فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
بصائر في المناهج العرفية
ومما سبق يستبين لنا الحقائق التالية:
(أولا: ) إذا امكن للانسان أن يبلغ العلم اليقين بالمناهج التي تحدثنا عنها في بحوثنا السابقة، بلا حرج أو مشقة، فعليه ألا يكتفي بالسبل العقلائية غير العلمية. إلا إذا جاء تصريح من لدن الشارع بجواز ذلك تسهيلا للناس، وأكثر الإمارات تدل على صحة الإعتماد عليها حتى عند امكانية الحصول على العلم مع حث وتحريض على تعلم العلم.
(ثانيا: ) إن كل سبيل اعتبره العقلاء وسيلة للتعرف على الحقيقة، واورث الطمأنينة لكل إنسان معتدل الرؤية،.. كفاه والفرق بينه وبين العمل بالظن عموما في امرين:
(الأول: ) في ان مرادنا من الطمأنينة) ما يلغي العقلاء الاحتمال المضاد بينما مرادهم من الظن مطلق الرحان في جانب ولو كان بنسبة 51% والواقع ان هذا المقدار من الظن لا يكفي عند العقلاء.
(الثاني: ) ان المعيار عندنا ليس الطمأنينة عند الشخص، بل لا بد ان تكون بحيث يبعث الطمأنينة، في نفس كل إنسان لو كان في ظروف هذا الشخص.
والفرق واضح بين الأمرين: فإذا قلنا بحجية كل ظن شخصي كان علينا الإلتزام بحجية الظنون الآتية من مصادر غير عقلائية، مثل الجفر والرمل والرؤيا، وخبر غير الثقة والقياس وما أشبه، ولا دليل على صحة مثل هذه الظنون أبدا.
بينما إذا قلنا بحجية الطرق التي تورث الطمأنينة عند العقلاء فإن أمثال تلك الظنون تستثني بالطبع! ويكون الدليل على صحة الإعتماد عليها حكم العقل بإعتماد الشرع على سيرة العقلاء في محاوراتهم وطرق الإثبات عندهم.
(ثالثا: ) لأن الإمارات العقلائية تعتمد على أساس سيرة العقلاء وسنتهم، فإن هناك استثناءات معينة عليها مثلا: ليس كل خبر حكاه الثقة حجة، فإذا كانت القضية من النوع الذي تحتاج إلى أكثر من ثقة واحدة كالأخبار بوقوع حرب عظيمة ونحن لم تردنا اخبار أخرى بها، فإن العقلاء لا يعتمدون كلام الثقة في مثل هذا المورد، لان هذه القضية مما لو كانت لبانت لكثير من الناس فبعد أخبار غيره نشك في أخباره.. ولعل امره الهلال من هذا النوع أن لو رآه واحد لرآه خمسون، فلو أخبرنا الثقة به ثم لم يصدقه الآخرون لا يحصل للعقلاء طمأنينة كافية بإخبار الثقة به.
وكذلك في الإجماع حجة إذا كشف عرفا عن حكم المعصوم، كما إذا كان الاجماع في موضوع مبتلى به، وكان الإجماع من لدن قدماء الاصحاب، ولم كن هناك احتمال عقلائي قوي بان يكون منشأ الإجماع حالة نفسية- مثل الغو في الدين، أو التقصير في امره- مثل هذا الاجماع حجة، لماذا؟ لأنه يورث طمأنينة عند العقلاء وهي تعتبر حجة عقلية..
أما الإجماع الذي لا يرقى إلى هذا المستوى، فانه ليس بحجة.
وكذلك امارات الإثبات مثل اليد فهي حجة عرفا فيما لو اورثت الطمأنينة عند العقلاء، اما لو لم تفعل ذلك مثلما لو كانت الأيادي الظالمة كثيرة فإن الثقة بها مفقودة وتسقط-بالتالي- عن حالة الحجية عند العقلاء.
وهكذا الاصول فالاستصحاب حجة عند العقلاء عندما يكون احتمالا استمرار الشيء قويا. اما عند قوة الإحتمال المعاكس فإن حجيته مشكوكة مثلا.. لو دخل أحد بلدا فرآه على هيئة ثم –بعد غيبة خمسين سنة عنها- عاد اليها ثانية فإن بقاء ذات الهيئة في مثل الحياة الحاضرة بعيد، وعليه فاستصحابه لا يكون حجة..
(رابعا: ) وفيما يتصل الحكم بإستنباط الحكم الشرعي من الأدلة التفصيلية، التي تعتمد على الإستلهام من الأدلة التي تهدينا إلى الحكم الشرعي. فإن تراكم الأدلة والشواهد والمؤيدات إذا بلغ حدا كافيا لطمأنينة النفس عند أغلب الناس يكفي حجة شرعية.. ولا يجز الإنتطار حتى يحصل المستنبط على دليل قاطع واحد مما ذكر في الأصول. فقد يكون اجتماع الشواهد والمؤيدات عنده يعطيه طمأنينة كافية بينما مفردات هذه الشواهد لا تعطيه مثل ذلك.
(خامسا: ) ينبغي ألا يلاحظ المستنبط في استفادته الحكم وضعه عند الإحتجاج على غيره فإن الإنسان قد يقتنع بفكره بشواهد معينة ولا يستطيع إقناع الآخر بها أما بسبب ضعف مستوى ذاك أو عدم القدرة على البيان عند هذا..
ولا ريب أن من أسباب الخطأ تحديد الفكر في قالب أفكار الآخرين، ولعل هذا هو الحكمة من تحريم المراء في الدين وانه يسبب الشك.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب