فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
مشكلة الإنسان في المعرفة يتصور الرأي السائد في المنطق ان مشكلة الإنسان في العلم، هي مشكلة عقلية محضة، يمكن حلها بوضع قواعد لتنظيم عملية التفكير. الا ان الحقيقة: ان المشكلة هي مشكلة نفسية، قبل ان تكون عقلية، ولذلك فنحن بحاجة إلى معالجة النفس البشرية، قبل أن نضع قواعد لعقله، وتنظيم فكره. ومن هنا فإن علم النفس: لابد ان يدخل كطرف مباشر في المنطق كما يقول جون ديوي: (ان علم النفس ذاته فرع خاص، من فورع منهج البحث فهو-بصفة عامة- يتصل بنظرية البحث المنطقي، بنفس العلاقة التي يتصل بها علم الطبيعة، أو الكيمياء، ولكن-لما كان علم النفس أوثق اهتماما من سائر العلوم الاخرى، بالمركز الرئيسي الذي يصدر عنه اجراء البحث انشاء وتنفيذا –كان من الجائز ان يضيف إلى النظرية المنطقية، إضافات ليست في مقدور العلوم الاخرى، شريطة ان يستخدم أداة لخدمة المنطق، لا ان يكون سيفا له)324. وكما يقول هانز: (إن البحث عن نفسية الفلاسفة مشكلة، تستحق من الإنتباه أكثر مما يبديه الكتاب من الذين يعرضون تاريخ الفلسفة)325. السؤال الذي يرتسم امام العلماء: البحث عن جذر كل غريزة في نفس الإنسان وهل ان لكل واحدة منها جذرا مختلفا عن الأخرى، أم ان الغرائز تلتقي عند جذر واحد. إن النظر العميق يهدي إلى وحدة الغرائز من الناحية السيكولوجية، بمعنى أنها نابعة من جذر واحد، هو حب الذات، ورجاء الخير له والخشية عليه من الشر، بيد أن هذه الوحدة السيكولوجية لا تتنافى مع الإختلاف الفسيولوجي والبيولوجي لها، بل نستطيع ان نقول: إن كافة الشهوات تعود إلى غريزة واحدة، فهناك مثلا حب السيطرة، وطلب الشهوة والحياء من الناس، واتباع العظماء، واتباع الوالدين، والاقربين.. إنها تعود إلى ذات الغريزة الواحدة، إذ ما من عمل غريزي يقوم به البشر، الا بسبب اعتقاده، بانه يقوم بصورة مباشرة أو غير مباشرة بإشباع احدى غرائزه الأولية. فمثلا ابتاع السلطان، قد يكون طمعا في ماله مما يوفر بالتالي للفرد الطعام والجنس و..و.. قد يكون خوفا من عقابه، بمعنى ان عدم هذا الاّتباع يقضي عليه، بالحرمان من الغرائز، فاتباعه يوفر له ما كان يخشى ان يُحرم منه. فرجاء البلوغ للشهوات، لا يختلف كثيرا عن خوف حرمانها، انهما نابعان من مصدر واحد، هو حب الشهوات. وما من دافع نفسي، يمكن وراء عمل بشري، إلا ويعود-بعد حذف التفاصيل واستخلاص الجوهر من المظاهر-يعود إلى الخوف والرجاء، الخوف من حرمانه مما يملك، والرجاء في حصوله على مالا يملك، فمثلا: الطفل يتبع والديه خوفا من حرمانه إن عصاهم_من رزقهما وحمايتهما- ورجاء في المزيد من الرزق والحماية. والمرء يتبع جماعته خوف تفرده- لدى انفصاله عنهم- وبالتالي حرمانه من منافع الجماعة، ورجاء المزيد من ذلك!. والرجل يتبع نهج الصراع الطبقي ضد طبقة أخرى، خوفا من حرمانه من أكله وأمنه، ورجاء في الحصول على المزيد من إشباع الجوع وتوفير الأمن! والإنسان يسعى للرئاسة’ لأنه يجدها أنسب الطرق لحماية ما عنده، وحصول ما ليس عنده من الغرائز!! وحتى بعض الأعمال التي لا ننجد فيها الخوف والرجاء في الظاهر، نجدهما لدى البحث والتنقيب، فمثلا عبادة الأصنام، إذ البشر يتبع الأصنام لخوفه من عوامل الطبيعة، ورجاء في المزيد من الشهوات326. والانسان المسلم يطيع الله خوفا من سطواته التي تحرمه النعم ورجاء المزيد من بركاته وإذا جمعنا الخوف والرجاء في تعبير دقيق قلنا (حب الذات) وال نعني بحب الذات إلا حب الأشياء لها، والخشية عليها من الأشياء. وإذا فتشنا اللغة لنجد تعبيرا أدق، لما وجدناه إلا في كلمة (هوى النفس). لذلك كان الهوى (هوى النفس) هو الذي حمله القرآن الحكيم مسؤوليات الضلالة البشرية فقال الله بسبحانه: ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس)327. (فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا)328. (فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)329. (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)330. وفي الحديث عن الرسول_صلى الله عليه وآله_: (أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الامل وينسي الآخرة)331. وقدم سبق ان تحدثنا طويلا عن هذه الحقيقة. وفيما يلي نتحدث بإذن الله عن مدى علاقة حب الذات (هوى النفس) بجذور الخطأ النفسية.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|