فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل الثالث: الامارات أو المناهج العرفية
ما هي الامارات؟ عندما يبين الفقهاء حجية الظواهر- ظواهر الكتاب بالذات- تراهم يستشهدون على ذلك بانها من الطرق العقلائية في التفاهم. مثلا يقول العلامة محمد تقي الحكيم: (حجية الظواهر: وهي اوضح من ان يطال فيها الحديث ما دام البشر في جميع لغاته قد جرى على الأخذ بظواهر الكلام، وترتيب آثارها، ولوازمها عليها، بل لو أمكن ان يتخلى عنها لما استفهام له التفاهم بحال.. لان ما كان نصا في مدلوله مما ينتظم في كلام لا يشكل الا اقل القليل. وبالضرورة ان عصر النبي –صلى الله عليه وآله- ما كان بدعا مهن العصور لينفرد به النسا في اساليب تفاهمهم بنوع خاص من التفاهم لا يعتمد الظهور ركيزة من ركائزه، وما كان للنبي طريقة خاصة في التفاهم انفرد به من معاصريه، وإلا لكانت احدوثة التاريخ، فالقطع بإقرار النبي لطريقتهم في التفاهم كاف في إثبات حجية الظواهر)431. وحينما يستدل الفقهاء على حجية الاستصحاب تراهم يعتمدون مرة أخرى على بناء العقلاء، فيقول العلامة المظفر (قدس سره) في ذلك (لا شك في ان العقلاء من الناس على اختلاف مشاربهم وأذواقهم جرت سيرتهم في عملهم وتبانوا في سلوكهم العملي على الاخذ بالمتيقن السابق عند الشك اللاحق في بقائه. وعلى ذلك قامت معايش العباد، ولولا ذلك لاختل النظام الاجتماعي ولما قامت لهم سوق وتجارة)432. وفي معرض حديثه عن حجية الخبر الواحد يقول: (انه من المعلوم قطعا الذي لا يعترية الريب استقرار بناء العقلاء، طرا واتفاق سيرتهم العملية على اختلاف مشاربهم واذواقهم على الاخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنون إلى صدقه ويأمنون إلى كذبه. وعلى اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات. وهذه السيرة العملية تجارة حتى في الاوامر الصادرة من ملوكهم وحكامهم وذوي الأمر منهم)433. ويقول العلامة الأصفهاني عند بيان حجية اليقين (وهو عنده غير العلم): (لما كان احتمال الخلاف غير موجود عند وانجده، ولا يرى نفسه إلا مصيبا كان حجة بالفطرة العقلائية، إذا كان حاصلا عن الاسباب العقلائية طابق الواقع أو خالف فإن العقلاء يجرون عليه ويحرزون به الواقع، وهو –بعد العقل والعلم المعروف بالفطرة- لك احد، احكم الطرق العقلائية واتقنها إذا كان عن منشأ عقلائي، بخلاف ما إذا كان ناشئنا عن منشأ غير عقلائي، فانه لا حجية له عندهم، ويذمون من جرى على طبقه، ولهذا يلومون الوسواسين والقطاعين في الجري على طبق يقينهم)434. وحكي عن العلامة النائيني انه قال في مقام الحديث عن حجية الامارات ورد بعض المناقشات فيها قال: (هذا الإشكال على تقدير تسليمه، انما يختص بخصوص ما إذا جعل الشارع حجية امارة ابتداء، وهذا فرض غير واقع في الشريعة. واما إذا كان جعله عبارة عن امضائه لما جعله العقلاء حجية معتبرة عندهم في عرض الطرق العليمة لما يرون ان اصابته للواقع ليس بأقل من اصابتها)435. وقال بمناسبة أخرى: (واذا كانت الطرق المجهولة طرقا عقلائية ولم يكن للشارع بالإضافة اليها تصرف الا امضاؤها، فلا بد وان يكون المجعول محض صفة الطريقية والمحرزية، ضرورة أن جعل الأحكام التكليفية في موارد تلك الطرق غير محتمل من العقلاء بالكلية، بل شأنهم إنما هو إلغاء احتمال الخلاف الموجود في موارد تلك الطرق وجعله كالمعدم، والمعاملة معها معاملة الطرق العلمية)436. وهكذا نجدهم –رضوان الله عليهم- يجعلون الطرق العقلائية اصلا في حجي الامارة، فما هي الطرق العقلائية وكيف اصبحت حجة، واذا عرفنا حجيتها افلا ينبغي لنا ان نعمدها في كل المجالات وكيف؟ نعود- للإجابة عن هذه المسألة- إلى البصائر التي سبقت الإشارة اليها، وابرزها ان حكمة ابتعاث الرسل تتمثل في إثارة عقل الإنسان وتنوير ركائز وجدانه، وتذكره بما نسي من فطرته لم يكن الشرع بديلا عن العقل، بل مكملا له. وكذلك بالنسبة إلى العقلاء وأعرافهم الحميدة، ومناهجهم الرشيدة، فلم يأت الشرع لإنكارها، بل لتزكيتها وتنمية الجوانب الإيجابية فيها. لذلك فانه أمر بالعرف، واستشهد بوجدان ذوي الألباب. ولم نفهم من عقولنا أن مراد الشرع منا أكثر من تحري أوامره ونواهيه بالسبل العرفية التي يجري عليها العقثلاء وهكذا نعرف- من وجدان عقولنا-أن من تحرى عن أحكام دينه بهذه السبل فهو قد أبرأ ذمته، وأدى واجبه. فمن سمع من ثقة خبرا، ولم كن هناك ما يدعو إلى الريب في كلامه عرفا فلم يعمد به كان عند العقلاء ملموما وغير معذور، وعكسه صحيح أيضا: فلو عمل بكلامه برئت ذمته، وقبلت حجته، وهكذا فإن أدلة الإشتغال أو البراءة، هي الأخرى محمولة حسب الفهم العرفي ايضا، واذا لا دليل على اشتغال ذمة المكلف بأكثر من القدر العرفي فيكفي فيه البراءة بذات الطريقة. ولما استقرأنا سبل الشرع في إبلاغ أحكامه، لم نجده يشذ عن تلك السبل العقلائية، بل أمضاها وأكد عليها في مناسبات شتى فعلمنا من استقرائها جميعا، علم اليقين بأنه مضى على نهجهم، وأمضى سننهم، ولم يبتدع نهجا جديدا ولا ارتدع عن نهج ارتضاه العقلاء في تعاملهم مع بعضهم. بلى نجد الشريعة تنهى عن القياس في الدين، وعن الأخذ بقول الفاسق، وعن اتباع الهوى، وعن اتباع اصحابه، مما نعرف –بعد النظر وبعد تذكرة الشارع المقدس- نعرف أنها ليست من السبل الرشيدة عند العقلاء، فقد يقيس البعض في أمور تافهة ولكنهم لا يستعملون القياس مثلا في الأمراض الخطيرة، وفي الحروب، أو في مصالحهم العامة، وكذلك لا يأبهون بخبر الفاسق الكاذب أو صاحب الهوى في قضاياهم الرئيسية. وبما ان الدين هو من اهم قضايا البشر لم يجز القياس فيه، أو قبول خبر الفاسق أو ما اشبه. على ان القياس يجوز فيما يبلغه عقل الإنسان اما فيما سواه فلا تجد عاقلا يرتضيه. وصفوة القول: ان العقل يحكم بأن، الشرع المقدس يعتمد في إبلاغ أحكامه على السبل العقلائية، لأن تلك السبل مما يعتبر سبيلا-عند العقل-إلى المرادات.. ونصوص العمل بالعرف المعروف، وأوامر التعقل والتذكر، والتيقن في الأمور، وما أشبه، شواهد على هذه الحقيقة، قال الله سبحانه: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)437. (يا أيها الذين آمنوا إ جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)438. حيث إن التبين ليس أكثر من التحري عن الحقيقة بالسبل العقلائية.. وقال سبحانه: (شهادة بينكم إذا حضر احدكم الموت حين الوصةي اثنان ذوا عدل منكم)439 (يا أيها الذي آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)440. حيث ان شهادة العدلين، أو عدل خبير، أو شهادة الكتابة، كل ذلك من السبل العقلائية التي تورث الطمأنينة في النفس.. وقال سبحانه: (ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)441. حيث تدل الآية على تصديق قول المؤمنين. وهناك آيات كثيرة تنعت المكذبين بأسوار النعوت، مما يشمل ايضا الذي يكذبون بالحقائق التي تبلغهم حسب السبل العقلائية. قال سبحانه: (أم لم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه)442. وقال تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه)443 والآية التي تأمرنا بإتباع احسن القول بعد الإستماع، اليه، تشهد ابن على الإنسان ان يعمل عقله ويتحرى بالسبل المعروفة حتى يصل إلى الحقيقة قال الله تعالى: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب)444.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|