فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفقهاء والاستنباط من القرآن
في حديثه المفصل عن العمل بظواهر الكتاب يرّد الأستاذ الأكبر الشيخ الأننصاري على البعض الذين يزعمون أنّ مجال الاستفادة من آيات القرآن في الأحكام محدود لأن آياته الكريمة التي وردت في الأحكام الشرعية مفسِّرة بالأحاديث وواضحة المعاني.. فيقول:
ولعه قصر نظره إلى الآيات الواردة في العبادات فإن أغلبها من قبيل ما ذكره وإلاّ فالإطلاقات الواردة في المعاملات مما يتمسّك بها في الفروع الغير المنصوصة أو المنصوصة بالنصوص المتكافئة كثيرة جدّاً مثل: أوفوا بالعقود، وأحلّ الله البيع، وتجارة عن تراضٍ، فرهان مقبوضة، ولا تؤتوا السفهاء أموالكم، ولا تقربوا مال اليتيم، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم، وإنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا، ولو لا نفر من كلّ فرقة، فاسألوا أهل الذكر، وعبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وما على المحسنين من سبيل. وغير ذلك مما لا يحصى. بل وفي العبادات أيضاً كثيرة مثل قوله: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام. وآيات التيمم، والوضوء، والغسل، وهذه العمومات وإن ورد فيها أخبار في الجملة إلاّ أنّه ليس كل فرع مما يتمسّك فيه بالآية ورد فيه خبر سليم عن المكافئ فلاحظ وتتبع278.
ويناقش الشيخ أيضاً الذين استدلُّوا ببعض الاحاديث الناهية عن العمل بالكتاب لعامة الناس.. وعن التفسير بالرأي. ويعتقد أن هذه النصوص إنما وضعت شروطاً للإستفادة من القرآن مثل الإلمام بالناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، ومراجعة أهل الذكر في تشابهات القرآن، ويضيف قائلاً:
(مع معارضة الأخبار المذكورة بأكثر منها، مما يدملّ على جواز التمسك بظاهر القرآن مثل خبر الثقلين المشهور بين الفريقين وغيرها، مما يدل على الأمر بالتمسّك بالقرآن والعمل بما فيه وعرض الأخبار المتعارضة، بل ومطلق الأخبار عليه، وردّ الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود والأخبار الدالة قولاً وفعلاً وتقريراً على جواز التمسك بالكتاب مثل قوله –عليه السلام- لما قال زرارة: من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس؟ فقال: لمكان الباء فعرّفه –عليه السلام-مورد استفادة الحكم بظاهر الكتاب. وقول الصادق (عليه السلام): في مقام نهي الدوانقي عن قبول خبر النمام أنه فاسق، وقال الله تعال: (إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيَّنوا) الآية، وقوله لابنه إسماعيل: إنّ الله عز وجل يقول: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) فإذا شهد عنك المؤمنون فصدقهم. وقوله-عليه السلام- لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لإستماع الغناء اعتذاراً بأنه لم يكن شيئاً أتاه برجله: أما سمعت قول الله عز وجل : (إن السَّمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عن مسؤولاً)، وقوله-عليه السلام- في تحليل العبد للمطلقة ثلاثاً أنه زوج قال الله عز وجل: (حتى تنكح زوجاً غيره) وفي عدم تحليلها بالعقد المنقطع انه تعالى قال: فإن طلقها فلا جناح عليهما) أو تقريره –عليه السلام- التمسك بقوله تعال: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) وأنه نسخ بقوله تعالى: (ولا تنكحوا المشركات) وقوله-عليه السلام- في رواية عبد الأعلى في حكم من عثر فوقع ظفره فجعل على أسبعه مرارة أنّ ها وشبهه يعرف من كتاب الله (ما جعل عليكم في الدين من حرجٍ) ثم قال: امسح عليه، فأحال-عليه السلام- معرفة حكم المسح على أسبعه المغطى بالمرارة إلى الكتاب مومئاً إلى أن هذا لا يحتاج إلى السؤال لوجوده في ظاهر القرآن. ولا يخفى أن استفادة الحكم المذكور من ظاهر الآية الشريفة مما لا يظهر إلاّ للمتأمل المدقق نظراً إلى أ،ّ الآية الشريفة إنّما تدلّ على نفي وجوبِ الحرج، أعني المسح على نفس الأصبع، فيدور الأمر في بادئ النظر بين سقوط المسح رأساً، وبين بقائه مع سقوط قيد مباشرة الماسح للمسوح. فهو بظاهره لا يدّل على ما حكم به الإمام –عليه السلام- لكن يعلم عند التأمل إن الموجب للحرج هو اعتبار المباشرة في المسح فهو ساقط دون أصل المسح، فيصير نفي الحرج دليلاً على سقوط اعتبار المباشرة
في المسح، فيمسح على الأصبع المغطى. فإذا أحال الإمام –عليه السلام- استفادة مثل هذا الحكم إلى الكتاب، فكيف يحتاج نفي وجوب الغسل أو الوضوء عند الحرج الشديد المستفاد من ظاهر الآية المذكورة أو غير ذلك من الأحكام التي يعرفها كل عارف باللسان من ظاهر القرآن إلى ورود التفسير بذلك من أهل البيت –عليهم السلام-.
ومن ذلك ما ورد من أنّ المصلَّي أربعاً في السفر أن قرت عليه آية القصر وجب عليه الإعادة وإلاّ فلا، وفي بعض الروايات قرأت عليه وفسّرت له والظاهر ولو بحكم صالة الإطلاق في باقي الروايات أنّ المراد بقوله تعال: (لا جناح عليكم أن تقصروا) بيان الترخيص في أصل تشريع القصر وكونه مبيّناً على التخفيف، فلا ينافي تعين القصر، على المسافر وعدم صحة الإتمام منه. ومثل هذه المخالفة للظاهر يحتاج إلى التفسير بلا شبهة. وقد ذكر زرارة ومحمد ابن مسلم للإمام –عليه السلام- أن الله تعالى قال: (لا جناح)، ولم يقل: افعلوا، فأجاب –عليه السلام- بأنه من قبيل قوله تعال: (فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما). وهذا أيضاً يدل على تقرير الإمام لهما في التعرض لاستفادة الأحكام من الكتاب والدخل والتصرف في ظواهره. ومن ذلك استشهاد الإمام –عليه السلام-بآيات كثيرة مثل الاستشهاد لحلِّية بعض النسوان بقوله تعالى: (وأحلّ لكم ما وراء ذلك) وفي عدم جواز طلاق العبد بقوله: (عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء) ومن ذلك الاستشهادة لحليّة بعض الحيوانات بقوله تعال: (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً) الآية إلى غير ذلك مما لا يحصى. ويقول المفسر المعروف الفيض الكاشاني في معرض حديثه عن العمل بالقرآن: (إنّ من زعم أنّ لا معنى للقرآن إلاّ ما يترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حدّ نفسه، وهو مصيب في الإخبار عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومقامه، بل القرآن والأخبار والأثار تدلّ على أنّ في معاني القرآن لأرباب الفهم متّسعاً بالغاً ومجالاً رحباً. قال الله عز وجل: (أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أنقفالها) وقال سبحانه: (ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) وقال: (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، وقال: (لعلمهُ الذين يستنبطونه منهم).
وقال النبي –صلَّى الله لعيه وآله- (إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط) وكيف يمكن العرض ولا يفهم به شيء؟ وقال-صلَّى الله عليه وآله- : (القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه).
وقال أمير المؤمنين-عليه السلام-: (إلاَّ‍ أنْ يؤتي الله عبداً فهما في القرآن). وقال –عليه السلام-: (منْ فهم القرآن فسر جمل العلم).
أشار به إلى أ،ّ القرآن مشير إلى مجامع العلوم كلها، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. فالصواب أن يقال: من أخلص الانقياد لله ولرسوله- صلَّى الله عليه وآله-ولأهل البيت –عليهم السلام- وأخذ علمه منهم، وتتّبع آثارهم، وأطلّع على جملةٍ من أسرارهم، بحيث حصل له الرسوخ في العلم، والطمأنينة في المعرفة، وانفتح عينا قلبه، وهجم به العلم على حقائق الامور وباشر روح اليقين، واستلان ما استوعره المترفون، وأنس بما استوحش منه الجاهليون، وصحب الدنيا ببدنٍ روحه معلقه بالمحل الأعلى، فله أن يستفيد من القرآن بعض غرائبه، ويستنبط منه نبذاً من عجائبه، وليس ذلك من كرم الله تعالى بغريب، ولا من جوده بعجيب. فليست السعادة وقفاً على قومٍ دون آخرون، وقد عدوا-عليهم السلام- جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم كما قالوا: سلمان منا أهل البيت –عليهم السلام- فمن هذه صفتُه لا يبعد دخوله في الراسخين في العلم، العالمين بالتأويل، بل في قولهم: نحن الراسخون في العلم، كما دريت في المقدمة السابقة، فلا بدّ من تنزيل التفسير المنهي عنه على أحد وجهين:
الأول: أن يكون للمفسَّر في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه هواه ليحتجّ على تصحيح غرضه ومدَّعاه ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن على تصحيح بدعته، هو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبس به على خصمه، وتارة يكون مع الجهل. ولكن اذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويترجّح ذلك الجانب برأيه وهواه، فيكون قد فسر القرآن برأيه أي رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه.
وتارة قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلاً من القرآن ويستدلّ عليه بما يعلم أنه ما اريد به ذلك. كمن يدعو إلى الإستغفار فيستدلّ عليه بقوله-عليه السلام-: (تسحّروا فإن السحور بركة). ويوهم أنّ المراد به التسّحر بالذكر وهو يعلم أنّ به الأكل، وكالذي يدعوا إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعال: (اذهب إلى فرعون إنه طغى) ويشير إلى قلبه ويومئ إلى أنه المراد بفرعون. وهذا الجنس قد يستعمله بعض الوعاظ في المقاصد الصحيحة تحسيناً للكلام وترغيباً للمستمع وهو ممنوع منه.
وقد يستعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة لتغيير الناس ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعاً أنّه غير مراد به. فهذه الفنون احد وجهي المنع من التفسير بالرأي.
الوجه الثاني :أنْ يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيها من الالفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيها من الاقتصار والحذف والإضمار والتقديم والتاخير، وفيما يتعلّق بالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والرخص والعزائم، والمحكم والمتشابه، إلى غير ذلك من وجوه الآيات. فمن لم يحكم ظاهر التفسير ومعرفة وجوه الآيات المفتقرة إلى السماع وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسر الرأي. فالنقل والسماع لابد منه في ظاهر التفسير أولاً أن يتقي مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتّسع التفهّم والاستنباط، فإنّ ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لابد منها للفهم. وما لا بدّ فيه من سماع فنون كثيرة: منها ما كان مجملاً لا ينبئ ظاهرة عن المراد به مفصلاً مثل قوله سبحانه: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وآتوا حقه يوم حصاده) فانه يحتاج فيه إلى بيان النبي –صلَّى الله عليه وآله- بوحي من الله سبحانه فيبينّ تفصيل أعيان الصلوات وأعداد الركعات ومقادير النُصب في الزكاة وما تجب فيه من الأموال وما لا تجب، وأمثال ذلك كثيرة279.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب