فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
دال: السنة بين الثوابت والمتغيرات
دعنا نتساءل عن الحكمة في النسخ الذي يقول عنه ربنا سبحانه: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)317.
ولماذا الاحاديث نسخت بعضها كما تناسخت الآيات؟.
الجواب: ان الحكمة الظاهرة للنسخ أمور:
الأول: ان الحكم كان محدودا بزمان بزوله وهدفه التمهيد لحكم آخر.. مثل قبلة الصلاة التي كانت إلى القدس فلما اقتضت الحكمة تغيرت إلى المسجد الحرام.
الثاني: إن الهدف من الحكم كان امرا طارئا، فلما انقضى عاد الحكم الأولي، مثل الصدقة التي أمر المسلمون باعطائها عند مناجاة رسول الله، ثم نسخ الأمر وقال ربنا سبحانه: (فذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فاقيموا الصلاة)318.
الثالث: تربية الناس وتأديبهم وأخذهم بالأشد حتى يستعدوا لما هو أخف.. مثل ان يكون الواحد م المسلمين يواجه عشرة م الكفار ثم خفف بواحد يواجه اثنين وقال سبحانه:
(إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين)319.
وكذلك الرفث في ليلة الصيام حيث كان حراما فحلله الله وقال سبحانه:
(أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم.. علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن)320.
ولعل حكم الصدقة بين يدي النجوى من هذا القبيل أيضا.
وحتى شدة الشرائع السابقة بالنسبة إلى الشريعة الإسلامية السمحاء قد تكون بحكمة.
تربية الناس على الأصعب لضمان استمرارهم في الأسهل.
ومن هنا قد يوجب ولي الأمر حكما راحجا في الأصل، حتى إذا تعود عليه الناس، رخص فيه مثل قيام الليل حيث عرف المسلمون من خلال آية المزمل: (قم الليل إلا قليلا) إنه واجب مفروض، ثم جاءت الرخصة.
والنصوص التي تدعو إلى المستحبات ظاهرة في الفرض، وعادة لا نفهم الرخصة من متنها، وإنما من دليل خارج عنها، مثل نص، أو إجماع، وذلك أشد بعثا وأبلغ اثرا. ولعل عدم بيان المائز بين أوامر العزيمة والرخصة لعامة الناس كان يهدف إنهاضهم للعمل به وحثهم على القيام بكل التعاليم واجبها ومندوبها.
أجل.. غن الأئمة –عليهم السلام- بينوا للفقهاء خاصة.. الفرق بين العزيمة والرخصة التي بينوها بقرائن خارجية!.
والحديث التالي قد يدل على هذه الحقيقة بين حقائق أخرى نستوضحها منه: عن كتاب عيون أخبار الرضا-عليه السلام مسندا عن أحمد بن الحسن الميثمي أنه سال الرضا-عليه السلام- يوما-وقد اجتمع عنده قوم من اصحابه وكانوا يتنازعون في حديثين مختلفين عن رسول الله-صلى الله عليه وآله- في الشيء الواحد؟ فقال عليه السلام:
(إن الله عزوجل حرم حراما، وأحل حلالا، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما احل (احله) الله أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها بين قائم بلا ناسخ نسخ ذلك، فذلك ما لا يسع الأخذ به، لان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن ليحرم ما احل الله، ولا ليحلل ما حرم الله، وال ليغير فرائض الله وأحكامه، كان في ذلك كله متبعا مسلما مؤديا عن الله، وذلك قول الله عزوجل: (ان تبع الا ما يوحى الي) فكان عليه السلام متبعا لله مؤديا عن الله ما أمر به من تبليغ الرسالة، قلت: فانه يرد عنكم الحديث في الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله، مما ليس في الكتاب وهو في السنة، ثم يرد خلافه؟ فقال: وكذلك قد نهى رسول الله عن أشياء نهي حرام فوافق في ذلك نهيه نهي الله تعالى: وأمر بأشياء فصار ذلك الأمر واجبا لازما تعدل فرائض الله تعالى فوافق في ذلك أمره أمر الله تعالى. فما جاء في النهي عن رسول الله صلى الله عليه وآله نهي حرام ثم جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك. وكذلك فيما أمر به لانه ما نرخص فيما لم يرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا نأمر بخلاف ما أمر رسول اله صلى الله عليه وآله، الا لعلة خوف ضرورة. وأما ان نستحل ما حرم رسول الله صلى الله عليه وآله، أو نحرم ما استحله رسول اله صلى اله عليه وآله فلا يكون ذلك ابدا لأنا تابعون لرسول الله صلى الله عليه وآله، مسلمون له كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله تابعا لأمر ربه عزوجل، مسلما له، وقال الله تعلى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن أشياء ليس نهي حرام (بل نهى) إعافة وكراهة، وأمر بأشياء ليس أمر فرض ولا واجب، بل أمر فضل ورجحان في الدين، ثم رخص في ذلك للمعلول وغير المعلول. فما كان عن رسول الله صلى الله عليه وآله نهي عن إعافة أو أمر فضل فذلك الذي يسع استعمال الرخص فيه إذا ورد عليكم عنا فيه الخبران باتفاق من يرويه في النهي ولا ينكره. وكان الخبران صحيحين معروفين بإتفاق الناقلة فيما يجب الأخذ بأحدهما، أو بهما جميعا، أو بايهما شئت واحببت موسع ذلك لك، لكن من باب التسليم لرسول الله صلى اله عليه وآله، والرد عليه والينا (وعلنيا) كان تارك ذلك من باب، وان العناد والإنكار وترك التسليم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شركا بالله العظيم. فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في الكتاب موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق كتاب الله، وما لم يكن في الكتاب، فاعرضوا على سنن النبي صلى الله عليه وآله، فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام مأمورا به عن رسول الله أمر الزام فاتبعوا ما وافق نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهية ثم كان الخبر الآخر خلافه، فذلك رخصة فيما عافه رسول الله وصلى الله عليه وآله وكرهه ولم يحرمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا، أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والإتباع والرد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبيت والوقوف وانتم مطالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا)321.
وهاذ الحديث يعتبر أصلا في هذا الباب بما يحتويه من مضامين عالية موافقة لسائر النصوص الشرعية ومقبولة عند العقل ومرتكزات المتشرعين! نستوحي منه عدة بصائر فيما وراء تلك البصائر التي سبقت في سائر النصوص:
(أولا: ) إن من الموسعات ما جاء فيه للمعلول وغير المعلول، الترخيص فيه هذا الترخيص يأتي عادة بأمر قانوني!.
(ثانيا: ) إن من الموساعات ما كان فيه تخيير بين أمرين يجوز الأخذ بهما أو باحدهما من باب التسليم!.
(ثالثا: ) إن أوامر الأئمة-عليهم السلام- لن تخالف أوامر الكتاب والسن، وإنما توافقهما كان أن تعاليم النبي –صلى الله عليه وآله- لن تخالف الكتاب، إنما هي تفسير له وتبيان وشرح، ولعل المخالفة وعدم المخالفة أعم من وجداننا ان نجده في الكتاب أو لا نجده لأننا لسنا في مستوى النبي –صلى الله عليه وآله- والأئمة من أهل بيته-صلوات الله عليهم- في فهم الكتاب واستنباط الأحكام منه. وبالتأكيد لم يترك كتاب ربنا سبحانه شيئا نحتاجه إلا وقد بينه لما لم نجده فيه خصوصا أو عموما يجده النبي وأهل بيته والراسخون في العلم من شيعتهم، فلا يجوز لنا رد شيء من كلامهم بمجرد عدم معرفتنا بموضعه وشاهده من كتاب الله. بلى، لو عرفنا بمخالفته لنس من الكتاب تركناه جانبا.
ولنضرب مثلا: لقد حدد الكتاب ما حرم علينا وقال سبحانه: (قل لا اجد في ما اوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا ان يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير..)322 وقد علمنا أن السنة حرمت الحشرات وهي غيرة موجودة في هذه الآية نصا، فهل يجوز ان نرد هذا التحريم رأسا؟ كلا لأن هناك آية قرآنية تقول: (ويحرم عليهم الخبائث)323 ونحن نحتمل ان تكون الحشرات من مصاديق الخبائث.. فتشملها الآية بعمومها.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب