فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الجذور النفسية للخطأ - الف: الحب
لا بد ان نشير مكررا إلى ان النفس البشرية تتنازعها طاقتا العقل والجهل. وان الجهل، طاقة ذاتية نابعة من طبيعة وجودنا الناقص. أما العقل، فهو هبة من الله القدير.
وان كل ما في النفس من حنين إلى المادة، وحب لها،ناشئة من طبيعتها الذاتية. والجذور النفسية التالية ان هي إلا مظاهر، وانعكاسات لهذه الطبيعة، وان فصل هذه المظاهر عن بعضها يتم بهدف التوضيح، ووضع النقاط على الحروف. وسوف نستعرض في البداية جذر كل خطأ وبعده نبين نتائجه، والجذور التي سوف نستعرضها ثلاثة: الحب، وفقد الثقة، والتسرع.
الف: الحب
ما هو الحب؟ انه انجذاب النفس إلى ويتدخل الحب في المعرفة سلبيا، وله جذر ونتائج، اما الجذر فانه يستقطب كل اهتمام النفس في بؤرة واحدة هي الحبيب ويحاول حمل صاحبه على صرف كل طاقاته فيه. والتفكير طاقة لا تشذ عن سائر الطاقات النفسية المنجذبة بعنف نحو الحبيب. والمعرفة بحاجة إلى التفكير، كي تصبح متكاملة وواضحة إذ ستصبح كل مصادر المعرفة –حتى الإحساس- غير مفيدة (علما) دون وعي وتفكير.
وإذ يصرف الحب فكر صاحبه نحو بؤرة الحب، بعيدا عن الواقع الموضوعي، لا تستطيع النفس ان تعي أو تفكر في الحقيقة. حتى يفقهها فتقع في الخطأ.
وحينما تقول (يصرف الحب) لا نقصد-بوجه- حتمية التصرف هذا، بل ليس إلا ضغط الجانب النفسي الذي يحدثه الحب على الإرادة، وتبقى النهاية الحاسمة، بيد الإنسان يختارها بحرية تامة، وهناك إما يرضح للحب أو يرفض الإستسلام.
النتائج:
1/ حب الذات
يتعصب الشر لأفكاره بدافع حب الذات، ويجادل عنها، ويستكبر دون معرفة ما يقابلها ودون الإنفتاح على ما سواها.
ويتعصب أيضا لك فكرة تكسبه نفعا، أو تدفع عنه ضران ويتلون بها حسب الظروف، وينغلق دون غيرها حتى ليعمي بصره.
ويغتر بجهله، ولا يذل نفسه-حسب ظنه- بالسؤال، أو البحث عن الحقيقة، أو التسليم لمن ينادي بها، لمجرد الظن بأن في ذلك منقصة لذاته، ذلك التي يحبها والى هذه الغريزة ترجع عوامل الحسد والحقد والعناد النفسية.
2/ اسلوب العرض
قد يستهوي الفرد أسلوب عرض الفكرة، فيحبها ويدافع عنها، وينغلق دون ما سواها.
وتأتي ظاهرة التداعي في الحب لربط الأسلوب بالفكرة، ذلك ان اسلوب العرض لا علاقة له لي الواقع بحقيقة الفكرة، والفكرة لا جمال فيها أو قبح الا بقدر ما فيها من نسبة الحقيقة، إلا ان التفكير المنهجي فقط هو الذي يحس بهذه المفارقة.
أما النفس فإنها، إذا أحبت شيئا أحبت كل ما يلابسها لظاهرة التداعي في الحب، تلك الظاهرة التي لا تكشفها لنا تجارب العلم وحدها، بل ووجدان كل منا أيضا!، فإنا نشعر بحب كل شيء يرتبط بما نحبه.
ومن هذه الزاوية تدخل الدعاية في حقل الثقافة البشرية، فتضيف عليها طابعها الواضح الكبير.
3/ حب الفكرة
قد تحب فكرة لانها لبست حلة قشيبة من الأسلوب الجذاب.. ولكن الظاهرة الأعجب منها- والاقل في ذات الوقت- هي:
أن تحب فكرة لانها تنسجم مع نفسية الفرد أو نفسة الأمة التي ينتمي اليها الفرد.
أ/ أما عن الإنسجام بين نفسية الفرد وإستهوائه لفكرة معينة، فقد بين التحليل النفسي لبض الفلاسفة ان هناك علاقة وثيقة بين (نفسية) الفيلسوف و (نوعية) فلسفته.
فمثلا: في موضوع (وحدة الوجود) قالت طائفة من الفلاسفة: ان كل شيء في الكون هو شيء واحد. بينما قالت طائفة أخرى إن الأشياء هي متعددة.. وليست وحدة واحدة.
وعند التحليل النفسي: كان ذلك الفيلسوف الذي يعتد بذاته ويفرط في الإيمان به، انه كن يرى العلام كأنه مظهر من مظاهر ذاته الواحدة، وبالتالي كان يتصور ان الأشياء جميعها شيء واحد لا أكثر (وحدة الوجود)، مثلا نيتشه الذي قال: كل شيء هو أنا، بينما كان الفيلسوف الذي لا يغالي في الشعور بذاته يعتقد بوجود الأشياء منفصلة عن ذاته وبالتالي يؤمن بأن، كل شيء وجدودا خاصا به وينفي –بذلك- وحدة الوجود.
ب- وقد تكون نفسية الفيلسوف أو المفكر أو الشاعر مرآة تعكس نفسية امة بكاملها، ويكون إنتاجه الفكري صدى لتلك النفسية المنتشرة بين أبناء الأمة كلها.
(من هنا ما يقوله العلماء الغربيون: ان الفيلسوفين (كانت) و (هيجل) يمثلان العقلية الألمانية، وان (ديكارت) و(فولتير) يمثلان العقلية الفرنسية، وان (لوك) و(بيرك) يمثلان العقلية البريطانية، وان (وليم جيمس) و(جون ديوي) يمثلان العقلية الأمريكية).
(هذه الفروق الفلسفية بين الأمم الأربع ليست في الواقع إلا صدى، وان كان صدى رفيع المستوى –لخصائص عقلية وخلقية- تتغلغل بنسب متفاوتة في جميع الطبقات من هذه الأمم وتميز احديهما عن الأخرى)332.
(فالمنطق الآلي والكمالي النظري الذي يتجلى في فلسفة (ديكارت) يتجاوب في تراجيديات (كورني) و(راسي) وفي الحماسة الملتهبة عند مفكري الثورة الفرنسية، كما يظهر –مرة أخرى- في مشروعات السلم غير العملية-وان كانت كاملة من الوجهة المنطقية- التي امتاز بها الساسة الفرنسيون في الفترة (ما بين الحربين العالميتين.
أما فلسفة (لوك) الإنجليزي فهي مظهر الشخصية الإنجليزية، كما تظهر (ذات الشخصية) في وثيقة (ماجناكاراتا)، وكما تظهر في التشريعات الإنجليزية المتميزة بصياغتها العملية الإجرائية).
(ونرى فلسفة (بيرك) تسعى إلى التوفيق بين ما تدعوا إليه الأخلاق وبين ما تقتضيه الظروف وتوجيه الملائمة السياسية، وهذا الطابع طابع العبقرية السياسية الإنجليزية يتكرر بروزه في سياسة توازن القوى التي تمسكوا بها طويلا وما زالوا عاكفين عليها)333.
4/ حب الآباء
إن حب الآباء يبعث الأبناء نحو تقليدهم، وهو واحد من العوامل الأخرى التي تدفعهم نحه، مثل احترامهم والخشية منهم على المصالح، وترسب أفكارهم منذ الطفولة.
5/ حب البيئة
والبيئة الإجتماعية والثقافية، تعتمد في تأثيرها على الحب أيضا، ذلك ان الإنسان يحب نظيره الإنسان بصورة فطرية، ويحب لذلك أفكار أقرب الناس إليه فالأقرب (الأصدقاء الأساتذة).
وليس الحب هنا إلا اضعف العوامل الباعثة على تقليد البيئة، فالأقوى تأثيرا: انما هو.. الخوف على المصالح، ثم الإنفتاح على أفكارها الجاهزة واحترامها احترامها احتراما يبعث على التقليد.
6/ حب السلف
إن حب السابقين من العماء والعظماء يبعث على اتباعهم والإتكال عليهم دون بحث جديد في أفكارهم لتقييمها ونبذ الأفكار الخاطئة منها.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب