فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
2- معرفة الحوادث الواقعة
ومعرفة الزمان، والعرف والضرورات والحاجات هي محتوى الفتاوى التي تتصل بالحوادث الواقعة. ولذلك يحكم العقل بلزوم الإحاطة علما بها قبل إصدار أي فتوى.. لأن الفتوى هي الحكم الجزئي الذي يتركب من أمرين الأول: مصادر التشريع. الثاني: تحديد الموضوع. ولا يمكن تحديد الموضوع من دون معرفة المتغيرات، ببديهة الوجدان وشهادة العقل، وحكم الوحي الذي أمرنا بأن نحكم بالعرف في قوله سبحانه.
(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)388.
كما امرنا باستخراج الحكم من القرآن فقال سبحانه:
(واذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا هب ولو ردوه إلى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)389.
وواضح ان مثل هذه الأمور من شؤون السياسة والحرب ذات علاقة بالمتغيرات التي يحتاج علمها إلى العلم بالزمان والمكان والخصوصيات التي فيهما.
ثم إن حقائق الشريعة، ثابتة ومتطورة، وقد ذكر الوحي بالقسم الأول منها فعرفه الناس بنور عقولهم، واهتدوا إليه بحقائق ايمانهم، بينما أمر في القسم المتطور بالرجوع إلى أهل الذكر يستنبطونه من القسم الأول. ووضع لذلك شرعة ومنهجا.
وقد اختلط عند كثير من الباحثين أمر القسمين فتراهم يستصحبون ادلة القسم الثاني، للقسم الأول. حيث قال بعضهم بالقياس، وأضاف إليه البعض العرف والشرائع السابقة، والمصالح المرسلة، والإستحسان، وسد الذرائع. بينما هذه الادلة لا تكشف حكم الشرع، انما تحدد مجال تطبيقها. ولعل حجية الإجماع أيضا مخصوصة بهذه القسم إلا ما كان كاشفا عن حكم المعصومين بالضرورة.
ويبدو أن السبب في ذلك هو الإعتقاد بان أكثر احكام الشرع ثابتة لا تطور فيها. فلما أعوزهم الدليل على مفرداتها استعانوا بأدلة القسم الثاني فاختلط الأمر عليهم.. ولو أنهم ميزوا بين القسمين وعرفوا أن الثابت من الشريعة شيء قليل بالقياس إلى المتطور منها، لاستراحوا ولم يتكلفوا بإضافة أدلة لمعة ثوابت الشرع.
بلى، أصول الأدلة واحدة في القسمين، لأن محور الأدلة العقل، وهو الذي يهدينا إلى الشرع بعد أ، يستشيره الوحي، ولكن العقل لا يحكم بشيء لا علم له به. فلذلك يقسم الأشياء إلى قسمين: فمنها التي لا يحتاج العقل فيها إلى أكثر من مجرد التذكرة والإستشارة، مثل الإيمان بالله، وبرسله، وباليوم الآخر ومعرفة حسن العدل بينما أكثر الحقائق بحاجة إلى معرفة الظروف الخارجية للإفتاء بحكمها. فهل الله يرضى بالتصدي للرئاسة؟ بلى إن كنت من أهلها، وكلا إن لم تكن.
هل يرضى بأن يحكم بحسن التعاون بلى إن كان على البر والتقوى، وكلا إن كان على الإثم والعدوان.
هل الدين يأمر بالحرب؟ بلى إن كانت في سبيل الله، وكلا إن كانت بالعدوان. والسؤال: كيف نحدد الموضوعات الخارجية، وأن هذا الشخص يصلح للرئاسة وذلك لا يصلح، أو أن هذا الأمر بر وتقوى، وذاك إثم وعدوان، وأ، هذه الحرب في سبيل الله، وتلك في سبيل الطاغوت.
هنا ينبغي ان يستعين العقل بالعلم، فإذا كشف العلم أمر الموضوع جاء العقل المستنير بالشرع، ونطق بحكمه.
دعنا-إذا-نقسم الأحكام إلى ما هي مجال الشرع والعقل فقط، وما هي مجالها بالإضافة إلى العلم، ونسميها-اصطلاحا- بالأحكام العلمية.
في الأحكام العلمية قد نجد العلم الذي يكشف لنا الأمر بوضوح كامل.. تستريح إليه النفس وتمتلئ باليقين والسكينة، هنالك نعود إلى العلم راضين مرتاحين. وهذا يسمى بالرجوع إلى أهل الخبرة، لأنهم أهل العلم.
ولكن تحديد الموضوع بطريقة علمية ثابتة أمر نادر بينما أغلب الموضوعات الفقهية غامضة، فماذا نصنع فيها.
هنا ينبغي اتباع منهج العقلاء في معرف الحقائق لشادة العقل بأنها تقوم مقام العلم عند فقدانه أو تعسر الوصول إليه.
فإذا لم يجد العقلاء دليلا علميا يهديهم إلى طريقهم، سيهتدون-عادة- إلى أقوال المارة ويسألونهم أين الطريق حتى لو احتموا جهلهم أو تضليلهم.
ومن الطرق العقلائية في معرفة الحقائق:
اليد والبينة وأخبار الثقة واليقين السابق مما بينه الفقهاء في طرق الإثبات، ولا نريد الحديث فيها هنا.
ومنها: العرف وتجارب الآخرين.
والعرف حسبما عرفه البعض: ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، ويسمى العادة.390.
وقال البعض بالعوائد، فقال الشاطبي عنها391: (والعوائد) المتبدلة (اقسام) منها ما يكون متبدلا في العادة من حسن إلى قبح، وبالعس مثل كشف الرأس (للرجال) فانه يختلف، بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية (البلاد العربية الشرقية) غير قبيح في البلاد المغربية (المغرب العربي) فالحكم الشرعي يختلف بإختلاف ذلك (فيما يتصل بشرط المروءة في العدالة) فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح.
ومنها ما يختلف في التعبير في المقاصد فتنصرف العبارة عن معنى إلى (معنى في) عبارة أخرى: إلى ان قال: والحكم أيضا يتنزل على ما هو معتاد فيه، بالنسبة إلى من اعتاده دون من لم يعتده، وهذا المعنى يجري كثيرا في الإيمان والعقود والطلاق كناية وتصريحا.392.
ومنها ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني ان يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس أو إلى أجل كذا دون غيره. فالحكم أيضا جار على ذلك حسبما هو مسطور في كتب الفقه393.
ثم قال: واعلم ان ما جرى ذكره هنا من اختلاف الاحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة بإختلاف في اصل الخطاب، لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي، ثم قال: وإنما معنى الإختلاف ان العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى اصل شرعي يحكم به عليها394.
وهكذا يعتبر العرف حجة في امرين:
(الأول: ) عندما يتحول إلى سيرة عقلائية تورث اليقين بالحكم الشرعي والحجة هنا العقل، وليس العرف.
(الثاني: ) عندما يقوم بتحديد الموضوع (مناط الحكم) وذلك في المجلات التالية.
ألف: عندما ترك الشرع الحكم فيه للقيم دون أن يحدد حكما خاصا، مثل قوله سبحانه: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)395. ما هو الإحسان؟ ومتى؟ وكيف؟ إنها قضايا عقلية يحددها العرف العام.
وقوله سبحانه: (لق أرسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)396.
وقوله سبحانه: (اعدلوا هو أقرب للتقوى)397.
وقوله سبحانه: (وبالولدين إحسانا)398.
ما هو القسط؟ وما هو العدل؟ وما هو الإحسان؟ غنما العرف يحدد كل ذلك فيما يتصل بالقضية المحددة.. وليس هذا من باب تحديد معنى الكلمات اللغوي، لأن مثل هذه الكلمات واضحة، وانما لتحديد المصاديق الخارجية لها.
باء: فيما هو راجع إلى العرف ذاتا مثل المعاملات التي الاصل فيها تبادل المصالح، وتحديد مصالح الناس، وطريقة ضمانها، راجع إلى العرف إلا إذا جاء نص صريح بخلافه.
وقد دلت آيات كريمة على ذلك كقوله سبحانه:
(يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)399.
إذا فسرنا العقود-كما هو الظاهر- بكل عقد يجري بين الناس.
وقال سبحانه: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم)400.
(يا ايها الذين آمنوا لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض)401.
فالتجارة التي يتراضى الطرفان بها مقبولة شرعا ويعود أمرها إلى العرف لتحديد التراضي. والى ذلك يرجع: الشورى في السياسة.
جيم: فيما يرتبط بمعاني الكلمات، المفردة مثل كلمة الصعيد والاناء أو الهيئات المركبة والسياق ولطائف البلاغة والأمثلة وما أشبه، مما يعود إلى التفاهم حيث جاء القرآن بلسان عربي مبين، وتكلم الرسل مع الناس على قدر عقولهم.
فلا بد ان نرجع إلى الناس والى فهمهم العرفي في تحديد معنى الكلمات والتبادر الذي جعله علماء الأصول من أعظم شواهد المعنى واستخدام اللفظ فيه حقيقة. هو التبادر العرفي وليس الشخص لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وليست حالة فردية، خاصة بإنسان دون آخر402.
ومن أبعاد الرجوع إلى العرف الشورى، فإن حقيقة الشورى ليست استفتاء الناس في ثوابت الشريعة أو يجوز استفتاء الشعب في حرمة الخمر أو وجوب الفرائض؟ انما هي في المتغيرات كالحرب والسلم، ومناهج الاقتصاد مما يختلف عبر الظروف والعصور والأمصار، ولعل قوله سبحانه في صفة المؤمنين (وأمرهم شورى بينهم)403 يهدينا إلى أن الشورى تهم أمور المؤمنين وليس أمر الله.
وحتى في أمور الناس الشورى تنقل إلى القيادة الرشيدة، (الخبرة) التي تحدد (مجال الحكم) و(موضوع القرار)، والقيادة الفقهية تستلهم (الحكم) الإلهي في ثوابت الشريعة أي من القيم العامة ومن النصوص الخاصة، ويصدر الحكم وقضي بالفتوى.
ويبدوا أن هذه الثنائية بين رؤية الناس ورأي الدين، هي التي تحل أعقد لغز في القضية الدينية وايت جعلت النصارى يفصلون بينهما بقولهم مالله لله وما لقيصر لقيصر.
أما القرآن فيقول: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه)404، (لله الدين الخالص)405، ويقول: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين)406، وبالتدبر في هذه الآية يتبين أن العزم والقرار النهائي بيد القيادة، أما الشورى فيه تمهد للقرار، أو تسهل تنفيذه.
والرجوع إلى العرف ينسجم مع بصائر القرآن عن العقل، وأنه نور إلهي يؤتيه من يشاء، وعن الفطرة وأنها تتوافق ودين الله القويم.
وقد تواترت آيات الكتاب التي تأمر بالرجوع إلى العرف واتخاذه ميزانا، كما استفاضت الآيات التي تستشهد بعقول أولي الألباب وتحاكم الخصوم بهذا الميزان القويم.
دعنا نتدبر في كلام ربنا لعله يهدينا إلى سواء السبيل.
لقد أمرنا الله بان نأمر بالمعروف، وهو ما يراه عقلاء الناس معروفا. فقال سبحانه:
(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)407.
وعند الحديث عن الوصية المستحبة للأقربين ترك القرآن الأمر إلى المعرف أو إلى العرف، فقال سبحانه: (كتب عليكم إذا حضر احدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين)408.
كذلك عند بيان مهر بعض النساء ترك الأمر إلى العرف، وكيف يحدد مقدار المهر فقال سبحانه:
(ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين)409
كذلك عند بيان متاع المطلقات ومقداره أوكله إلى العرف، فقال سبحانه (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين)410.
وكذلك عند حكم المطلقة مرتين حيث اوجب التعامل معها بالمعروف، فقال تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)411.
وكذلك أمر معاشرة النساء بالمعروف فقال سبحانه:
(يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف)412.
وكذلك في التعامل مع الناس في مختلف شئون الحياة، أمر أن يكون بالمعروف فقال سبحانه:
(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء فإتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان)413.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب