فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
4/ هل يجوز التعبّد بالقطع؟. وهذا هو السؤال الرابع والأخير الذي طرحناه في مستهل بحوثنا هذه، حيث قلنا إذا حصل القطع عبر وسائل غير متعارفة (الأقيسة، الجفر والرمل وما أشبه) فهل يجوز التعبّد به شرعاً..؟ قال بعضهم: بما أن القطع يجعل الإنسان على اعتقاد راسخ بأنّ ما قطع به حكم الله فإنّ اتّباعه يكون ضرورياً، بل لا يمكن ينهى عنه الشرع، لأنه-حينئذ- يوجد التناقض في الدين. دعنا نضرب مثلاً: اعتقد المكلف يقيناً بأن عسل الجمعة حكمُ مفروض عليه، ولكنّ اعتقاده هذا جاء بسبب إقامة البرهان العقلي، أو القياس أو الاستحسان أو الجفر أو علم النجوم أو ما أشبه. فإذا جاء نصٌّ ينفي هذه السبل المؤدية إلى الحكم الشرعي يحصل عنده التناقض. فمن جهة يرى انّ الله أوجب عليه الغسل يوم الجمعة ولكنه –من جهة أخرى- يرى أنه لم يوجبه. وقال البعض: كلا لا تناقض في هذا الأمر.. لأنّ الشارع إذا ألغى هذه السبل وحدد سبيلاً واحداً لمعرفة الشريعة وقال مثلاً : (واتّبعوا النور الذي أُنزل معه)، ( وهذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فإن ذلك يعني: أنّه حدّد الأحكام بتلك التي تصل الكلّفين عبر هذه السبيل وحده، بينما تعتبر سائل الأحكام غير لازمة. ألا يمكن أن يقول الأب لولده الأصغر: إذا بلغك عني اخوك الاكبر بالتسوّق فافعل، ولا تفعل ذلك فيما إذا علمت ذلك من طريق آخر؟ بلى يمكن ذلك لأنه في هذه الحالة قد حدّد طلبه بالتسوّق بوضع معين أي بشرط أن يبلغ وجوبه عبر قناة معينة.. وهذا هو الذي سمّاه الاستاذ الميرزا النائيني- حسب أجود التقريرات- باتخاذ القطع موضوعاً في الحكم. واستظهر الاجماع على إنّ الشريعة قد حددت –فعلاً- أحكامه بما تصل إلى المكلفين عبر سبل معينة.. ليس بينها القياس والاستحسان وما اشبه193. أما الشيخ الأعظم الأنصاري فقد تخلص عن ذلك بطريقة أخرى حيث احتمل أن يكون من باب التقصير في مقدمات حصول القطع مثل سلوك طريق المطالب العقلية. وقد ذهب المحدثون إلى أن القطع الحاصل من غير سبيل أهل البيت، يعتبر لاغياً، يقول في أجود التقريرات: (إنّ الذي يجتمع عليه كلماتهم هو دعوى لزوم توسّط الأوصياء- سلام الله عليهم- في التبليغ، فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلاً إلى المرتبة الفعلية والباعثية، وإنْ كان ذلك الحكم واصلاً إلى المكلف بطريق آخر)194. ولم ينف الاستاذ النائيني-قدّس سره- إمكانية هذا التقييد ولكنّ÷ نفى وجود دليلٍ مقنع على ذلك. كذلك فعل الشيخ الأنصاري –قدّ سره- نفى مثل هذا الدليل.. وأضاف: نعم، الإنصاف أنّ الركون إلى العقل فيما يتعلق بإدراك مناطات الأحكام لينتقل منها إلى إدراك نفس الأحكام موجبٌ للوقوع في الخطأ كثيراً، في نفس الأمر وان لم يحتمل ذلك عند المدرك195ثم نقل رواية أبان واستنبط منها ما يلي: (إلاّ أنّ مرجع الكلّ إلى التوبيخ في مراجعة العقل في استنباط الأحكام فهو توبيخ على المقدّمات المفضية إلى مخالفته الواقع. وقد أشرنا هنا –وفي أول المسألة- إلى عدم واز الخوض لإستكشاف الأحكام الدينية في المطالب العقلية والإستعانة به في تحصيل مناط الحكم، والإنتقال منه إليه)196. أدلة المحدثين في التقييد وهكذا ينبغي أن نرجع إلى الأدلة التي ساقها المحدّثون لإثبات العقل وهي التالية: أولاً: دليل العقل.. أليس العقل يبحث عن ضمانٍ للإنسان في تطبيق الشريعة؟ فإذا احتمل ان يكون للشارع سبل خاصة لتبليغ الأحكام وأنه لا يريدها الا عبر تلك الرسل، كيف يطمئن العقل إلى إدراك الأحكام بالقياس والاستحسان؟ ويبدو لي أن الأدلة الشرعية تشير إلى هذا الدليل الفطري كما سيأتي إنشاء الله. وناقشوا في هذا الدليل بأننا نفترض وجود القطع بالحكم عند المكلّف ومعه لا معنى للشكّ المزعوم. وكلنّ هذا القطع يعتبر بدوياً سرعان ما يتبدّد إذا تذكّر الإنسان دقة الشريعة، وطبيعة أحكامها المتصلة بسائر العلوم والمعارف. ومثل ذلك مثل من يقطع بأنَّ هذا الألم من مرض معين، فإذا عرف أنّ تشخيص الأمراض ليس بتلك السهولة لأنه يقتضي الإلمام بعلم الطب المعقّد والمتشعّب زال اليقين منه. وقد سبق منا القولم بأنّ القطع المنطقّي الذي يتحدث عنه البعض يختلف عن العلم واليقين الذي لا ريب في حجيته، وأنّ العقل الفطري هو الذي يميزّ بين ما تطمئنّ إليه النفس من الحقائق، وبين ما يلتجئ إلى قبولها ببعض الأقيسة الجدلية دون أية سكينة أو طمأنينة. كما أن العقل الفطري يكشف عن عدم جواز الاعتماد على القسم الثاني. ثانياً: النصوص التي حذرت من الاعتماد على القياس في الدين واليت سوف نستعرض طائفة منها في الباب التالي، وفيها عبارات شديدة كقوله عليه السلام: (والسنّة إذا قيست محق الدين). وهذه الأحاديث تشمل حالات القطع التي تحصل عند اصحابها عبر القياس وذلك بسبب الإيحاء الذاتي والجهل المركب.. ثالثاً: النصوص المتواترة التي تدلّ على أن الدين كامل، وأن ما يحتاج إليه العباد متوفّر فيه، وفي مناسبة أخرى سوف نستعرض بعضاً من هذه النصوص مثل قوله سبحانه: (فما اختلفوا إلاّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، إن ربّك يقضي بينهم يومَ القيامةِ فيما كانُوا فيه يختلفُون)197. تهدينا الآية أنّ الاختلاف إنّما جاء بعد تمام الدين وكماله. وقلوه سبحانه: (فلِلَّهِ الحجَّةُ البالغةُ). والنصوص الدالة على أنّ في القرآن تبيان كلِّ شيءٍ. والحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام- : (انتفعوا ببيان الله، واتّعظوا بمواعظ الله، واقبلوا نصيحة الله، فأنّ الله قد أعذر إليكم بالجلية، وأخذ عليكم الحجة، وبيّن لكم محابه من الأعمال، ومكارهه منها لتبتغوا هذه وتجتنبوا هذه)198. ماذا نفهم من هذه النصوص؟ أوَلا نفهم ان الدين غنّي عن استخدام القياس، وعن استنطاق العقل المجرد عن النصوص، واذا كانت هنالك واقعة نحتاج فيها إلى العقل المجرد عن النص أوَلا يدلّ ذلك على ان في الدين نقصاً؟. رابعاً: النصوص المستفيضة بل المتواترة معنىً التي تدل على أنّ كل شيء يحتاج إليه الناس متوفر في الكتاب والسنّة. وأن الأئمة- عليهم السلام- إنّما يحكمون بهما لا بالرأي والقياس. دعنا نستمع إلى بعضها: عن سورة بن كلب قال: قلت لأبي عبد الله (الإمام الصادق –عليه السلام-): بأي شيء يفتي الإمام؟. قال: بالكتاب. قلت: فما لم يكن في الكتاب؟. قال: بالسنّة. قلت: فما لم يكن في الكتاب والسنّة؟. قال: ليس شيء إلاّ في الكتاب والسنّة. قال: فكررت مرة أو اثنين، قال: يسدّد ويوفّق فأمّا ما تظنّ فلا199. وفي نصوص مشابهة أكد الأئمة ذلك وقالوا: للراوي: ليس حيث تذهب، ليس حيث تذهب200. أَوَتَدْري ماذا كان يظنّه الرواة ويذهبون إليه؟ كانوا يزعمون أن الأئمة يقيسون كما كان يفعل غيرهم أو يقولون بآرائهم، وقد صرحوا بنفي ذلك بتاتاً: فقد روي عن ابي عبد الله الصادق- عليه السلام-: ( والله لولا انَّ الله فرض ولايتنا ومودّتنا وقرابتنا ما أدخلناكم بيوتنا، ولا أوقفناكم على أبوابنا، والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا، ولا نقول إلا ما قال ربّنا)201. وفي حديث مأثور يخاطب الإمام الباقر- عليه السلام- الراوي قائلاً: ( ياجابر! إنَّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّنا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم)202. وفي بعض الأحاديث التعبير عن تلك الأحاديث بـ (اصول علم عندنا) أو (اصول عندنا)203. وهكذا نستفيد من هذه الطائفة من الأحاديث أنَّ كل شيء يحتاج إليه الناس موجود في الكتاب والسنّة، وان الأئمة –عليهم السلام – كانوا يأخذون منهما ولم يفتوا الناس بآرائهم، فهل يجوز لنا أنْ نفعل ذلك؟ ولماذا لا نبحث في اصول العلم التي ورّثوها شيعتهم فنأخذ منها بعد التدبّر فيها واستنباط الفروع منها؟ وهل يجوز لنا أنْ نغلق عن أنفسنا أبواب العلم المشرّعة هذه التي بارك الله لنا فيها، ونعتمد على عقولنا الناقصة ونزعم أنها تتحفنا بما هي أحقّ واقرب سداداً؟ خامساً: جملة الأحاديث التي تهدينا إلى أَخذ العلم من معادنه الصافية، والنهي عن اتباع أهل الرأي والقياس. ففيها دلالة على جواز الإعتماد على منهج القياس ولا الأخذ من أهله: جاء في الحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين- عليهم السلام- أنه قال: يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودّتنا، إيّاكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن تفلتت منهم الأحاديث ان يحفظوهما واعتم السنّة أن يعوها204، فاتخذوا عباد الله خولاً، وماله دولاً205 فذلت لهم الرقاب، وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحقّ أهله، وتمثّلوا بالأئمة الصادقين، وهم من الكفار الملاعين، فسئلوا عما لا يعلمون فانفوا206 أنْ يعترفوا بأنهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم فضلّوا واضلّوا، أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما. والأحاديث التي ترجع الناس إلى رواة الأحاديث وتجعلهم بين الشيعة حكاماً لتدل على هذه الحقيقة. سادساً: الروايات التي تدلّ على أنّ كل العلوم الإسلامية الصحيحة صادرة من الإمام أمير المؤمنين- عليه السلام- وأنّ ما فيها من اختلافٍ فإنّما هو من آراء الناس التي أضافوها إلى تلك الأحاديث. فقد روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر –عليه السلام- أنه قال: (أما أنّه ليس عند أحدهم علمٌ ولا حقّ ولا فقه، إلاّ شيء أخذ عن علي بن أبي طالب، وعنا أهل البيت، وما من قضاء يقضي به بحقّ ولا صواب، إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من عليّ ومنا. فإذا اختلف عليهم أمرهم قاسوا وعملوا بالرأي. وكان الخطأ من قبلهم إذا قاسوا. وكان الصواب إذا أتّبعوا الآثار من قبل عليّ)207. أفلا تدل هذه الرواية على نهي إضافة الرأي والقياس في الدين إلى أحاديث الأئمة الأطهار –عليهم السلام- وأن هذه الإضافة سوف تورث الإختلاف والخطأ؟ سابعاً: وأبلغ النصوص دلالةً على ضرورة اتّباع الأئمة –عليهم السلام- فيما يقولون واخذ معالم الدين منهم وعدم جواز الميل عنهم إلى غيرهم أو إلى الهوى.. هي النصوص التالية: (منْ دان اله بغير سماعٍ من عالم صداق ألزمه الله ألتّية إلى الفناء، ومن ادّعى سماعاً من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك.. وذلك الباب هو الأمين المأمون على سر الله المكنون)208. فهل يستطيع أحد أنْ يدّعي أنّ استقلال عقله بشيء ومن ثم تعبّده به من دون سماع من إمامٍ صادقٍ لا يعرضه للتيه الأبدي؟ وحديث آخر مأثور عنه –عليه السلام- بذات المحتوى يقول: (منْ دان الله بغير سماع عن صادقٍ ألزمه الله التِّيه إلى يوم القيامة)209. وفي حديث آخر عن علي بن عبد الله، قال: سأله رجل عن قوله الله عز وجل: (فمن أتّبع هداي فلا يضّل ولا يشقى) قال: من قال بالأئمة واتبع أمرهم ولم يحز طاعتهم. وروي أن الإمام الباقر- عليه السلام- قال لأثنين من علماء الرأي والقياس وهما سلمة بن كهيل، والحكم بن عتيبة قال: (شرّقا وغرّبا لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً يخرج من عندنا أهل البيت)210. وبما أنّ هذين الرجلين كانا من البتريِّة (أصحاب كثير النوا) وكانا يدعوان إلى ولاية علي –عليه السلام-ولكنهما يخلطانهما بولاية غيره وكانت لهذه الطائفة آراء في أصول العقائد وفي الفقه قائمة على أسس خاطئة، فإن كلام الإمام لهما يشمل من يعتمد على رأيه، ولا يأخذ من أهل البيت –عليهم السلام-أفكاره وأحكامه. والحديث التالي يكشف عن ذلك: يروي ابو بصير ويقول: سألت ابا جعفر (الإمام الباقر- عليه السلام-) عن شهادة ولد الزنا تجوز؟ قال: لا. فقلت: إنّ الحكم بن عتيبة يزعم أنها تجوز؟ فقال: اللهم لا تغفر هل ذنبه، ما قال الله للحكم أنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون فليذهب الحكم يميناً وشمالاً فوالله لا يوجد العلم إلا من أهل بيتٍ نزل عليهم جبرئيل211. وهكذا نهر الإمام حكماً لأنه اعتمد في علمه على غير أهل البيت الذين نزل عليهم جبرئيل، فيا ترى أولا يشمل هذا العتاب أولئك الرجال الذين يزعمون أنّ للعقل أحكاماً خاصة به نستوحيها من العقل وحده؟ وفي حديث آخر مروي عن الثمالي قال: سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: (ومن اضلُّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله)؟ قال: عنى الهل لها من اتخذ دينه رأيه من غير إمام من أئمة الهدى212. ولا ريب في شموله هذه الرواية لمن يزعم أنه قادر على كشف حقائق الدين بلا مراجعة لأحاديث الأئمة. ويقول الإمام الصادق-عليه السلام- في حديث عميق المعنى استفاض عنهم: (أبى الله أن يجري الأشياء الا بالأسباب، فجعل لكّل سببٍ شرحاً، وجعل لكلِّ شرحٍ علماً، وجعل لكلِّ علمٍ باباً ناطقاً عرفه من عرفه، وجهله من جهله ذلك رسول الله ونحن. وفي حديث آخر مروي عن الإمام الباقر-عليه السلام-: (كل ما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل)213. مناقشة الأحاديث وقد ناقش في دلالة هذه الطوائف من أخبار الباب، الأستاذ الكبير النائيني تبعاً للشيخ الكبير الأنصاري وغيره بقوله- حسب أجود التقريرات-: الثانية الأخبار الدالة على وجوب أخذ الأحكام منهم، وعدم الاعتناء على الادراكات العقلية. وظاهر هذه الطائفة أنهّ÷ا في مقام الردع عما يفعله أئمة النفاق والكفر- عليهم لعائن الله- من الاستقلال في الفتوى بآرائهم الفاسدة المبنيّة على العمل بالأقيسة والاستحسانات الظنّية من دون الرجوع إلى أئمة الهدى- صلوات الله عليهم- بل ربما كانوا يعارضونهم، وأين ذلك ممّن يعتقد بإمامتهم، ويرجع في مقام الفتوى إلى كلماتهم، والأخبار الصادرة عنهم –صلوات الله عليهم- وربما يتفق له استقلال عقله بحسن شيء أو قبحه. ويستكشف من ذلك آراءهم- صلوات الله عليهم- بطرق الآن لما ثبت عنده من تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد وعدم كونها جزافاً كما يدّعيها الأشاعرة من دون شعور214. والأسئلة التي تطرح على هذه المناقشة هي التالية: أولاً: حينما يعترض الأئمة على البعض لأنه يأخذ دينه بالرأي والقياس نعرف أنّ ملاك اعتراضه هو استخدامه الرأي والقياس في الدين. ولذلك فهو يشمل كل من يفعل مثل فعلته.. ولا أعرف معنىً للرأي والقياس، وإلا اعتماد المطالب العقلية، والاستدلالات المنطقية التي كانت قد اشتهرت في عهد الأئمة والتي لا تختلف كثيراً عمّا نجده عند البعض منا اليوم. ثانياً: إن لسان كثير من الأخبار يأبى عن تخصيصها بغيرها. مثلاً اعتراض الإمام –عليه السلام- على أبان لأنه أخذه القياس. فهل كان أبان من المخالفين؟ كلا.. إنما خلط رأيه وقياسه بأخبار أهل البيت –عليهم السلام- ونحن- ايضاً- إذا خلطناهما كنا مثله. والإنصاف أنَّ من يطّلع على مجموع احاديث الباب المتواترة لا يشكّ في أنّ كثيراً من مناهجنا الإستدلالية مشمولةٌ للنهي. ويبقى عنده السؤال العريض التالي: إذا ما هو موقع العقل الذي هو حجة الله الباطنة؟ ولماذا أمر الائمة علماء شيعتهم باستنباط الاحكام، وهل يمكن الاستنباط من دون إثارة العقل، والإستفادة من نوره؟ لا بّد أنْ نبحث عن إجابةٍ لهذا السؤال في تضاعيف الآيات والروايات، ويبدو لي أنّ العقل الذي هو نور الله يؤتيه من يشاء من عباده غير الرأي والقياس لأنّه علمٌ وهما جهلٌ، وهو هدى الله وهما من إيحاءات الشياطين، وهو يطابق الشرع وهما عادة يطابقان الهوى. صحيح إنّ النفس الأمّارة بالسوء، وكما يختلف الوجدان عن الأهواء والشهوات، كذلك يختلف العقل عن القياس. وكان توجّه الأئمة-عليهم السلام- تبصير الإنسان بهذه الحقيقة لينفصل عنده عقله عن هواه، علمه عن جهله، نداء الرحمن في وجدانه عن وساوس الشيطان. وإذا تمّ الفصل عند الإنسان استطاع انْ يعرف الحقائق بعقله وبتأييد نور الوحي وكلمات أهل بت الوحي. وهكذا نج أنهم –عليهم السلام- يأمرون علماء شيعتهم بالاستنباط من القرآن ويقولون لهم هذا وأمثاله يفُهم من القرآن. بينما ينهون الناس من تفسير القرآن ويقولون عن أحكام الله إنّها أبعدُ شيء عن عقول الرجال.. وليس في ذلك أدنى تناقض، لأنّ مثله مثل الحكيم حين ينهي سائر الناس عن ممارسة مهنة الطب بينما يأمر الدكاترة بذلك. وقد سبق وأنْ، أشرنا إلى أنّ العقل الإلهي يختلف عن المناهج القياسية التي تسمىَّ بهذا الاسم، والمغالطة إلى قامت بها الفلاسفة وأنصارهم بتسمية مناهجهم بالتعقل هي المسؤولية عنارتباط البعض ومحاولتهم تبرير العمل بها لأنّ الإسلام أمر الناس بالرجوع إلى العقل.. وقد نبّه كثير من الفقهاء إلى ذلك ولا سيما المحدثون منهم كما أشرنا إلى ذلك سلفاً.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|