فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
جيم: السنة بين الفرض والتفويض
من الشريعة ما جاءت كتابا مفروضا، كوقت الجمعة حين تزول الشمس، ومنها التي فوضت الناس، أنبياء وأئمة أو من دونهم، وهي الموسعات التي تتدرج كما يلي: منها التي فوضت إلى النبي فكانت سنته الطاهرة.
أو فوضت إلى أئمة المسلمين الهداة.. بصفتهم العارفين بالقرآن والسنة، أو بصفتهم ولاة أمر المسلمين حقا.
أو فوضت إلى المكلف نفسه.
أما سنة النبي –صلى الله عليه وآله- فهي التي أمره الله به أو أدبه عليه، ثم فوض إليه أمره، فمنها واجب وحرام ومنها ندب أو أعافة، والأمثلة كثيرة مثلا ركعات الفائض قسمان: منها فرض الله وهي الركعتان الاوليان من كل صلاة (وهي أمر الله للرسول وان لم ينزل في الكتاب نصا)، بينما الركعة الثالثة في صلاة المغرب، والركعتان الاخريان في غيرها من سنة الرسول الواجبة. وكذلك الرجم للمحصنة من السنة الواجبة، وحرمة الكلب والمسكرات، من المنهيات المحرمة بسنة الرسول، أما المندوبات والمكروهات فهي كثيرة مذكورة في كتب الفقه.
وهذه السنن هي التي فوض الله أمرها إلى الرسول، ثم قال ربنا سبحانه: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)307.
وجاء في الحديث:
(إن الله أدب رسوله فأحسن تأديبه ثم فوض إليه دينه).
وكذلك الأئمة –عليهم السلام- قد فوض الله إليهم دينه. جاء في الزيارة الجامعة: (… وأمره إليكم)308.
وقال الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام-:
(إن رسول الله –صلى الله عليه وآله-أدبه الله وهو –عليه السلام- أدبني، وأنا أؤدب المؤمنين، وأورث الآداب المكرمين)309.
والسؤال: أي نوع من التفويض هذا الذي كان للأئمة.. هل هو تفويض دين الله تشريعا كما كان للرسول، أم انه مجرد تفويض ولائي هدفه تفسير الدين وتطبق بنوده على المؤمنين حسب الظروف المختلفة؟ يبدو من الحديث الثاني أن التفويض من نوع التأديب، بينما الحديث الأول يوحي بالشمول. إلا أنه لا يتناسب وإكمال الدين على عهد الرسول حيث يقول ربنا سبحانه:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا)310 وما نقل عن أهل البيت –عليهم السلام- أن كل علم يخرج منهم إلى الناس فإنما هو من عند الرسول.
وهكذا يمكن أن نقول: إن الله سبحانه هو الذي يشرع لعباده وحده ولا شريك له حيث يقول سبحانه:
(أم لهم شركاء شرعوا لهم م الدين ما لم يأذن به الله)311.
(فجعلتم منه حلالا وحراما الله أذن لكم أم على الله تفترون)312.
ولقد أذن ربنا لنبيه-صلى الله عليه وآله- الذي أدبه فأحسن تأديبه أن يسن من الشريعة ما ينفع الأمة لحكمة بالغة هو أعلم بها.. وربما ليرفعه عن الناس مقاما محمودا. ويؤتيه بعض جزائه في الدنيا بالذكر الحسن، والصلاة الدائمة.
والسنة النبوية لن تخرج من إطار القرآن الكريم.. ولن تخالف آياته أبدا..وإنما هي وحي م عند الله تصدق القرآن وتفسره. إلا أنها تطبيقات خارجية لأحكام الله العامة أمرنا الله بإتباعها، وقال:
(ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)313.
وكلن الأمر يختلف في أوصيائه، إذ إن التحديد الذي حددوا به عمومات الشريعة قسمان:
(ألف-) تفسير للكتاب والسنة، كما لو فسر حديث شريف معنى الصعيد أو حدود المرفق والكعب في قوله سبحانه: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين).
ومثل هذا التفسير ملزم لنا لانهم أعرف بالكتاب الذي نزل إلى بيوتهم، وكانوا هم المخاطبين به. ولعل الأحاديث التالية جاءت في هذا السياق: (فليذهب الحكم يمينا وشمالا فوالله لا يوجد العلم إلا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل)314.
(شرقا وغربا لن تجدا عملا صحيحا إلا شيئا يخرج من عندنا أهل البيت)315.
(أما إنه ليس عند أحد علم ولا حق ولا فتيا إلا شيء أخذ من علي بن أبي طالب –عليه السلام- وعنا أهل البيت، وما من قضاء يقضى به بحق وصواب إلا بدء ذلك ومفتاحه وسببه وعلمه من علي –عليه السلام-ومنا)316.
(باء: ) ما كان يتصل بالمتغيرات في حياة كل إمام، وهي كثيرة أبرزها: ما يتصل بتأديب الناس وتزكيتهم، أو يتعلق بإدارة شؤون الشيعة، أو يرتبط بالفتوى في الحوادث الواقعة، وأغلب هذا القسم يرجع أمره إلى الفقهاء من شيعتهم. فهم أعرف بمعاريض كلامهم وما فيه من لحن القول، أو تورية، أو مجاز، أو تقييد، أو اختصاص بزمانهم، باعتبارهم ولاة الأمر، ولذلك يجوز لهم الرجوع إلى جوامع العلم التي صدرت مهم دون الفتاوى أو الأوامر الخاصة..

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب