فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
باء- السنة بين الاصول والفروع. وفيما يلي نذكر طائفة من النصوص تهدينا ال هذه الحقيقة. 1- نقرأ في نصوص متظافرة أن النبَي –صلَّى الله عليه وآله- علّم الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام- ألف باب من العلم ينفتح له من كل باب ألف باب. وفي بعضها أنه علّم باباً من العلم ينفتح له منه ألف باب، ومن كل باب ألف باب. لو تدبرنا في هذه النصوص أفلا تهدينا إلى انّ، منهج الدين ومنهج تعليمه من قبل الرسول-صلَّى الله عليه وآله- التدرّج من الأصول العامة إلى الفروع الجزئية. فأصلة التوحيد، وحينما يعي القلب حقائق التوحيد يشعّ نورها في سائر حقول المعرفة، وفي كل حقل يستضاء في معرفة مفرداته. لنتأمّل هذه النصوص معاً: عن ابن نباتة عن أمير المؤمنين- صلوات الله عليه – قال: (يا أيها الناس إن رسول الله-صلَّى الله عليه وآله- أسّر إليّ ألف حديث في كل حديث ألف باب، لكل باب ألف مفتاح)290. وجاء في حديث آخر: إن رسول الهل عّم عليا باباً يفت له ألف باب، كل باب يفتح له ألف باب)291. وفي حديث ثالث: عن الإمام الصادق-عليه السلام- قال سالم الراوي قال: قلت لأبي عبد الله: بلغنا ان رسول الله علم علياً ألف باب يفتح كل باب ألف باب. ألف باب)292. وحين نتساءل عن طبيعة هذه الأبواب، وكيف ينفتح من كل واحد الف باب للإمام، نحد الإجابة عن أهل البيت –عليهم السلام- حيث أشاروا الى بعض الأصول العامة وقالوا إنها من الأبواب التي ينفتح من كل باب منها ألف باب. حيث روي عن موسى بن بكير قال: قلت لأب عبد الله (الإمام الصادق) –عليه السالم-: (الرجل يغمى عليه اليوم أو اليومين أو أكثر من ذلك، كم صلواته؟ فقال: الا اخبركم بما ينتظم هذا وأشباهه؟ فقال: كلما غلب الله عليه من أمر (فإنه) أعذر لعبده). وزاد فيه غيره: قال أبو عبد الله –عليه السلام- : وهذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها ألف باب. هكذا نعرف أنّ هناك أصولاً عامة في افقه كان الأئمة –عليهم السلام- يعلمونها فقهاء شيعتهم ويشيرون لهم بأنه بابٌ لأحكام فرعية تترتب عليها! وفعلاً كان الفقهاء يستنبطون من هذه الأصول العامة الفتاوى الفرعية، كما نقرأ ذلك في الحديث التالي: عن الحسين بن محمد السباري قال: سأل ابن أبي ليلى (وكان من فقهاء المسلمين) محمد بن مسلم (وكان فقيهاً عظيماً من فقهاء الشيعة) فقال: (أي شيء تروون عن أبي جعفر (الإمام الباقر صلوات اله عليه) في المرأة لا يكون على رُكَبِها شعر، أيكون ذلك عيباً؟. فقلا له محمد بن مسلم: أما هذا نصاً فلا أعرفه، ولكن حدثني أبو جعفر –صلوات الله عليه- عن آبائه عليهم السلام عن النبي –صلَّى الله عليه وآله- أنه قال: (كلما كان في أصل الخلقة فزار أو نقص فهو عيب). فقال له ابن أبي ليلى: حسبك، ثم رجع. ألا ترى كيف علّم الإمام الباقر تلميذه محمد بن مسلم اصلاً عاماً لاستنباط الحكم الفرعي، فلما سأله فقيه آخر القى ذلك الأصل إليه فستفاد منه وعاد أدراجه. وعندما كان واحد من فقهاء الشيعة، يسأل الإمام عن حكم يأمره الإمام باستنباط ذلك من القرآن. فقد روي عن عبد الاعلى قال قلت لأبي عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على أصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟ قال: (يعرف هذا واشباهه من كتاب الله، قال الله عز وجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) امسح على المرارة293. ومعروف أن استنباط هذا الحكم من تلك الآية لا يتسنى لكل الناس بل لأولي الفقه والذر والاستنباط فحسب! ويبدو أنّ الرواية التالية توضح –بصورة كافية- هذه الحقيقة: وهي أن الإسلام أصول عامة، وفروع خاصة، وأنّ هناك فقهاء حفظوا الدين حين احتملوا علوم أهل البيت –عليهم السلام- ووفروا لمن بعدهم فرصة الاستنباط. فقد روي عن سليمان بن خالد الأقطع: قال سمعت أبا عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام) يقول: (ما أحد أحيانا ذكرنا وأحاديث أبي إلإ زرارة وأبو بصير المرادي ومحمد بن مسلم ويريد بن معوية، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا. هؤلاء حفاظ الدين، أمناء على حلاله وحرامه، هم السابقون إلينا في الدنيا والأخرة)294 فماذا يعني قوله: ما كان احد يستنبط هذ1؟ . أَوَليس يعني أنّ قوام الاستنباط من تلك الأحاديث التي حمَّلها الإمام الباقر كبار فقهاء شيعته؟. ولقد أشار الأئمة- عليهم السلام- إلى بعض تلك الأصول وأمروا الفقهاء للإستنباط منها، مثلاً في دم الحيض جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام- أَنَّ رسول الله –صلَّى الله عليه وآله- سنّ في الحيض ثلاث سنن بيّن كل مشكل لمن سمعها وفهمها حتى لا يدع لأحد مقالاً فيها بارأي. أما أحد السنن295..الحديث. وروي عن زرارة وأبي بصير عن الصادقين –عليهما السلام-: (إن علينا أنْ نلقي إليكم الأصول، وعليكم أن تفرعوا)296. وربما أرجعوا بعض الناس إلى الفقهاء من أصحابهم. فعندما يسأل اسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله (الإمام الصادق عليه السلام) عن المتعة؟ قال له الإمام: (ألقِ إلى مالك بن جريح فأسأله عنها، فإن عنده منها علماً (يقول إسماعي) فلقيته فأمليّ شيئاً كثيراً في استحلالها. وكان فيما يروي فيها ابن جريح أنه ليسل لها وقت ولا عدد. قال (اسماعيل) فأتيت بالكتاب أبا عبد الله –صلوات الله عليه- فقال: صدق. وأقرّ به)297. ولماذا أمر الأئمة –عليهم السلام- بالإهتمام بالدراية وليس مجرد رواية الحديث؟ أليس لا، المطلوب التفقّه في الدين واستنباط الأحكام من خلال الروايات بمعرفة النظائر والأشباه، والعام والخاص. والمطلق والمقيد، وأمثالها! جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام-: (اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فإنّا لا نعدّ الفقيه منهم فقهياً حتى يكون محدّثاً، فقيل له: أوَيَكُون المؤمن محدَّثاً؟ قال: يكون مفهَّماً (و) المفهّم محدّث..).298 ويبدو من هذا الحديث: أن دراية الروايات ومعرفتها معرفة حسنة هي التي تجعل الفقيه فقيهاً ، وقد ترفه إلى مستوى المحدث. وجاء في حديث شريف عن الإمام الصادق-عليه السلام- : (حيث تدريه خير من الف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا، وإن الكلمة منّأ لتنصرف على سبعين وجعاً لنا من جميعها المخرج)299. وقد كان حديث النبي –صلّى الله عليه وآله- -والأئمة عليهم السلام- بليغاً يراعي الظروف المختلفة، لذلك كانوا يحدِّثون الناس على قدر عقولهم وبمقدار وعيهم وحاجتهم ولذلك تعددت وجوه حديثهم وكانت على الزيادة والنقصان.. وإنما يقدر العالم الفقيه على استنباط الأحكام منها، لأنه عراف بوجوه الكلام، وما فيه من لحن القوم أو التوسعة. والنصوص التالية تشير إلى هذه الحقيقة: في الرواية المأثورة عن الإمام الصادق- عليه السلام- : (أنتم أفقه الناس، إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو ساء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب)300. وعنه –عليه السلام-: (إنّا لنتكلم بالكلمة لها سبعون وجهاً لنا من كلها المخرج)301. وعنه-عليه السلام-: (خبر تدريه خير من ألف ترويه، وإنّ لكل حقيقةٍ حقّاً، ولكن صوابٍ نوراً، ثم قال: إنّا واللهل، لا نعدّ الرجل من شيعتنا فقهياً حتى يلحن هل فيعرف اللحن)302. والدراية هي التي تجعل الفقيه عارفاً بلحن القول، ومعاريض الكلام، وما فيه من تورية-وهل أنه خاص بظرف معين أو شخص، إنه هو عام للجميع، وإن الحكم من المحدّدات أو المسّعات. وما إلى ذلك من وجوه يتعارف العقلاء عليها في محاوراتهم العامة. ومن خلال الروايات، نعرف أنّ حكم بيان الحديث على الوجوه المختلفة متعددة، وأبرزها هي التالية: (أولاً : ) تربية الناس على الالتزام بالمستحبات حتى يتعودوا عليها، ثم التوسعة على الضعيف والمريض ومن أشبه مما نتعرض له فيما يأتي ان شاء الله. (ثانيا: ) إخفاء الحكم عن غير أهله إمّا لعدم أهليته للحكم أو للتقية، ويظهر ذلك من النصوص التالية: (عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا عبيدة إياك وأصحاب الخصومات، والكذابين علينا فإنهم تركوا ما أمروا بعلمه وتكلفوا علم السماء. يا أبا عبيدة خالقوا الناس بأخلاقهم، وزايلوهم بأعمالهم إنا لا نعد الرجل فينا عقلا حتى يعرف لحن القول، ثم قرأ هذه الآية (ولتعرفنهم في لحن القول)303. من هذا الحديث يتبين، أن مزايلة الناس بأعمالهم تقتضي التكتم عنهم والتظاهر باتباع أخلاقهم وأعرافهم بينما يتمسك المؤمن بما فرض الله عليه من مر الحق.. وهذا يستدعي عدم بيان كل الحقائق أمامهم، وإنما الحديث بالكناية والتورية والمعاريض. وفي حديث آخر: عن أبي بصير عن الإمام الباقر-عليه السلام-: قال: قيل له وأنا عنده، إن سالم بن ابي حصة يروي عنك انك تتكلم على سبعين وجها لك منها المخرج، فقال: (ما يريد سالم مني؟ أيريد ان أجيء بالملائكة؟ فوالله ما جاء به النبيون. ولقد قال إبراهيم: بل فعله كبيرهم وما فعله كبيرهم وما كذب. ولقد قال يوسف أيها العير إنكم لسارقون، والله ما كانوا سرقوا وما كذب)304. وهكذا يتبين ان منهج الأنبياء في الحديث هو الذي اتبعه الأئمة وهو العدول عن مقتضى السياق إلى كلام آخر، أو الحديث بما يوهم غير ظاهره عند العامة ويعرف الخواص وجه الكلام. يقول العلامة الأصفهاني تعقيبا بعد نقل هذه الرواية: ظاهر للفقيه، أن الإمام أجاب بتورية الأنبياء، والإتكال على القرائن الخفية عن العامة الظاهرة لمن يفهم. فإن قوله- عليه السلام-بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم ان كانوا ينطقون، بعد قوله: أأنت فعلت هذا بآلهتنا (تورية)305 ولو قال: ما فعلته كما هو مقتضى المقام كان كذبا، وكذلك يوسف من أبيه-كما في الرواية- وكذلك قول إبراهيم إني سقيم ففي تفسير القمي إنما ويعرف خصوصية المقام306. وهكذا ينبغي التدبر في النصوص ودرايتها لمعرفة القرائن الخفية التي اعتدوا عليها لسبب أو آخر حتى لا يظهر كل مرادهم للعامة ويظهر لمن أوتي معارض كلامهم ومعرفة لحن القول فيه.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|