فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الباب الثاني: بحوث في الكتاب والسنة
الفصل الأول عن الكتاب
تمهيد:

1- ( فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) 223بهذه الكلمة الرائعة عبّر قادة الإسلام عن مقام القرآن الذي هو محور الامة، والمصدر الوحيد لتشريعهم وثقافتهم وصبغة حياتهم.
إنه الرسالة التي تهيمن على سائر رسالات الله، وهو حبل الله المتين المتصل بين السماء والأرض.
إنه الثقل الأكبر الذي خلَّفه الرسول في أمته فقال –صلَّى الله عليه وآله-: (إني تارك فيك الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضّلوا أبداً) ولم يختلف المسلمون في عظمة القرآن، وأنه مصدر النور في حياتهم، ولكنهم اختلفوا في منهج الاستفادة منه. فمنهم من حدّد المنهج في بضع أمور هامشية، ومنهم من لم يحدد أساساً منهجاً للتعلم منه. وبين الفريقين المتطرفين يمنة ويساراً مذاهب شتى.
ولإختلاف الناس في هذا الأمر الأساسي، اختلف تعابير أئمة الهدى ابتغاء إصلاح الأفكار المتطرفة.. في هذا الاتجاه أو ذاك.
فإذا ضعف إيمان الناس بالذكر وشغلتهم الدنيا بزينتها، وانتشرت بينهم الثقافات الجاهلية، وظهرت فتن الضلالة، تصدى الأئمة –عليهم السلام- لذلك ببيان مقام القرآن وضرورة العودة إليه..
لنستمع إلى الحديث التالي:
يقول الحارث الأعور: (دخلت على أمير المؤمنين-عليه السلام- فقلت: يا أمير المؤمنين! إنّا إذا كنّا عندك سمعنا الذي نسدّ به ديننا، وإذا خرجنا من عنك سمعنا أشياء مختلفة مغموسة ولا ندري ما هي؟ قال: أَوَ قَدْ فعلوها؟ قلت: نعم قال: سمعت رسول الله –صلَّى الله عليه وآله- يقول: (أتاني جبرئيل فقال: كتاب الله فيه بيانُ ما قبلكم من خبرٍ، وخبرُ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من وليه من جبار فعمل بغيره، قصمه الله، ومن التمس الهدى في غيره أضلّه الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم لا تزيغه الأهوية ولا تلبسه الألسنة، ولا يخلق على الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، وهو الذي لم تلبث الجن إذ سمعته أن قالوا: (إنّا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم، هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم الكتاب حميد)224هكذا نرى حين شاعت الفتن وانتشرت الضلالة سارع الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام- إلى مقابلتها بالقرآن الذي يعصم الله به عباده من الفتن ويهديهم من بعد الضلالة والتيه!
2- واختلفت المذاهب وتناقضت الآراء على أصعدةٍ شتى وبعوامل مختلفة في الثقافة، والأدب، في الفقه والتشريع، في السياسة والاقتصاد. ولا، القرآن كان المصدمر التشريعي الوحيد عن أبناء الامة، فإذا كلّ فريق يختار من آيات الذكر ما يتناسب في زعمه ومذهبه بعد تأويلها حسب هواه.. ولوجود آيات متشابهة في القرآن تسمو على فهم أغلب الناس فقد درج أصحاب المذاهب لتأويلها حسب افكارهم..
ولقد حذر القرآن الحكيم من ذلك وقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أُمُّ الكتاب وأُخر متشابهات، فأما الذي في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابهَ منه ابتغاء الفتنةِ وابتغاء تأويِلهِ وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخُون في العلم يقولون آمنا به كُلُّ من عند ربّنا)225.
واتباعاً للقرآن جاءت النصوص تترى في التحذير من ذلك وفي بيان المنهج السليم في تفسير المتشابه من آيات الذكر وهو الرجوع إلى أئمة الهدى من أهل البيت وهكذا جاء في حديث مأثور عن الإمام الباقر-عليه السلام-: أنه سأله يزيد ابن معاوية: عن قوله عز وجل: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) قال: يعني تأويل القرآن كله إلا الله والراسخون في العلم فرسول الله أفضل الراسخين، قد علّمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله منزلاً عليه شيئاً لم يعلّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، فقال الذين لا يعلمون: ما نقول إذا لم نعلم تأويله؟ فأجابهم الله: (يقولون آمنا به كل من عند ربّنا) والقرآن له خاص وعام، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، فالراسخون في العلم يعلمونه).
3- واشتدت حاجة المسلمين إلى معرفة أحكام الحوادث المستجدة لتطوّر الحياة فنشأت مجاميع من المتفقهين في الدين الذين أخذوا يفسرون آيات القرآن بغير علم ودون أن يميزّوا الناسخ من المنسوخ، والعام من الخاص، والفريضة من المندوب،والحرام من المكروه، فعلموا بالقياس واستعملوا الرأي ونبذوا كتاب الله وسّنة رسوله وهدى أوصيائه وراء ظهورهم فجائت تحذر من أمثال هؤلاء بشدة. والحديث التالي نموذج منها:
روي عن الإمام الصادق-عليه السلام- أنّ الله تبارك وتعالى بعث محمداً فختم به الأنبياء فلا نبَّي بعده، وأنزل عليه كتابً فختم به الكتب فلا كتابَ بعده، أحلّ فيه حلالاً وحرَّم فيه حراما، وحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم، وجعله النبي-صلَّى الله عليه وآله-علماً باقياً في اوصيائه فتركهم الناس وهم الشهداء على كل زمان، وعدلوا عنهم ثم قتلوهم، واتّبعوا غيرهم وأخلصوا لهم الطاعة، حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم، قال الله سبحانه (فنسوا حظّاً ممّأ ذكروا به) ولا تزال تطلع على خائنةٍ منهم، وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام، واحتجّوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام والى ما يختمه ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوه عن العالم فضلّوا واضلّوا.
وأعلموا –رحمكم الله-أنه من لم يعرف من كتاب الله الناسخ من المنسوخ، والخاص من العام، والمحكم من المتشابه، والرخص من العزائم، المكي والمدني، وأسباب التزيل والمبهم من القرآن ن ألفاظه المنقطعة والمؤلفة وما فيه من علم القضاء والقدر، والتقديم والتأخير، والمبين والعميق، والظاهر والباطن، والابتداء من الانتهاء، والسؤال والجواب، والقطع والوصل، والمستثنى منه والجار فيه، والصفة لما قبل ممّا يدل على بعد، والمجمل منه والمفصل، وعزائمه ورخصه، ومواضع فرائه وأحكامه ومعنى حلاله وحرامه الذي هلك فيه الملحون، والموصول من الألفاظ، والمحمول على ا قبله وعلى ما بعده، فليس بعالم بالقرآن، ولا هو من أهله، ومتى ما ادّعى معرفة هذه الأقسام مدّعٍ بغير دليلٍ فهو كاذب مرتاب، مفترٍ على الله الكذب ورسوله ومأواه جهنم وبس المصير226.
4- وفريق رابع أخذوا العلم من مصادره وزكوا أنفسهم من محب الرئاسة واتباع الهوى، وسلموا لله ولرسوله ولأولي الأمر من أوصيائه-عليه وعليهم صلوات الله- حتى زهر مصباح الهدى في أنفسهم، وأصبحوا من أهل الذكر وفتح الله عقولهم بكثرة نظرهم في علمه، وهؤلاء أودع الله قلوبهم علمه وعلم أولياه، وجعلهم ورثة أنبيائه وحجج الله بعد الأئمة المعصومين، وهم بعض فقهاء الشيعة من أصحاب الأئمة.
هؤلاء عرفوا ما ينبغي معرفته ليصبحوا أخلاً للفتوى واستنباط الأحكام من الوحي فأمرهم أئمة الهدى بأنْ يفهموا من القرآن أحكام الدين. وليك نزداد وعياً بهذه البصائر التي ذكرناها آنفاً نقرأ معأً نصوص الوحي فيما يتّصل بالاستنباط من القرآن عبر مجاميع متواصلة:
1- القرآن هدىً ونور:
(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربّكم وأنزلنا اليكم نوراً مبيناً)227.
(هذا بصائُر من ربّكم وهدىً ورحمةٌ لقومٍ يؤمنون)228.
(يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبينَّ لكم كثيراً مما كنتم تُخفون من الكتاب ويعفُو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)229.
بهذه الكلمات المضيئة هدانا الرب إلى أنَّ كتاب ربّنا برهانٌ ونورٌ مبينٌ، وأنَّه هدىً ورحمةٌ وكتابٌ مبينٌ. ولا ريب أنّ ذلك يعني إثارة العقل للإطلاع على الكتاب، والإستزادة من معارفه. وحينما يتوجّه الخطاب إلى الناس كافة أو إلى المؤمنين جميعاً أو إلى أهل الكتاب فإنهم مدعوّون إلى الإنتفع بالقرآن من دون حجاب، وهل النور بحاجة إلى ما يضيئة ويدل عليه؟ أو البيان بحاجة إلى الشرح؟.
وقد أشارت الأحاديث المأثور عن النبي وأهل بيته –عليه وعليهم السلام- إلى ذلك.
فقد روى الإمام الصادق عن النبي- صلَّى الله عليه وآله-: (القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة)230.
(إنّ هذا القرآن هو النور المبين، والحبل المتين، والعروة الوثقى، والدرجة العليا، والشفاء الأشفى)231.
وروي عن فاطمة الزهراء-عليها السلام-قولها: (لله فيكم عهد قدمه، وبرهان متجلية ظواهره، مديم للبرية استماعه، وقائد إلى الرضوان اتباعه، ومؤد إلى النجاة أشياعه)232. وروي عن الإمام الرضا-عليه السلام- أنّ÷ قال: (كلام الله لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوُّا)233.
وهكذا يجب انْ نستضيء بهاذ النور ونعتصم بهذا الحبل، ونجلي قلوبنا بنوره.. ولا يجوز هجر كتاب ربّنا، وندّعي أنه متعالٍ عن أفهامنا.
ويهدينا إلى ذات الحقيقة نصوص التدبّر التي تأمرنا بالتأمل في كتاب ربّنا واستنباط حقائقه.
2- القرآن كتاب تدبر:
قال ربّنا سبحانه:
(أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)234.
(كتاب أنزلناه اليك مباركٌ ليدَّبَّروا آياته وليتذكّر أُولوا الألبابِ)235.
(أفلم يدبّوا القوم أم جاءكم ما لم يأت آباءهم الأولين)236.
(أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)237.
هكذا ذكر التدبر كهدف للكتاب، وقد جاء في الحديث عن الإمام زين العابدين –عليه السلام: (آيات القرآن خزائن العلم فكلّما فتحت خزانه فينبغي لك أن تنظر فيها)238.
وعن الإمام الصادق –عليه السلام-من دعائه قبل أن يقرأ القرآن: (ولا تجعل قراءتي قراءةً لا تدبر فيها، بل أجعلني أتدبر آياته وأحكامه أخذاً بشرائع دينك، ولا تجعل نظري فيه غفلةً، ولا قراءتي هذرا إنك انت الرؤوف الرحيم)239.
عن الإمام الصادق-عليه السلام-أيضاً: (لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون)240.
وهكذا وصانا قادتنا بالتزوّد من علم القرآن المتوفر في خزائنه، والنظر إلى نور الله المتجلَّي في آياته.
والقرآن يذكرنا بأنه تبيان لك شيء مما يرغّبنا في المزيد من الحث فيه والتدبّر في كلماته.
3- القرآن تبيان كل شيء:
قال ربّنا سبحانه:
(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء)241.
(ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاّ في كتابٍ مبين)242.
(ما فرّطنا في الكتاب من شيء)243.
(ما كان حديثً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء)244.
وري عن الإمام الصادق- عليه السلام-: (إن الله لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكل شيء حدّاً وجعل عليه دليلاً يدل عليه)245.
ومعلوم أن بيان حقائق الدين في الكتاب المبين قد يكون بصورة تفصيلية، وقد يكون ببيان الأصول العامة ومناهج الاستفادة منها!
وروي عن الإمام الباقر-عليه السلام-أنه قلا لأصحابه: (إذا حدثتكم بشيء فسألوني أين هو من كتاب الله تعالى. ثم قال في بعض حديثه: إن رسول الله نهى عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال، فقيل له: يابن رسول الله: أين هذا من كتاب الله؟ قال: إن الله تعالى يقول: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) وقال: (لا تأتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) وقال: (لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم)246.
وعن الإمام الصادق-عليه السلام- أنه قال: (ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله لكن لا يبلغه عقول الرجال)247.
وروى عطاء بن السائب عن الإمام الباقر-عليه السلام- عن النبي-صلّى الله عليه وآله- قال: (أُعطيت خمساً لم يُعطهن نبي.. (إلى أنْ قال) وأُعطين جوامع الكلم، قال عطاء فقلت: ما جوامع الكلم؟ قال: القرآن)248.
وعن أمير المؤمنين-عليه السلام- أنه قال: (وسلوني عن القرآن، فإنّ في القرآن بيانَ كلِّ شيء وفيه علم الأولين والآخرين، وإنّ القرآن لم يدع لقائلٍ مقالةَ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم).
وروي عن الإمام الباقر-عليه السلام- أنه قال: (إن الله تعالى لم يدمع شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ أنزله في كتابه لرسوله –عليه السلام-)249.
وقد أشار أئمة أهل البيت –عليهم السلام- أنّ علمهم كان من القرآن.
4- علم الهداة من القرآن:
جاء في حديثٍ مأثور عن الإمام علي-عليه السلام- انه سُئل عندكم من رسول الله شيء من الوحي سوى القرآن؟ قلا: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ أن يعطى عبداً فهماً في كتابه)250.
وجاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام-: (إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن إلاّ وقد أنزله الله فيه)251.
5- المصدر الوحيد للمعارف:
ونهى القرآن عن اتّباع غيره والتماس الهدى ممّا سواه فقال سبحانه: (فإمَّا ياتينكم مني هدى فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى)252.
(ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواءِ السبيل)253.
وجاء في الأثر المروي عن النبي –صلَّى الله عيه وآله-(من آثر (القرآن) على ما سواه هداه الله ومن طلب الهدى في غيره أضله الله) وعن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: (كلام الله لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا)254.
وهذا يهدينا إلى ضرورة الاستنباط من القرآن لمعرفة حقائق الدين.
6- الاستنباط من القرآن:
قال ربّنا سبحانه:
(ولو ردُّوه إلى الرسول والى أولي الأمر لعلمه الذين يستنبطونه منهم)255.
وحينما سأل الإمام أحد أصحابه عن مسألة شرعية أجابه الإمام بالقول: (هذا وأمثاله يفهم من القرآن لقول الله: (ما جعل الله عليكم في الدين من حرجٍ).
وروي عن الرسول ا- صلَّى الله عليه وآله-أنه قال: (من أراد علم الأولين والآخرين، فليقرأ القرآن)256.
وروي عن الإمام علّي –عليه السلام- أنه قال عن القرآن: (جعله الله رِيّاً لعطش العلماء وربيعاً لقلوب الفقهاء)257.
7- العمل بالقرآن:
ولأنّ القرآن هدىً ونورٌ، ولا،ه آيات بينّات محكماتٌ فلا بدّ من العمل فيما اهتدى إليه الإنسان واستبان له من أحكامه، قال ربنّا سبحانه: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)258.
وجاء في وصية الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام- الأخيرة: (الله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم)259.
وعن الإمام الصادق-عليه السلام- أنه قال: (عليكم بالقرآن فما ودتم آية نجا بها ن كان قبلكم فأعملوا به وما وجدتموه هلك من كان قبلكم فاجتنبوه)260.
وروي عن الإمام الحسن-عليه السلام-أنه قال: قيل لرسول الله: إن أمتك ستفتتن، فسئل ما المخرج من ذلك، فقال: كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، من ابتغى العم في غيره أضلّه الله)261.
8- القرآن ميزان:
ومن أبرز مصاديق العمل بالقرآن إتخاذه ميزاناً لمعرفة الحق والباطل، وأهل الحق وأهل الباطل، والصحيح والخطأ..
قال الله سبحانه: (وأنزل الفرقان) 262(نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)263.
وجاء على لسان الإمام السجَّاد-عليه السلام-: وفرقاناً فرقت به بين حلالك وحرامك)264.
وقال عنه-عليه السلام-: (وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدىً لا يطفأ عن الشاهدين برهانه).
وعن الإمام الباقر-عليه السلام-في وصية لجابر بن يزيد الجعفي: (واعلم بأنك لا تكون لنا وليّاً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرك ذلك، ولكن اعرض نفسك على كتاب الله، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فانه لا يضرّك ما قيل فيك)265.
وكذلك أمر النبي وأهل بيته-صلوات الله عليه وعليهم-بأن يعرض كلامهم على القرآن.. فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام- قال: (كل شيء مردود إلى كتاب الله والسنّة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف).
(ما أتاكم عنا من حديث لا يصادقه كتاب الله فهو باطل).
عن أبن أبي عمير، عن الهشامين جميعاً وغيرهما قال: خطب النبي-صلَّى الله عليه وآله- بمنى فقال: (أيها الناس ما جاءكم عني فوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف القرآن فلم أقله)266.
عن ابي يعفور قال: سألت ابا عبد الله الصادق- عليه السلام- عن اختلاف الحديث يرويه من يثق به، فقال: (إذا ورد عليكم حديث فوجتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله-صلَّى الله عليه وآله-، وإلاّ فالذي جاءكم به أَوْلى)267.
عن الحسن بن الجهم، عن العبد الصالح-عليه السلام- قال: (إذا كان جاءت الحديثان المختلفان فِقسهما على كتاب الله على أحاديثنا فإنْ أشبههما فهو حقّ وإنْ لم يشبهها فهو باطل)268.
وعن قرب الإسناد في حديث من كتاب علي –صلوات الله عليه- قال رسول الله –صلَّى الله عليه وآله- سيُكذَب علَّي كما كذب على من قبلي فما جاءكم من حديث وافق كتاب الله فهو حديثي، وما خالف كتاب الله فليس من حديثي.
وعن أيوب بن الحر قال سمعت أبا عبد الله- صلوات الله عليه-يقول: (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)269 عن العياش عن أيوب بن الحر قال سمعت ابا عبد الله –صلوات الله عليه- يقول: (كل شيء مردود إلى الكتاب والسنّة وكل حديث لا يوفق القرآن فهو زخرف)270.
عن ابي عبد الله –صلوات الله عليه- قال: قال رسول الله –صلَّى الله عليه وآله-ك(على كل حقٌ حقيقة وعلى كل صواب نور، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)271.
عن أبي عبد الله –صلوات الله عليه- قلا: (الوقوف عند الشبه خيرٌ من الاقتحام في الهلكة، إنّ على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نور، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه).
عن العياش مسندا عن جعفر عن أبيه عن علي –صلوات الله عليه-أنه قال في حديث: (فما وافق كتاب الله فخذوا به، وإلاّ فقفوا عنده، ثم ردوه إلينا حتى يستبين لكم).
وفيه عن أبي جعفر- صلوات الله عليه-في رواية شريفة بعد كلام له في الوصية لبعض الشيعة قال: (انظروا أمرنا وما جاءكم عنا فإنْ وجدتموه للقرآن موفقاً فخذوا به، وإنْ لم تجدوه موفقاً فرّدوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا وردّوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا)272.
وعن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله-صلوات الله عليه- يقول: (لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسّنة نبيّنا محمد-صلَّى الله عليه وآله- فإنّا إذا حدثنا قلنا: قال الله عزّ وجل وقال رسول الله –صلّى الله عليه وآله-)273.
وعن ثامن الأئمة-صلوات الله عليه- في حديث: (فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن فإ،ّا إنْ حدّثنا حديثاً بموافقة القرآن وموافقة السنة أنّا عن الله وعن رسوله نحدّث، ولا نقول فلان وفلان فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثلُ كلام أولنا، وكلامَ أولنا مصداقُ كلامِ آخرنا، وإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كل قول منّا حقيقة وعليه نور، لما لا حقيقة معه ولا نور عليه، فذلك قول الشيطان)274.
وما أجاب أو الحسن عي بن محمد العسكري في رسالته إلى أهل الأهواز إلى أنْ قال-صلوات الله عليه-: (فإذا شهد الكتاب بتصديق خبرٍ وتحقيقه وأنكرته طائفة من الأمة وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، صارت بإنكارها ودفعها الكتاب كفاراً ضُلاَّلاً، واصبح خبر ما عرف تحقيقه في الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله –صلَّى الله عليه وآله- حيث قال: إني مستخلف فيكم خليفتين: كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضّلوا بعدي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علّي الحوض. واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله- صلَّى الله عليه وآله- إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علّي الحوض ما ا، تمسّكتم بهما لن تضلّوا فلما وجدنا شواهد هذا الحديث نصّاً في كتاب الله مثل قوله: (إنما وليُّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). ثم اتفقت روايات العامة في ذلك لأمير المؤمنين أنّه تصدّق بخاتمهِ وهو راكع. فشكر الله ذلك له وأنزل الآية. ثم وجدنا رسول الله –صلَّى الله عليه وآله- نادى بأنه من أصحابه إلى أن قال: فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار وتحقيق هذه الشواهد فلزم الأمة الإقرار بها، إذ كانت هذه الأخبار وافقت القرآن ووافق القرآن هذه الاخبار، فلما وجدنا ذلك موافقاً لكتاب الله ووجدنا كتاب الله موافقاً لهذه الأخبار وعليها دليلاً.. الخ)275.
وعن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله –صلوات الله عليه-: (يا محمد ما جاءك في رواية من برًّ أو فاجر فوافق القرآن فخذ به، وما جاءك في رواية من برًّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به)276.
عن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله- صلوات الله عليه- عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال: (إذا ورد عليكم حديث فوجتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله-صلَّى الله عليه وآله- فالذي جاءكم به هو أُولى به)277.
وهذه الطائفة الكبيرة من الروايات تهدينا إلى أمرين:
الأول: أنّ الأصل في معارف الدين هو القرآن الذي يجب انْ نعيد إليه كلّ شبهة، وكل اختلاف، وكلّ حكم فرعي. فإن في القرآن ميزاناً وفرقاناً يبين الحق والباطل.
الثاني: أنه يجوز بل يجب ردّ علم الفقه إلى جوامع العلم في القرآن وتفسير الواحد بالآخر.. فجوامع العلم (الأصول العامة) تفسرّها المصاديق الفرعية تماماً كما أن الأمثلة توضح الحقائق الكلية.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب