فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
العوامل المنهجية للخطأ
1- لكي لا نحور المناهج
لا بد أن نضع المناهج السليمة ثم نبحث من خلالها على الحقائق، ولكن البعض يضع نصب عينه الحقائق، أو النظريات ثم يضع المناهج المناسبة لها. كلا.. إن على الباحث أن يجعل نفسه تلميذا في مدرسة المعرفة، فإذا نطقت الحقائق سكت، واستمع اليها. من هنا حذر بعض العلماء من تحوير النهج حسب النظرية التي اختارها الإنسان سلفا. يقول (كلود برنارد): (يجب عليه ألا يحرص على أفكاره السابقة إلا على إعتبار أنها وسيلة يتطلب بها جوابا من الطبيعة، ويجب عليه أن يخضع فكرته للطبيعة وأن يكون على استعداد لتركها أو تعديلها أو تغييرها تبعا لما ترشده إليه ملاحظة الظاهرة في آثارها)365.
وإنما يبلغ الباحث هذا المستوى الرفيع من المنهجية بالإخلاص لله في تعلم العلم ومعرفة مدى ثواب العالم المخلص.. حيث جاء في الحديث المأثور عن النبي –صلى الله عليه وآله-:
(أفضل العبادة الفقه)366.
(فضل العلم أحب إلى الله من فضل العبادة)367.
(من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طرقا إلى الجنة)368. وقال الإمام علي –عليه السلام-:
(تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه-لمن لا يعلمه-صدقة)369.
وحذر الإمام الصادق- عليه السلام- من الصفات التي تحول دون إخلاص العالم لعلمه والتي تؤثر سلبيا على نفسه العالم. فقال –عليه السلام-:
(الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة، وقلب الإيمان، ومن حرم الخشية لا يكون عالما، وإن شق الشعر في متشابهات العلم قال الله عزوجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)370.
وحد العلماء ثمانية أشياء: الطمع والبخل والرياء والعصبية حب المدح والخوض فيما لم يصلوا إلى حقيقته، والتكلف في تزيين الكلام بزوائد الألفاظ، وقلة الحياة من الله، والإفتخار وترك العمل بما علموا)371.
2- تحديد المشكلة
لنعرف أولا أي موضوع مجهول نبحث عنه وأية مشكلة علمية نسعى لحلها، هذا أمر أساسي في البحث العلمي، ويقول عنه بعضهم:
(لا تجلس أبدا إلى العمل دون خطة محدودة و (دون) تحديد كمية معينة من العلم (العلمي) لإنجازها)372.
ولعل هذه الحكمة المنهجية هي التي يسميها الرسول –صلى الله عليه وآله- (حسن المسألة) فيقول عنه:
(التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف العلم، والتقدير في النفقة نصف العيش)373.
3- البحث عن الممكن
في الحديث الذي نقلناه آنفا عن الإمام الصادق-عليه السلام- قرأنا أن واحدا من مشاكل العلماء: الخوض فيما لم يصلوا حقيقة. ويتحقق ذلك في الصور التالية:
(ألف-) أن يكون مستوى الباحث الشخصي دون العلم الذي يتكلفه. فطالب في الإبتدائية لا يجوز له البحث عن نظريات الفيزياء الذرية، وإن فعل لم يبلغ العلم بل وربما يشوش ذهنه أيضا.
ولعل الآية التالية تشير إلى ذلك.
(يا أيها الذي آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور رحيم، قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)374.
إن أولئك سألوا عن علم لم يبلغوا مستوى احتماله، فكفروا به.
وهكذا جاء في الأحاديث النهي عن تحميل الجهال الحكمة الإلهية وتقول: (لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم)375.
وجاء في حديث آخر: (إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم)376.
(باء-) قد يكون مستوى العلم البشري لما يبلغ موضوعة مجهولة، مثلا: علم البشر، اليوم لم يتمكن من تحديد وسيلة لمعرفة أعماق الفضاء الرحيب فلا يجوز التسرع في إعطاء أحكام معينة.
ولعل الحديث التالي يشير إلى ذلك:
(لا تبحث عما لم يكن ففي الذي كان لك شغل)377.
(جيم-) وقد يكون البحث عن أشياء أساسا عن إحاطة البشر فيقع الإنسان في سلسلة لا تنتهي من الأخطاء، بل قد يؤدي به ذلك إلى تعطيل الذهن كليا.
مثلا: التفكير في ذات العقل يسبب الخطأ في معرفته، وقد سبق الحديث عن ذلك.
كذلك التفكر في ذات الله يسبب الحيرة والزندقة، لأن عقل الإنسان لا يستطيع استيعاب كل مخلوقات الله فكيف بذات العزة؟ وقد جاء في الحديث الشريف.
(من نظر في ذات الله كيف هو هلك)378.
وجاء في حديث آخر:
(إياكم وأصاب الخصومات، والكذابين، فانهم ما أمروا بعلمه حتى تكلفوا علم السماء)379.
(دال-) وقد تكون القدرة البشرية كافية، وحتى قدرة الفرد العلمية ولكن وسائل البحث غير مكتملة، فيتسرع في الحكم كما يستعجل الفرج في اقتطاف الثمرة قبل نضجها. ويقول ربنا سبحانه:
(ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه)380.
4- تجنب الريب
ترى البعض يفقد الثقة بذاته فيستمر في الشك، ويبالغ في الحذر من الخطأ حتى يفرط فيه فلا يؤمن بشيء ابدا مثل السوفسطائيين وهذا بدوره خطأ منهجي جسيم.
إنما علينا إذا توفرت الشروط الموضوعية للقين أن ندع الإفتراضات البعيدة التي لا يعتني بها العقل ولا يعترف بها العقلاء أن ندعها جانبا ونتمسك باليقين.
بلى، إن الشك قد يتفق وهوى النفس البشرية مثل الشك في القيادة عندما تختلف معها، أو عندما تأمرنا بعمل صعب، أو الشك في الواجب الشرعي حينما يكون ذات صعوبة بالغة، من هنا جاء في الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين –عليه السلام-:
(لا تجعلوا عملكم جهلا، ويقينكم شكا، إذا علمتم فاعملوا، وإذا أيقنتم فأقدموا)381.
وروي عنه –عليه السلام-:
(لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا)382.
5- الاعتراف بكل المناهج
المناهج العقلية هي السبل التي يسلكها فكر الإنسان لبلوغ حقائق الخليقة، ولا يجوز أن نكفر بمنهج فنسد عن انفسنا بابا يؤدي إلى علم حقيقة، كلما لا يجوز لنا ان نجمد على مجموعة مناهج ونكفر بذلك العقل الذي عرفنا هذه المناهج.
أرأيت الذي لا يبصر بعينه، أولا يسمع بأذنه كيف يغلق بابا إلى عقله فتحه اله له، كذلك الذي يكفر-مثلا بالمنهج التجريبي أو المنهج التعقلي، فإنه يغلق مقل ذلك الباب.
ولأن حقائق الكون مختلفة، فإن المناهج المؤدية إليها متنوعة أيضا فبعضها تعرف عبر منهج دون آخر-كالرياضيات-لا تنفعها التجربة، وبعضها بالعكس مثل الكيمياء فإن منهج التجارب أقرب إليها. وأغلب الحقائق بحاجة إلى تلفيق المناهج ببعضها.
وهكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام-:
(أبى الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب، وجعل لكل سبب شرحا، وجعل لكي شرح مفتاحا، وجعل لكل مفتاح علما، وجعل لكل علم بابا ناطقا)383.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب