فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
3- صفات الفقيه هل يستطيع كل مدع أن يبلغ مستوى تلقي أحكام الشريعة ؟ كلا، لأن نور الوحي –تماما-كنور العقل، موهبة إلهية لا يتلقاها الا القلب الشهيد والاذن الواعية، والنفس الزكية والروح النقية. يقول ربنا سبحانه: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين لينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)414. وهكذا كان الحذر من الله، المنبعث من إنذار الفقهاء هو الهدف الأسمى للتفقه في الدين مما يهدينا إلى أن الفقيه ليس كل من عرف دقائق الفروع. بل الذين يسموا إلى مستوى المنذرين، في خشية الله والإخلاص له. وقال ربنا سبحانه: (انما يخشى الله من عباده العلماء)415. وهكذا نعرف ان القلب القاسي لا يتلقى علم الرب. وقال سبحانه: (وليعلم الذين أتوا العلم انه الحق من ربك فيؤمنا به فتخبت له قلوبهم)416. وهكذا الإخبات يكون نتيجة العلم والإيمان، ومن دونه كيف يتفقه المرء في دين الله؟.. وإذا كان الهوى يضل الإنسان عن سبيل الله، فإن اتباع الحق يهديه باذن الله إلى نور المعرفة ولذلك نهى الله نبيه داود عن اتباع الهوى بعد أن جعله خليفة في الأرض وقال سبحانه: (يا داود انا جاعلك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)417. وقد بين الله سبحانه شروط العلماء الذين يحق لهم حكم المسلمين بكتاب الله التوراة) فقال سبحانه: (إنا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)418. فهناك اربعة شروط نستوحيها من هذه الآية الكريمة: كتاب الله والشهادة عليه، وخشية الله دون الناس، ومقاومة إغراءات المادة أو الزهد في ثروات المترفين وتحدي ضغوط الطغاة). ويبدو من آية كريمة ان الفقيه ليس سوى العالم بالله، المتبتل اليه، قال ربنا سبحانه: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هول يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)419. ويبقى العالم في حصن الله ما لم يتبع هواه، فإذا اتبع هواه انسلخ عنه، وكان (مثله كمثل الكلب) أو (كمثل الحمار يحمل اسفارا). قال الله سبحانه: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها.. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد إلى الارض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث)420. وقال عز من قائل: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين)421. إن شريعة الإسلام مستوحاة من معارف القرآن، وهي –بدورها- بجليات لنور معرفة الله، ومعرفة الله انما تعمر قلوب الخاشعين. كذلك قال الإمام الصادق-عليه السلام- فيما روي عنه: (فإن اردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم بإستعماله، واستفهم الله يفهمك)422. ولعل التعبير الشائع في روايات أهل البيت (العلم بالله) يدل على ذلك وأن العلم الحق هو الذي يكون بالإستعانة بالله. فقد روي عن النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- انه قال: (وأما علامة العلم فأربعة: العلم بالله، والعلم بمحبيه، والعلم بفرائضه، والحفظ لها حتى تؤدى)423. ويفسر حديث مأثور عن الإمام الصادق-عليه السلام- ذلك بالقول: (ان أعلم الناس بالله أخوفهم لله، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به ازهدهم فيها)424. وروبي عنه –عليه السلام-: (الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة، وقلب الإيمان، ومن حرم الخشية، لا يكون عالما)425. ومن أبرز حقائق العلم بالله الزهد في الدنيا، لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة وهو حجاب كثيف بين القلب وحقائق المعرفة. وهكذا روي عن الإمام الصادق-عليه السلام-. (من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأ،طق بها لسانه وبصره عيوب الدنيا، داءها ودواءها، وأخرجه الله من الدنيا إلى دار السلام)426. وروي عن المسيح عليه السلام قوله: (وكذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات، ويدنسها الطمع، ويقسيها النعيم، فسوف تكون أوعية للحكمة)427. وروي عن الإمام الصادق-عليه السلام-: (لا يكون الرجل فقيها حتى لا يبالي أي ثوبيه ابتذل، وبما ساد فورة الجوع)428. الفقيه الذي تشع الحكمة من مشكاة قلبه هو الذي أيقن بأن القرآن كتاب ربه، فاطمئنت نفسه به، ورغبت عما سواه، واستوقفت بينه وبين كتاب ربه عرى الحب والاحترام. روي عن الإمام أمير المؤمنين-عليه السلام-. ألا أخبركم بالفقيه حقا؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره)429 وإذا بلغ الفقيه هذه الدرجة جرت ينابيع الحكمة في قلبه وألهمه الله سبحانه الحق في الأمور.. روي عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: (اعرفوا منازل شيعتنا بقرد ما يحسنون من رواياتهم عنا، فانا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا، فقيل له: أو يكنون المؤمن محدقا؟ قال: يكون مفهما (و) المفهم المحدث)430.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|