والشرع) واستدلّ عليه بوجوه: يرجع بعضها إلى دعوى وجود الحكم الشرعي مع عدم وجود الملاك في مورده وبعضها إلى دعوى وجود الملاك مع عدم وجود الحكم الشرعي في مورده182ثم أخذ يبّين أمثلة شتّى على كلامه، منها: الأوامر الامتحانّية التي هدفها مجرد الأمر والإنقياد، لا الملاك في المأمور به. ومنها قوله-صلّى الله عليه وآله-: (اسكتوا عمّا سكت الله، فأنّ الله لم يسكت عنه نسياناً) إلخ.. ومنها النهيُ عن العمل بالقياس مع أنّه قد يصادف الواقع. ومنها: أنّ الملاك إنَّما يتحقق بقصد القربة، وقصد القربة لا يمكن الأمر به. ومنها: التقية التي تكون في ذات الأمر. والتي نعمل أنّ المأمور به لا ملاك فيه. وقد ناقش في أجود التقريرات هذه الوجوه الواحد بعد الآخر ثم قال: فما ذهب إليه –قدّس سره- من إمكان انفكاك الحكم عن الملاك وبالعكس واستدلاله على ذلك بهذه الوجوه الضعيفة لم يكن مترقّباً منه183. حقاً أنّ بعض الوجوه ضعيفُ إلاّ أنّ الإنصاف يقتضي القول بأنّ بعض المناقشات فيها أضعف منها. وقد غاب عن المعترض أنّ مَدْعى صاحب الفصول هو التشكيك في قدرة العقل على كشف حقائق الشرع لأنّها غامضة ومتعدّدة الاهداف، فقد يكون الهدف مجرد تجربة الفرد في مدى استجابته للأمر –كما أمر الله إبراهيم بذبح ابنه- وقد يكون في مجرد إصدار الامر، كما في بعض الاوامر الظاهرية. والعقل يحذر الإنسان عند تذكّر هذا الواقع من التسّرع في الحكم، بل قد يصاب الإنسان بإحباط ولا يثق بنظرته ذات البعد الواحد إلى القضايا. ويبدو أنّ حكمة أمر الأئمة- عليهم السلام- بالسكوت عما سكت الله، وكذلك حكمة نهيهم عن القياس، هو بالضبط كَسرُ غرور الإنسان الذي يزعم أنه قادر على فهم حقائق الدين ببعض المعارف البسيطة التي يحصل عليها. وأساساً إن المشتغلين بالأقيسة والمعتمدين على المناهج الفلسفية قد يصيبهم الغرور الجامح ويقطعون بما يوصلهم إليه منهاجهم الخاطئ. فهل نعذرهم في ذلك. أَوَلا تشملهم نصوص النهي عن القياس أو عن تكلُّف علم ما سكت الله عنه، أو النصوص التي تحذّر من التكلّم في الدين بالعقل؟ كلا.. بل هم المقصودون من هذه النصوص، وكان عليهم اختيار الصراط المستقيم الذي هداهم الهل إليه. وهو صراط الوحي.. وأهل بيته فلما اختاروا سبيلاً آخر وضلّوا فقد احتملوا إثم اختيارهم! وبكلمة: إن حديث صاحب الفصول وغيره من علمائنا الكرام المحذرين من ارتياد هذا الطريق الشائك من محدثين وغيرهم، إنّما هو تابعٌ لنصوص أهل البيت. وهدفه هو هدفها، من التحّذر من السبيل الخاطيء الذي يختاره البعض في البحث عن الحكم الشرعي. وإتيان البيوت من ظهورها، وتجنّب الباب الذي أمر الله بإختياره. خلاصة الأفكار وكلمة الخلاصة التي نرجوا أن تكون كلمة الفصل أيضاً تحدَّد بالنقاط التالية: أولاً: إنّ التأمّل في كلمات الفقهاء يهدينا إلى محاولة جادة عند بعضهم للتوفيق بين منهجين مختلفين بل ومتناقضين: ألف- منهج الإسلام الذي ينهى عن القياس بشدّة بالغة. ويحدّد السبيل الوحيد لمعرفة الدين وهو الوحي واهل بيته، والفقهاء ملتزمون بهذا المنهج. باء- منهج الفلسفة واعتماده على المناهج المنطقية التي تزعم أنها تعتمد على العقل كوسيلة لفهم الحقائق. وهذه المناهج يرفضها الفقهاء عادة في الفقه. ولكنهم في علم الكلام وربما في الاصول يأخذون ببعضها لمجرد ردّ الشبهات الآتية من أصحابها على مناهج الدين ردّاً قائماً على اسسهم. وبتعبير آخر استخدام سلاحهم ضدهم!! ويبدو لي أن الحلقة المفقودة في هذا الوسط تتمثل في معرفة العقل.. فاشتباه البعض في معناه جعله يخلط بين ما يسميه الحكماء والمتكلمون بالعقل والمناهج العقلية. وبيّن ما جاء في القرآن الكريم – فوقع في تناقض عظيم- فذا كان العقل هو ما يقصده الفلاسفة فلماذا لا يجوز القياس في الدين؟ أَوَليس العقل رسولاً باطناً، وشرعاً إلهياً في داخل الإنسان؟ أوليس الشرع أساساً قائماً على أساس العقل؟ فلماذا النهي عن الالتزام به؟ كلا.. العقل في الكتاب والسنّة ليس هو الذي يزعمه الفلاسفة وقد سبق كلام العلامة الميرزا الاصفهاني في الفارق بينهما.. وإذا ثبت الفرق فإنّ الإسلام نهى عن مناهج الفلاسفة التي يسمونها بالعقل وهي ضلالة بينما أمر بالعقل الحق الذي هو نور الله وشرعه ورسوله الداخلي. ثانياً: ان العقل كما الشرع.. يأمر بجوامع العلم، وأصول الأحكام، وهما في ذلك لا يختلفان. فالله سبحانه يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.. وينهى ربنا عن الشرك ويأمر الإحسان إلى الوالدين والإنفاق على ذوي القربى والمساكين و… وكل ذلك وصايا العقل أيضاً، وبين العقل والوحي ذلك التطابق العظيم الذي هو دليل صدق الوحي. أمّا في الفروع فإنّ العقل يملك مناهج بكيفية الاستفادة من الأصول العامة لمعرفة حكمها. وقد ذكّر الدين أيضاً ببعض تلك المناهج بالخصوص وذكّر بضرورة العودة إلى العقل في غيرها. فإذاً لا يوجد لدينا موضوع يستقلّ فيه العقل- ومن دون الشرع- في إصدار حكم شرعي. لا يوجد أي موضوع نفقد فيه حكم الشرع عامّاً أو خاصّاً.. فلماذا هذا الاختلاف العريض184. ثالثاً: وللدين مناهجه الخاصة185 في البحث أشار اليها القرآن الكرمي وأوضحها السنّة الشريفة وأتّبعها علماء الإسلام بعفوية وبلا تكلّف.. وهي غريبة عن مناهج الفلسفة ومتناقضة احياناً معها. وعلماء الإسلام السابقون- كما سبق الحديث عن ذلك- قد اتبعوا عملاً بتلك المناهج. رابعاً: ولاية أولياء الله وفي طليعتهم رسل الله والأئمة المعصومين عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه هي بذاتها محور الدين، وعمود الشريعة، وشرط التوحيد. ولا يقبل الله عملاً من دونها. ولذلك لا ريب في أنّ المطلوب هو اتّباعهم في أمر الدين، ومن دون اتّباعهم يكون العمل لاغياً. وحتى لو عرفنا مطابقته لأمر الله يقيناً. والنصوص في ذلك متواترة معنىً ويبدو أنّ ذلك يعتبر من ضرورات المذهب الحق. من خلال هذه الأمور الأربعة نستطيع ان نرفع الاختلاف في كلمات الفقهاء رضوان الله تعالى عليهم. حيث أنهم إذا نهوا عن القياس والمناهج التعقلية- كما فعل المحدّثون- فليس لأنهم ينفون العقل الفطري المستنير بالوحي الإلهي بل لأنهم لا يؤمنون بما يسميه الفلاسفة عقلاً أو لأنها يعتبرون اتباع اولياء الله شرطاً لصحة العمل مثلاً المحدِّث البحراني يقول مرة: (لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها، ولا سبيل اليها إلاّ السماع عن المعصوم لقصور العقل المذكور عن الاطلاع عليها)186. ولكنه يعود ويؤكد أهمية العقل ويقول: (وأما لو أُريد المعنى الأخر (للعقل) وهو الفطري الخالي من شوائب الأوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام، وإن شذّ وجوده في الأنام ففي ترجيح الدليل النقلي عليه إشكال)187. من هنا يظهر: أنّ العقل الذي يراه- صاحب الحدائق- حجةً هو ما أشارت إليه الآيات وصرّحت به السنّة، من النور الإلهي الذي أودعه الله في القلب وبه يعرف الإنسان رّبه ويميّز الخير عن الشر، بينما العقل المصطلح عليه عند فلاسفة اليونان الذي هو مجموعة تصورات وتصديقات فإنّه ليس بحجة عنده في الدين، ولكن أي عقل، انما العقل الذي هو نور الله وحجة الله، لا العقل المصطلح تأمل في كلامه التالي حيث يقول: اما الاصوليون مثلاً الشيخ الانصاري –قدس سره- حكّم العقل، (وما ورد من النقل المتواتر على حجية العقل وأنّه حجة باطنة، وأنّه ممّا يعبد به الرحمن ويكتسب به الجنان ونحوهما ممّا يستفاد منه كون العقل السليم أيضاً حجةً من الحجج، فالحكيم المستكشف به حكم بلغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل كما أنّ الشرع عقلٌ من خارج188 إذا قالوا ذلك فلا يعين مطلق العقل، بل العقل الذي هو شرع الله من الداخل حيث ينفي العقل المصطلح ويقول في تأويل بعض الأخبار الرادعة عن العمل بالعقل: (أنّ المقصود من أمثال الخبر المذكور عدم جواز الاستبداد بالأحكام الشرعية بالعقول الناقصة الظنية على ما كان متعارفاً في ذلك الزمان من العمل الأقيسة والاستحسانات189. ولذلك فإنّه – قدس الله سره- يقول في موضع آخر من كلامه: فلو خاض فيها ( في المطالب العقلية) وحصل القطع بما لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك لتقصيره في مقدمات التحصيل.190 وهكذا تجد الاستاذ الكبير الميرزا النائيني حسب أجود التقريرات يقول وهو يثبت حكم العقل: (إن القطع الطريقي لا يفرّق فيه بين افراده، ولا يمكن التصرّف فيه أصلاً لا من جهة الأشخاص، ولا من جهة الأزمنة والأسباب لما عرفت من أنّ طريقيته ذاتية غير قابلة لتعلّق الجعل بها إثباتاً ونفياً).191 ولكنه يقول مستدركاً ومبيّناً أن هناك شروطاً لقبول حكم العقل: (وإذا أمكن أخذ القطع بالحكم في موضوعه بدليلٍ آخر فيمكن أخذ القطع بالحكم من سببٍ خاص مانعاً عنه أيضاً. وهذا كما في القطع القياسي. فإنّ المستفاد من رواية أبان عدم اعتبار القطع من القياس. وهذا انما يكون باعتبار تقيّد الأحكام الواقعية تلك الأحكام مَنْ لا يكون عالماً بها من طريق القياس)192. وبهذا نجد حلاً للمشكلة العتيدة التي قامت بين مدرستي الاصولية الاخبارية فالاخبارة نفوا العمل المصطلح عند الفلاسفة بينما المدرسة الاصولية امنوا بالعقل حسب المنهج الديني وهذا لم يؤمن فيه الاخباريون ايضاً.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|