فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
3 / النهضة الحضارية شرط التطوير لقد كانت الحدود الشرعية التي تضبط حركة فكر الانسان وجسده واحدة من اهداف الشريعة. ولكنها لم تكن الغاية الوحيدة لها، اذ انها استهدفت ـ أيضاً ـ بعث الحركة في الانسان: بعث الحركة في روحه وفي عقله وفي جوارحه. فلقد استهدفت الإثارات النافذة، التي هزّت اعمق المستويات في روح البشر، (الجنة والنار الحساب والجزاء و.. و..) استهدفت فتح نافذة من روح الانسان على الحقائق، وآياتها، وإثاراتها. حتى لا تعيش حالة السبات والانطواء والكفر والجحود و.. و.. وبالتالي لا تعيش وراء حجب الضلال فتشذ عن سنن الله في الخليقة، الساعية النشطة الساجدة المسبّحة، المنبعثة في كل اتجاه!! وحين تنتفض الروح، يستفيق العقل، ويروح يُحلّق في كل اُفق، ويبحث عن الحكمة، عن المعرفة، عما حُجب عنه من اسرار الخليقة. عن آمادها وأبعادها، عمّا يُقرّبه اليها، عمّا يُهيء له تسخيرها. وبين الروح والعقل، تتحرك جوارح الانسان، في سعي دائب وحركة متواصلة. مرّة لخدمة العقل ( السمع والبصر والفؤاد) ومرة لخدمة الجسم (سائر جوارح البشر) مرة للدنيا (ابتغاء فضل الله) ومرة للآخرة (السعي للاخرة) مرة للنفس، واخرى للآخرين.. انّه نشاط دائم، وتحفز مستمر. بلى اذا تحركت قوى الانسان، احتاجت الى منهاج وحدود وقيم سلوكية. ولكن عُقدة المسلمين في عصور التخلف انهم عرفوا الحدود والرسوم والشعائر، ولكنهم غفلوا عن تلك الحقائق التي تنساب عبرها كما غفلوا عن ضرورة حركة الجوارح في اطار تلك الرسوم والشعائر. وزاد المشكلة تعقيداً ان الحدود التي رسمت لنا كانت متأثّرة ـ بقدر أو بأخر ـ بالظروف التاريخية لحركة الامّة، فلما توارثها الاجيال، وتغيّرت الظروف الموضوعية للحركة داخل المجتمعات الجديدة. زادت الفجوة بينها وبين واقعهم اليوم. ومع انبعاث الحركة الحضارية في الغرب، واقتحامها حريم حضارتنا وتراثنا ومكوّنات شخصيّاتنا الداخلية، تغيّرت الظروف الموضوعية تغييراً كبيراً فكان الفصام بين الواقع اليومي المعاش، وبين جملة الحدود والرسوم والشعائر التي فرغت من محتوياتها الغنية. وكانت المأساة التي لازلنا ندور في حلقاتها المغلقة، والتي لا يمكن الخروج منها بتغييرات فوقية (كالذي مضى عليه المتأثرون بالثقافة الغربية) مثل تغيير الزي او اللغة او كتابة الحروف او إشاعة التحلل او حتى استيراد مناهج الاقتصاد والسياسة. ذلك ان الحضارة ليست سلعة تشترى ولا تقنية تنتقل، وانما هي مبعث روح التحضر التي تتساقط معه الحُجُب المصطنعة بين الانسان وبين واقعة المعاش الحافل بالتطورات اليومية، فاذا انبعثت الروح، تعالى المسلمون عن سلبيات تراثهم، واتصلوا مباشرة بعهد الوحي، حيث نزل متعالياً عن الذاتيات البشرية، بلا عوج، بلا هوى، وبلا تأثيرات من ركام الخرافات أو متغيرات الظروف الغابرة واذا تجاوز المسلم اليوم حاجز الزمن واتصل بالقرآن الكريم (كلمة الله العليا التي لا تتأثر بزمان من حقائقه، بما يتناسب مع وقائع حياته. فان عقله يوقظ من سباته ويقوم بأضخم اعماله الا وهو تطبيق المطلق على المحدود (بما يسمى بالاجتهاد في لغة الفقه) وهناك يعرف التأويل الصحيح (تطبيق النصوص العامة على المفردات). ويعرف ابعاد الكلمة المأثورة (نزل القرآن على سبعة احرف) لأن الواقع مختلف فان احرف القرآن وابعاده واحتمالاته وافتراضاته مختلفة ايضاً. هنالك يصبح الوحي (ليس بديلاً عن العقل) بل اداة لإثارته. هنالك تتأثر الحدود بالحقائق الموضوعية كما تتأثر الحقائق بالحدود، في حركة تواصل وتفاعل. هناك يبقى المطلق المتعالي في مقامه السامي ويبقى الواقع المتغير في حركته الذاتية ويتصل هذا بذاك عبر العقل المتيقّظ وعبر نور الله سبحانه وأيده هذا محتوى التطوير، اما مظهر التطوير فيتم في اختيار المنهج المناسب.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|