فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
القياس عند الإمام علي-عليه السلام-
ونختم حديثنا في هذا الفصل بحديث مفصل مأثور عن سيد الحكماء أمير المؤمنين –عليه السلام- يصف فيه القائلين في الدين بالرأي والقياس، ويحدد لنا منهجاً واحداً لبلوغ أحكام الله وهو الرجوع إلى أئمة الهدى-عليهم السلام-.
دعنا نتلو معاً هذه الخطبة الشريفة التي احتوت على جملة من أصول المعرفة في نهج الإسلام في المعرفة، وبالذات في فقه الشريعة.
نصائح عامة
بعد حمد الله، والصلاة على نبيه، وتحمَّل مسؤولية حديثه أوصى الإمام بالتقوى وبيّن أنها تصوت الإنسان من الهلاك، وقال:
(أمّا بعد فذمّتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم) هكذا بيّن أنه مسؤول عن كلامه، وهو يعي هذه المسؤولية لأنّ كلامه يرهن ذمته رهينة لا تنفك عنه حتى يكون كلامه صادقاً وهو زعيم وكفيل بما يقول:
وأضاف: (إنه لا يهيج215عن التقوى رّع قوم، ولا يظمأ عنه سنخ أصلٍ، يعني لا زراعة تفسد إذا أحيطت بسور التقوى، ولا تظمأ شجرة استقت من ينبوع التقوى لأنّ التقوى حياة الإنسان في الدنيا والآخرة.
وبيّن الإمام أهميّة اعتراف الإنسان بواقعه ومعرفة قدر نفسه حتى لا يضعها فوق مرتبتها، ولا يتكلّف علماً لم يؤت أدواته ولا منصباً لا يستحقه وقال: (وإنّ الخير كلّه فيمن عرف قدر نفسه، وكفى بالمرء جهلاً ألاّ يعرف قدره).
ويبدو أنّ كبر النفس وغرورها، وتطلعها إلى مراتب عالية أكبرُ حجابٍ بينها وبين الحقائق. وإن الإنسان لا يبلغ الخير إلاّ بالتواضع لله، ومعرفة قدر نفسه.
خائض عشوات:
ثم يتناول الخطاب القسم الهام من الموضوع حيث بين صفات أدعياء العلم وهم أبغض الخلق عند الله. وسبب ضلالتهم انقطاعهم عن حبل الله. حيث وكلهم الله إلى أنفسهم فانحرفوا عن قصد السبيل، وعشقوا البدع، وغلّفوها بكثرة الصلاة والصيام وأصبحوا فتنةً لكلّ من ابتغى الفتنة من الناس. ولم يهتدوا بسيرة الصالحين من قبلهم. ولا أورثوا سيرةً صالحةً لمن جاء من بعدهم. وهكذا احتملوا اوزار تابعيهم إلى اوزارهم الذاتية.
قال الامام:
(وإنّ ابغض الخالق عند الله رجل وكّله الله إلى نفسه، جائر عن قصد السيل مشغوف216 بكلام بدعة).
لماذا يحب البدعة؟ لعله لأنه من أهلها ويرى مصالحه فيها، ولا يرى تحقيق ذاته إلاّ في أجوائها، وأضاف الإمام-عليه السلام-:
(قد لهج فيها بالصوم والصلاة، فهو فتنةٌ لمن افتتن به، ضالّ عن هُدى من كان قبله، مُضِلّ لمن اهتدى به، حمّالُ خطايا غيره، رهينٌ بخطيئته).
هكذا أصبح مثلُ هذا الرجل حلقة في سلسلة الضلال. لأنه ولع بالفتنة وأحب البدعة. وتراه يلملم مفردات الجهل، يبحث عن كل ضلالة وشبهة وفكرة سلبية تدعم خطّةُ المنحرف، كما فعل من قبله الجهال الذين أحاطت بهم ظلمات الجهل وغرته ظلمات الفتنة، أوليس قد وضع نفسه في تيّار الإنحراف؟ قال الامام: (قد قمشه جهلاً في جهال غشوة، غار بأغباش الفتنة، عمى عن الهدى، قد سمّاه أشباه الناس عالماً، ولم يغن فيه يوماً سالماً)217
وهكذا تراه جمع أفكار ضلالة، حتى سمّاه الناس عالماً وأنَّى له ذلك! وكما الظمآن الذي اندفع في شرب الماء المالح تراه يزداد تجميعاً للشبهات بلا فائدة له.
(بكّر فاستكثر ممّأ قل منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن، واستكثر من غير طائل، جلس للناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، إن خالف من سبقه، لم يأمن من نقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله).
وهكذا كشف الامام –عليه السلام- عن صفةٍ في هذه الطبقة تتمثل في عدم اتّباعهم لنهجٍ معين، لأنّهم يتبعون اهواءهم ويضعون للتيارات التي تضغط عليهم.. ويميلون مع كل ريحٍ عاصف. أما الصفة الثانية فيهي كما يقول الامام:
(وإنْ نزلت به إحدى المهمات هيّأ لها حشواً من رأيه ثم قطع عليه). فهو يتبع رأيه الباطل وكلنه يقطع عليه جزماً لأنّ محوره ذاته وإلهه هواه. (فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ. ولا يرى أنّ من وراء ما بلغ مذهباً، إنْ قاس شيئاً بشيء لم يكذب رأيه، وإنْ أظلم عليه أمير إكتتم به لما يعلم من نفسه من الجهل والنقص الضرورة كي لا يقال إنه لا يعلم. وهكذا تجد هذا الشخص يتكلّف اليقين ولا يقين له. ويدّعي القطع ولا يقطع بشيء. وينكر وجود العلم لجهله المطبق وتكبره عن الحق. ويمضي الحديث في بيان هذه الصفة الشائنة وما يرافقها من أعمال منكرة ويقول: (ثم أقدم بغير علمٍ فهو خائض عشواتٍ، وكّاب شبهاتٍ، خبّاط جهالات218لا يعتذر ممّأ لا يعلم فيسلم، ولا يعض في العلم بضرسٍ قاطع فيغنم).
ثم يحدَّد الامام موقف هذا الشخص من الأحاديث أنّه يتعامل معها باستهانةٍ وجهالة فإذا به يخلطها ببعضها، ولا يتدبّر في معانيها، ويحرّف كلماتها عن مواضعها كما تفعل بالهشيم الرياح الهوج حيث تذورها ذرواً.
وهذكا لا يعتني بها ولا يسلم لها، بل يطيّرها أو يسحقها كما تفعل الريح بالهشيم (يذري الروايات ذرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء، ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام، ويحرّم، به الحلال ولا يسلم بإصدار ما عليه ورد، ولا يندم على ما منه فرط)219.
2- الأئمة سفن النجاة:
وفي القسم الثالث من الخطبة يوص الإمام بإتّباع نهج الأئمة لأنّهم سفن النجاة، وحبل الله المتين. ويقول:
(أيّها الناس! عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعذرون جهالته، فإنّ العلم الذي هبط به آدم وجميع ما فضلت به النبيّون إلى محمد خاتم النبيين، في عترة محمد، فأين يتُاه بكم؟ ل أين تذهبون، يامن نسخ من أصلاب أصحاب السفينة، فهذه مثلها فيكم فاركبوها، فكما نجا في السفينة من نجا كذلك ينجو في هذه من دخلها أنا رهين بذلك، قسماً حقّاً، وما أنا من المتكلّفين، الويل لمن تخلف ثم الويل لمن تخلّف220.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب