فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الباب الاول: بحوث تمهيدية
1 / لماذا وكيف نبحث القيم؟؟ لم اجد في كتاب الله المجيد حكماً شرعياً؛ ولا وصية الهية، الّا وقد قرنا بالغاية التشريعية منهما بتعبير «لعلكم» او كلمة اللام او لكيلا أو ما اشبه. لنتلوا معاً قول الله سبحانه: «اعبدوا ربكم الذي خلقكم، والذين من قبلكم، لعلكم تتقون»1. «ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب، لعكم تتقون»2. «فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون»3. «فتيمّموا صعيداً طيباً، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم، لعكم تشكرون»4. «الرجال قوامون على النساء، بما فضّل بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من اموالهم»5 «واذا قرئ القرآن فاستمعوا له، وأنصتوا لعلكم ترحمون»6. «وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة واطيعوا الرسول، لعلكم ترحمون»7. وكذلك نجد السنَة الشريفة تبين ـ عادة ـ حكمة الوصايا والشرائع. مما يثير فينا السؤال التالي: ما هي علل الاحكام. وحكمة الشرائع الالهية؟. وحين نقارن الاحكام بالقوانين الوضعية نجدها ـ هي الاخرى ـ تهدف تحقيق غايات يتصورها المشرع ويبينّها ـ عادة ـ في التشريع سواء في مقدمة الدستور أو في مواد القانون إستناداً الى بنود الدستور. وعند البحث عن الغايات نجدها متنوعة، وربما تختلف فيما بينها وتتعارض. مما يجعلنا نبحث عن الغاية الأسمى فيما بينها، أو عن سلّم الاولويات بينها. وقد يثير فينا سؤالاً من نوع آخر: هل هذه الغايات مطلوبة بصورة انفرادية (كل واحدة غاية بذاتها) أم هي تعود جميعاً الى غاية واحدة، أو عدة مفردات محدودة من الغايات، تعتبر الاصل. وكذلك في الشريعة نتساءل ما هي غاية الغايات. وذروة القيم التشريعية؟ ويقودنا سير البحث الى سؤال عريض آخر: اذا كانت الشريعة الاسلامية تهدف بناء مجتمع أمثل فما هو الهدف العام لهذا المجتمع. بتعبير آخر: كيف نتصور الاطار العام للمجتمع الاسلامي، والروح التي يجب ان تسوده؟ وهنا يتخذ البحث منحنى جيداً ويصبح أوسع وأهم. لانه يتناول وضع المجتمع ـ ككل ـ بما فيه الجانب القانوني والحقول التربوية والاخلاقية والعرف والعادة وما الى ذلك. وهكذا يهدينا البحث الى القضية الاهم التي تتسع وتتسع حتى تشمل كل ابعاد حياة الانسان وهي القضية الفلسفية التي تطرح الأسئلة الكبرى: من هو الانسان؟ وما هو سر وجوده في هذه الدنيا؟ وما هو هدف حياته؟ وما هو مصيره؟ وكيف يعيش عيشة فاضلة راضية؟ هذه الاسئلة التي تشكل الاجابة عنها حقيقة الدين، كما يعتبرها الفلاسفة من اختصاصهم حيث يسمونها بالحكمة. وهكذا يتدرج البحث عن الهدف الاسمى (أو القيمة الحياتية) عبر ثلاث مراحل: الف ـ البحث الفلسفي العام. حيث يناقشون الحقائق الكبرى مثل اصل الحياة وهدفها. وعلى صعيد التأمل الديني نجد هذا البحث في بحث العقائد أو (علم الكلام). باء ـ البحث الاجتماعي الشامل (وليس علم الاجتماع حسب المصطلح الحديث) حيث يهتم الفلاسفة ـ أيضاً ـ بهذا البحث في حقل التأملات الاخلاقية أو ما يسمونه بالحكمة العملية. كما يتناوله علماء التاريخ والاجتماع والتربية في مقدمة بحوثهم في حقل فلسفة تلك العلوم (فلسفة التاريخ ـ فلسفة الاجتماع ـ أو فلسفة التربية أو ما اشبه). جيم ـ البحث القانوني (التشريعي) حيث انه هو الآخر بحاجة الى معرفة فلسفته ولا تعني فلسفة القانون الّا تلك القيم والاهداف التي ينشدها القانون، كذلك (في الدارسة الدينية) حكمة الشريعة (او علل الاحكام) هي البحث عن تلك الغايات والقيم التي تنشدها. هذه المستويات الثلاث من البحث هي ـ في الواقع ـ هدف الجزء الثالث من هذا الكتاب حيث انه يجمع في الحقيقة: بين البحث الفلسفي (وبالذات في حقل التأملات الاخلاقية وما يسمى بالفلسفة العملية) والبحث الاجتماعي (في ظل فلسفة الاجتماع والبحث القانوني (في حقل فلسفة القانون). اما من زاوية البحث الديني فانه لا يتجزأ اذ الدين، وبالذات الدين الاسلامي الحنيف، بناء متكامل ابتداءً من اصول الدين (العقائد أو الفلسفة العامة) والتعاليم الاخلاقية (الفلسفة العملية)، وانتهاءً بالحكمة (علل الشرائع او فلسفة القانون). ويجد الباحث بعض الصعوبة في دمج هذه الحقول ببعضها واستخلاص نتائج واحدة منها خصوصاً بعد الفصل القسري بينها من قبل دارسي الشريعة. مما جعل الوصايا الاخلاقية كأنها لا تتصل بالفقه. اما العقائد فقد غدت عندهم نظريات فارغة عن محتواها الحضاري. كما جعل الاحكام وكأنها بلا اهداف سامية وقيم مقدسة. وحتى العلل المنصوصة في الشريعة (وما اكثرها) فقد قيل بأنها مجرد (حكم) وانها لا تصلح للاستدالال الفقهي. بينما الحق: ان العقائد لم تذكر في القرآن والسنّة بعيدة عن الاخلاق والفقه، ولا ذكرت الاخلاق بعيدة عن الفقه، ولا الفقه بعيداً عنهما، فكيف نفصلها عن بعضها وهي لا تنفصل حتى بسكين القصاب!! ولعل هذا هو سر تأكيد النصوص عليها لانها اصل سائر المعارف الالهية. فحين يذكرنا القرآن المجيد بحقائق التوحيد (الله تعالى واسماءه وآياته) يجعلها ينبوعاً للقيم الحياتية والوصايا الاخلاقية حسبما نستعرضها لاحقاً انشاء الله. كذلك حين يُذكّر الكتاب الكريم، بالنشور يجعله في إطار بيان حكمة الحياة من الابتلاء والثواب والعقاب. وبالتالي يقوم بتعميق وعي الحقائق الكبرى عند المؤمنين. وحسبما يقول الدريني: الحقيقة الدينية في الاسلام، وان انطلقت من العقيدة كأساس لها، غير ان هذه الحقيقة ليست عنصراً روحياً محضاً، بل يتسع مفهومها وبصفة اساسية، يشمل مبادئ التكاليف، والغاية القصوى المحددة منها، بحيث جعلت كافة وجوه النشاط الحيوي للانسان يؤول الى ان يكون عبادة وفي مقدمتها النشاط السياسي 8. وكذلك حين تدرس الوصايا الاخلاقية للرسول الاكرم ـ صلّي الله عليه وآله وسلم ـ واهل بيته الطاهرين ـ عليهم السلام ـ نجدها حافلة بالقيم السامية المستوحاة من العقائد كما نجدها تذكرنا بالاحكام الفقهية. فهل نعتبر هذا المنهج (الذي سار عليه النبي والأئمة عليه وعليهم السلام) 9 خاطئاً بينما نعتبر منهج الفصل بين العقائد والاخلاق وبينهما والفقه، أو الفصل بين الكتاب والسنة هو الصحيح؟! كلا. ان العودة الى واقع المنهج الشامل هي الضمانة الأكيدة لفقه الشرائع والاحكام الدينية وبالذات في الحوادث الواقعة، والقضايا المتجددة. ولا ريب ان القضايا المستحدثة اصبحت اليوم تشكل نسبة كبيرة من المعضلات الفقهية. حتى انها اضحت تقارب 75 بالمئة منها فكيف يمكن تجاهلها من قبل الفقهاء والمفكرين الاسلاميين. ان معرفة الاحكام الفرعية في قوانين الشريعة (حتى تلك التي وردت فيها نصوص مأثورة) تصبح اسهل لمن اوتي وعياً بجوامع حِكم الدين، واصول الحكمة لالهية، وقد تحدثنا عن ذلك في الجزء الاول من هذا الكتاب. وفيما يرتبط بالموضوعات الخارجية التي تحتاج الى نظرة الفقيه بسبب شدة غموضها وعمق صلتها بالحكم مثل عمليات البنوك. والصفقات التجارية الجديدة. كذلك مثل طريقة تنفيذ العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وما اشبه. كل اولئك بحاجة ماسة الى فقه بصائر الدين في الفلسفة النظرية والعملية وكذلك الى معرفة الحقائق الخارجية، ليستطيع الفقيه إصدار الحكم الشرعي منهما.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|