فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الاول
1 / ما هي القيمة؟

القيمة تعريفها ومصدر شرعيتها
1 / ما هي القيمة؟
2 / مصدر شرعية القيمة
1 / ما هي القيمة؟
فيما يلي نستعرض الأسئلة التالية. ونسعى للاجابة عنها حسب المستطاع.
ما معنى القمية. وما هي المحددات التي توضح ذلك المعنى (مما يسمى بتعريف القيمة) وما هي المفارقة بينها وبين كلمات اخرى مثل الحاجة والاهتمام والمعقتد، والسلوك والدافع والسمة (الشخصية) والاتجاه، هذه الكلمات التي عرفت بها القيمة عند البعض؟
القيمة هي ايمان (قناعة) الانسان باهداف مقدسة (أو مشروعة) تعطيه معايير للحكم على الاشياء والافعال بالحسن والقبح أو بالامر والنهي.
وهكذا نستنتج طائفة من المحدّدات للقيمة:
اولاً: لانها تقتضي الايمان فهي شبيهة بالمعتقدات الاخرى ـ لانها هي الاخرى تقتضي الايمان ـ بها ـ ولكنها تختلف عنها في كونها حقل خاص من المعتقدات ـ كما سيأتي إنشاء الله الحديث عنها.
ثانياً: لأنها اهداف (غايات) فهي تحفز الانسان و(تدفعه) وتستثير فيه الحركة نحوها فهي ـ اذاً ـ تشترك مع مجموعة مفردات من هذه الزاوية، وإن بصورة جزئية، مثل: الدافع لان اهداف الانسان تدفعه نحو وجهة معينة. وكذلك الحاجة لانها قد تخلق هدفاً، ومثل، الاهتمام، لان الانسان اشد ما يكون اهتماماً باهدافه. بالرغم من وجود مفارقات بينها وبين هذه المفردات، وسوف نستعرضها ـ انشاء الله تعالى ـ.
ثالثاً: وبما ان حقيقة القيمة ـ فيما يبدو لي ـ كونها هدف الانسان فان للإنسان نمطين من الغايات: المقدسة والمشروعة. فاما الغاية المقدسة فهي التي تعبّر عن عقل الانسان المتطلّع الى الغيب، وعن ضميره المغموس بحب الخير والفضيلة، وأسمى تجلياته عبادة الله الخالق الرازق المدبر سبحانه.
واما الغاية المشروعة، فهي الحاجات المادية التي لا تتنافى وتلك الغاية المقدسة، مثل حب الشهوات من النساء والبنين و.. و..
وفي هذا القسم تشبه القيمة «الدافع» لانها، كما الدافع، اعمّ من المقدس والمشروع، على ان الدافع قد يكون غير مشروع (كالدافع الى الجريمة) فيكون أعم من القمية حيث لا يمكننا ان نسمى الدافع الى الجريمة قيمة.
رابعاً: انها تعطينا «معايير» و«مقاييس» و«موازين» (التعابير تختلف والمعنى واحد) ونستطيع بتلك المعايير اكتشاف التالي:
الف ـ اختيار اقرب الوسائل الى الهدف.
باء ـ انتخاب الامثل والافضل من بين البدائل في تحقيق الاهداف.. فاذا كانت لدينا وسيلتان كلتاهما قريبان الى الهدف، ولكن احدهما كانت أمثل من الناحية الاخلاقية (القيمية) من الثانية انتخبناها.
جيم ـ الحكم على الاشياء إيها احسن واجمل.
دال ـ الحكم على الافعال ايها افضل وخير املاً.
خامساً: اعطاء صفة الالزام والوجوب في حياة الناس. فالفضيلة قيمة «يجب» التحلي بها، والعدالة قيمة لازمة على الناس، والاحسان «قيمة» ينبغي ممارستها.
سادساً: القيم المقدسة تفيض من عقل البشر، والعقل واحد عند الجميع، فهم يشتركون فيها ويتواصلون بها، ويتحاكمون اليها فهي قاعدتهم المشتركة، وحصنهم المنيع، الذي يحميهم من اعتداء بعضهم على بعض.
سابعاً: اما بالنسبة الى القيم المشروعة، فهي تختلف من انسان لآخر، لانها تتعلق بحاجاتهم المادية. ولكنها لا تكتسب صفة الشرعية ولا تصبح «خيراً» حسب اللغة الدينية الا اذا خضعت لمعايير القيم المقدسة.
حوار في معنى القيمة:
كانت تلك خلاصة نظرتنا حول تعريف القيمة وينبغي لنا الان ان نتحاور مع اصحاب النظرات الاخرى لعلنا نزداد معرفة بأبعاد القيمة.
وتلك النظرات قد تختلف بسبب اختلاف الآراء في حقل مصادر القيمة أو حتى الاختلاف في حقل مذاهب المعرفة. وبالتالي لا بد ان تناقض تلك الاراء في تلك الحقول.
وقد عرّف الكثير ممن تعرض لمعنى القيمة، عرّفوها بمفردات لا بد من مناقشتها في ضوء نظرتنا حول القيمة. وهي:
الحاجة، الاهتمام، المعتقد، السلوك، الدافع، السمة، (سمة الشخصية) الاتجاه. وفيما يلي نستعرض كل واحدة من هذه المفردات والمفارقة بينها وبين القيمة.
اولاً: بين القيمة والحاجة:
هل القيمة تساوي الحاجة؟
يرى بعض العلماء امثال (ماسلو AH – MASLOW ) ان مفهوم القيمة مساو لمفهوم الحاجة، كما يرى البعض ان للقيمة اساساً بيولوجياً فهي تقوم على الحاجات الاساسية ( BASIC NEEDS ) فلا يمكن ان توجد قيمة لدى الفرد الا اذا كانت لديه حاجة معينة يسعى نحو تحقيقها أو اشباعها.
ويقسم بعض الباحثين القيم ـ بهذا المفهوم ـ الى نوعين:
الف ـ اولية ( PRI MARY – VALUES ) تتعلق هذه القيمة بالحاجات البايلوجية.
باء ـ قيم ثانوية ( SECONDALY – VALUES ) وهي تهتم بالجانب الاخلاقي والاجتماعي.
الا اننا نرى ان القيمة تختلف عن الحاجة، صحيح ان الايمان قد يضفي على حاجة من الحوائج قيمة، ولكن القيمة اسمى من الحاجة مثلاً الصائم يحسن بالجوع ويحس بالفراغ البيولوجي وبالتالي هناك حاجة تدفعه نحو الطعام ولكن القيمة التي يتحسس بها اعلى من هذه الحاجة فيكفُّ نفسه عن الطعام.
من هنا نجد بعض العلماء امثال (متلون روكش ROKEACH ) يرى ان هناك اختلافاً بين المفهومين، فالقيم في نظره عبارة عن تمثيلات معرفية لحاجات الفرد أو المجتمع وان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه عمل مثل هذه التمثيلات.
وفي ضوء ذلك يميز بينهما على اساس ان الحاجات تولد لدى جميع الكائنات سواءً الانسان أو الحيوان، في حين ان القيم يقتصر وجودها على الانسان26.
والجدير بالذكر هنا ان مخ الانسان هو المخ الوحيد الذي فيه خلايا تقوم بعملية الاضفاء (أو التمثيل).
يقول في ذلك (هنري آرفوم) الانسان على خلاف الحيوانات مزوّد بقشرة دماغية تملك ـ فضلاً عن مراكز الاضفاء ـ عدداً يزيد مرتين على مراكز الارتباط، ومن المعلوم ان هذه المراكز الأخيرة لا توجد لدى حيوانات الدنيا، وانها قليلة العدد جداً لدى الثديات العليا. وانما لدى الإنسان ـ والانسان وحده ـ تنفرد الارتكاسات الطبيعية التي تحددها مراكز الاضفاء بانها خاضعة لمراكز الارتباط من حيث التوجيه والكف والمراقبة27.
ويضيف وليس من الغلوّ ان نقول: ان الانسان من الناحية الفاسيولوجية عبد قشرته الدماغية، وهذا التعلق حاسم فيما يتصل بتطوره الطبيعي مادامت القشرة الدماغية التي لا تتجدد تؤلف الحد النهائي في نمو الحياة «ويقول: الانسان هارب من الحياة ولاجئ الى التجريد وان ذكائه التقني ينسف القيم المشخصة والغريزية جيمعاً»28.
حتى لو افترضنا بأن الحاجة هي وراء القيمة (هذه كفرضية سوف نثبت بطلانها فيما يلي من البحوث) حتى لو افترضنا ذلك فان هذه الحاجة تتحول في دماغ الانسان الى حاجة روحيّة، أو الى نوع من التمثيل المعرفي لكي تتحول الى درجة القيم.
اذن فالطعام قد يتحول ـ عند الانسان ـ الى قيمة، بينما يبقى عند الحيوان حاجة مادية، ومن هنا نعرف: ان الحاجة قد تكون مصدر «قيمة» ولكنها لن تكون (ذات القيمة) وهي ـ الى ذلك ـ مصدر واحد بينما المصدر الثاني والاهم للقيمة هو احساس الانسان بالكرامة.
ثانياً: بين القيمة والدافع:
ما هو الدافع؟ انه توتر داخلي يحرك الانسان نحو هدف معين، بينما القيمة، هي ذلك التصور القائم خلف هذا التوتر.
فالقيمة تصبح مصدراً للدفع وللحفز، بينما قد تصبح مصدر الدفع الحاجة الطبيعة، يقول د. خليفة: وفي ضوء ذلك يتضح ان هناك فرقاً بين مفهوم القيمة ومفهوم الدافع.
فالدافع هو حالة توتر أو استعداد داخلي يسهم في توجيه السلوك نحو غاية أو هدف معين.
اما القيمة، فهي عبارة عن التصور القائم خلف هذا الدافع29. ولكن البعض رأى ان القيمة هي ذاتها الدافع فمثلاً (ويلسون) توصل من خلال دراساته الى ان هناك ارتباطاً مرتفعاً بين الدافع للأمن ( safety – motive ) وقيمة الامن القومي ( national – security ) 30.
بل قد يكون الدافع قيمة (فيختلط علينا مفهوم الدافع ومفهوم القيمة) الا ان الدافع حالة شعورية تدفع الكائن الحي نحو هدف معين، وانه أحد المحددات الاساسية للسلوك، ولكن القيمة نوع (من الدافع) مطلق ويتسم بالوجوب 31. فالدافع يأتي نتيجة القيمة (وليس هو القيمة)، فمن يؤمن بالعدالة (كقيمة) يجد في ذاته دافعاً نحو تطبيقها والعلاقة بين الدافع والقيمة هي العلاقة بين الجوع وبين الاحساس به الذي يجلعه دافعاً نحو الطعام.
وقد لا يكون الدافع قيمة، بل شهوة، كالدافع نحو الجريمة، وقد لا تدفع القيمة صاحبها، كما إذا كانت القيمة عنده ضعيفة، أرأيت الذي يؤمن بالعدالة ولكن لا يندفع نحو تطبيقها؟.
ثالثاً: بين القيمة والاهتمام:
الاهتمام اخصّ من القيمة، حيث ان الاهتمام هو الرغبة في شيء، ولكن هذه الرغبة قد لا تكون قيمة.
من هنا يفرّق بعضهم بين الإهتمام والقيمة على اساس «ان الاهتمام هو أحد المظاهر العديدة للقيمة ويساعد في توجيه الفعل وتحقيق الذات وان مفهوم الاهتمام أضيق من القيمة فهو لا يتضمن ضرباً من ضروب السلوك المثاليّة أو غاية من الغايات، كما انه من الصعب الوقل بأن الاهتمام معيار، له صفة الوجوب التي تميز بها».
ثم ان القيم تتميز عن غيرها من المظاهر الشخصية مثل الميول فتجد ان القيم تهتم بالاهداف البعيدة العامة كما انها تترتب فيما بينها ترتيباً هرمياً أي ان بعض القيم يسيطر على غيرها أو يخضع لها، فالفرد يحاول ان يحقق قيمه جميعاً ولكن إذا حدث تعارض بينها فأنه يخضع بعضها للبعض الآخر وفقاً لترتيب خاص به32.
وثم ميزة اخرى للقيمة، وهي انها ابطئ في التغيير من الاتجاهات والميول، ومن الضروري ان ننظر الى القيم على اساس انها لا تعكس مجرد حاجاتنا واهتماماتنا الخاصة ولكنها تعكس أيضاً ما يثبت ويعاقب عليه المجتمع33.
وبكلمة القيمة تخلق ـ عند الانسان ـ درجة عالية من الاهتمام، ولكنها تتصل عادة بكرامة الانسان، وباحساس فوق طبيعي عنده. وهكذا تختلف عن الاهتمام في الامور التالية:
1ـ الاهتمام قد يكون بشيء غير ذات قيمة كاهتمام المجرم بجريمته.
2ـ الاهتمام لن يصنع معياراً لمعرفة الحسن عن القبيح.
3ـ الاهتمام ـ عادة ـ شخصية، بينما اغلب القيم عامة، ولذلك تصبح اساساً لحكم اجتماعي (مثل القانون أو العرف).
4ـ الاهتمامات قد تتناقض، بينما القيم تتسلسل هرمياً.
5ـ بلى القيمة توجب اهتماماً بالغاً، ولكن ليس كل اهتمام ناتج عن قيمة.
رابعاً: بين القيمة والسمة:
ما هي المسة ( trait )؟
السمة: هي ملامح شخصية الانسان من حيث العموم، وقد صنف (جيل فورد ـ guil ford ) صنف ملامح الشخصية الى سبع فئات من السمات تشكل من حيث المجموع شخصية الانسان وهي: الاتجاه، والميول، والمزاج، والحاجات، والاستعدادات بناء الجسم ( morrhology )، وظائف الجسم34.
وحيث ان من ملامح شخصية الانسان، اتجاهاته وميوله، وهي تتصل بالقيمة (حيث ان القيمة تحدد اتجاه الفرد وميوله) فان علاقة القيمة وسمة الشخصية هي علاقة الجزء بالكلّ، وسوف نعود قريباً بإذن الله تعلى الى الحديث عن العلاقة بين الاتجاه والقيمة.
وفميا يتصل بالعلاقة بين مفهوم الاتجاه وبين مفهوم القيمة، يرى د. خليفة:
القيمة اكثر تحديداً ونوعية من السمة، وتشتمل عادة على جانب إيجابي وآخر سلبي، كما تتسم القيم بإمكانية تغييرها35.
وهكذا يرى البعض ان تغيير السمة اصعب من تغيير الشخصية:
«فحينما يتحدث المعالجون السلوكيون عن آثار العلاج السلوكي على العادات والحاجات والقيم والسلوك والاتجاهات، فانهم نادراً ما يتحدثون عن آثار هذا العلاج على السمات 36.
بلى لان السمة ذات مكونات شتّى، فتغييرها اصعب من تغيير القيمة التي هي واحدة من مكونات السمة فقط.
وهكذا قد تكون السمة نابعة من القيمة، واذا زادت علاقة الانسان بقيمة فان القيم تحيط بحياة الانسان وتتحول الى صبغة عامة لحياته، وسمة عامة لشخصيته بحيث تؤثر على سائر ملامح شخصيته وسماته، مثلاً قد يكون الشخص بطبعه سريع التأثر، شديد الغضب ولكن بقيمه يصبح من نوع آخر، يصبح رجلاً حليماً، ويخضع مزاجه لعقله، وقيمه، كما نجد عند المؤمنين.
وأخيراً السمة ـ فيما يبدو ـ حالة فطريّة طبيعية لا واعية في الاغلب، بينما القيمة حالة عقلائية واعية.
خامساً: بين القيمة والمعتقد (blief ):
من الطبيعي ان الفجوة تتقارب بين القيمة والمعتقد، لأن كلاً منها يقوم بثلاثة أدوار مهمة:
الف ـ تمييز الحق عن الباطل.
باء ـ تحديد ما هو حسن عن ما هو قبيح.
جيم ـ الترغيب في بعض الافعال والتحذير من البعض الآخر.
وهكذا تشترك القيمة والمعتقد في هذه المهمّات الثلاث، إلا اننا قد نميّز القيمة عن المعتقد، بإن القيمة هي واحدة من مظاهر الأعتقاد، ذلك أن أهم خصيصة للمعتقد هي بيان الحق والباطل بينما أهم فائدة للقيمة بيان ما ينبغي فعله أو ينبغي تركه، وهذه الفائدة مترتبة على الخصيصة.
يقول د. خليفة: في ضوء ذلك يتبيّن ان القيم تتمثل في مجموعة من المعتقدات الشائعة بين اعضاء المجتمع الواحد، وبخاصة فميا يتعلق بما هو حسن أو قبيح، بما هو مرغوب أو غير مرغوب، بمعنى آخر هي عبارة عن نظام معقد يتضمن احكاماً تقليدية37 إيجابية أو سلبية تبدأ من القبول الى الرفض، ذات طابع فكري ومزاحي نحو الاشياء، (موضوعات الحياة المختلفة بل ونحو الاشخاص).
وتعكس القيم اهدافنا، واهتماماتنا، وحاجاتنا، والنظام الاجتماعي والثقافي الذي تنشأ فيها لما تتضمنه من نواحي دينية واقتصادية وعلمية.
من هنا يفرق بعضهم بين القيم والمعتقدات على اساس ان القيم تشير الى الحسن مقابل السيء ( good – bad ).
اما المعتقدات فتشير الى الحقيّة مقابل الزيف ( true – false ) فالمعارف في القيم تتميز عن باقي المعارف الاخرى في الخاصية (تقييمة) حيث يختار الشخص في ضوء تقيينمه ما هو مفضل أو غير مفضل بالنسبة اليه، كما انها ليست مرادفة للمعتقدات أو الاهداف ولكنها تدور حول المعتقدات أو الاهداف التي يتبناها الفرد، ويمكن تصورها في ضوء متصل: المقبول المرفوض38 أي نظام المقبول، المرفوض وبكلمة: القيمة هي الايمان بالهدف وما يتبع هذا الايمان من خصائص بيناها سلفاً بينما المعتقد هو مطلق الايمان بشىء فالقيمة اخصّ (أضيق نطاقاً) من المعقتد.
سادساً: بين القيمة والاتجاه:
قبل كل شيء، لا بد ان نبين تعريف الاتجاه، فبالرغم من عدم ذكر تعريف محدد لهذه الكلمة، الا انني اتصور ان معنى الاتجاه هو مجموعة مواقف للانسان في الحياة تكشف عن وجهة حياته، فمثلاً قد يكون لك موقف محدد حول قضية، وموقف آخر حول قضية اخرى، وموقف ثالث حول قضية ثالثة، لو اجتمعت هذه المواقف وانتظمت الى بعضها بحيث يكون المواقف الثلاثة متقاربة متناغمة، تشكل هذه نظاماً من المواقف وتسمى بالاتجاه (أي الاتجاه العام لحياتك).
فما الفرق ـ إذن ـ بين الاتجاه وبين القيمة، يبدو لي ان هناك فرقين اساسين:
الاول: إذن كما ان الاتجاه منظومة من المواقف فان القيمة هي منظومة من الاتجاهات، إذن ان الاتجاه اضيق مدى من القيمة التي هي أوسع مدى.
فالاتجاه قد يكون مثلاً في السياسة أو في الاجتماع أو في الدراسة أو في أي حقل آخر من حقول الحياة، بينما القيمة هي تلك الحالة التي تحدّد اتجاهات الانسان المختلفة. وفي مختلف ابعاد الحياة وحقولها.
الثاني: الاتجاه حالة سلوكية فهو منظومة من المواقف، بينما القيمة حالة نفسية، ايديولوجية، عقلية، فهي ـ في حقيقته ـ ايمان بمنظومة من الاهداف والغايات وبالتالي القيمة هي روح الاتجاه، فاذا سألت عن شخص لماذا اتجاهك السياسي معتدل؟
يقول لأنني اؤمن بقيمة العدل، فالاتجاه السياسي حالة سلوكية تصنعه قيم الانسان.
فالاتجاه سلوك بينما القيمة محدد للسلوك وموجه للسلوك. ومن هنا يقول البعض:
القيم محددات لاتجاهات الفرد فهي عبارة عن تجريدات وتعميمات تتّضح من خلال تعبير الافراد عن اتجاهاتهم حيال موضوعات محددة39.
من هنا قد يتدخل في صنع القيم نوع من التمثيل المعرفي واضفاء القدسية، بينما لا تحتاج الى ذلك في الاتجاه.
على إننا اكدنا ـ عند الحديث عن مصدر القيم ـ ان القيم في الاغلب نابعة من عقل الانسان، وليس بالضرورة ان تنشأ من تجريدات ناشئة من التجارب.
ويرى د.خليفة: ان هناك سلماً يبداً بالمعتقدات وينتهي بالشخصية؛ ويمر عبر الاتجاهات والقيم فيقول: ويمكن النظر الى الاتجاهات والقيم في ضوء مستويات مختلفة تمتد من الخصوصية الى العمومية، فالمستوى الاول يتمثل في المعتقدات والثاني في الاتجاهات ثم المستوى الثالث حيث توجد القيم ثم المستوى الرابع والاخير يتمثل في الشخصية40.
ولنا ملاحظة هي: ان المعتقدات هي خلفية القيم في الاغلب اما الاتجاهات فانها تأتي رتبة بعد القيم، حيث ان القيم هي التي تفرز الاتجاهات، اما الشخصية ـ فهي كما سبق في سمة الشخصية ـ عبارة عن مجموعة عوامل منها تأثير القيم والمعتقدات.
إذن لا يمكننا ان نعتبر المعتقدات مؤثرة في الاتجاهات بصورة مباشرة وذلك عبر القيم.
بلى: نستطيع ان نقول بكل تأكيد: ان القيمة بناء الكثر عموميّة من الاتجاه، فقد تكون القيمة عبارة عن مجموعة من الاتجاهات المرتبطة فيما بينها (منظومة من الاتجاهات).
ويقول د.خليفة:
ومنظور معالجة القيم من خلال الاتجاهات، مازال قادراً على التمكن من دراسة القيم بفاعلية، فهي عبارة عن مفاهيم تختص بغايات يسعى اليها الفرد، كغايات جديرة بالرغبة، سواءً كانت هذه الغايات تتطلب لذاتها، أم الغايات أبعد منها. وتأتي هذه المفاهيم من خلال دفاع ديناميكي بين الفرد بمحدّداته الخاصة، وبين نوع معين من انواع الخبرة، وتتكشف دلالة هذه القيم فيما تمليه على محتضنيها من اختيار توجه معين في الحياة، بكل عناصره المختلفة، من بين توجهات اخرى متاحة، توجه يراه جديراً بتوظيف امكانياته المعرفية والميدانية والسلوكية41.
ويبدو لي بأن دراسة القيم من خلال الاتجاهات تتصل بنظرية: ان القيم تجريد للجزئيات فهي متصاعدة، ابتداءً من الحس الجزئي ثم التعقل الكلي ولكننا بيّنا ـ عند الحديث عن مصادر القيمة ـ ان القيم تبدأ من معرفة عقلانية كلّية ثم تطبق على الجزئيات (وليس من تصعّد من الجزئي الى الكلي عبر التجربة) فالهدف العام الذي يختاره الانسان يحدد اتجاهاته وليس العكس، تماماً كمن يختار الوصول الى المدينة ثم يختار الطريق اليها عبر خطوات متدرجة فالخطوات اتجاهات البشر بينما الوصول الى المدينة قيمه.
ويفرّق البعض بين القيمة والاتجاه، بأن القيمة غاية نهائية والاتجاه حالة وسيلية، وبالرغم من صحة هذه المفارقة، إذ ان القيمة حالة مطلقة، بينما الاتجاه أضيق منها مدى. ولكن هذا الفوق ليس الفرق الاهم انما افرق الاهم والحاسم بين القيمة والاتجاه هو ان الاتجاه حالة عملية قد تنشأ من قيم الانسان وقد تنشأ من دافع مادي محض كالإ كراه، بينما القيمة هي حال نظرية نفسيّة عقلانية وروحية توجه الانسان الى وجهة معينة، فالاتجاه حركة محتواها قد تكون القيم وقد يكون دافعاً آخر.
اما (هولندر) فأنه يفرق بين القيمة والاتجاه بما يرجع الى المظاهر الخارجية للفرق الاساسي الذي بيّناه آنفاً ويلخصها في النقاط التالية:
الف ـ القيمة هي المكونة الاساسيّة للاتجاهات وتمثل منظومة من الاتجاهات.
باء ـ الاتجاهات اكثر قابلية للتغيير من القيم بسبب الثبات النسبي للقيم.
جيم ـ قد تمثل القيمة الواحدة إتجاهات متعدّدة فقد تعني قيمة العمل التنافس أو التعاون.
ويبدو لي ان هذا الفرق الأخير فرق مهم. فالقيمة باعتبارها محتوى قد لا تفرز اتجاهاً معيناً بل قد تتقولب القيمة ضمن اتجاه يختلف من فرد الى آخر حسب تفسيره للقيمة وحسب تحديده للمصداق الذي يجب ان تتجسد القيمة فيه42.
واما (ميلتون روكش) فهو يبيّن الفوارق بين الاتجاه والقيمة ضمن النقاط التالية:
الف ـ الاتجاه منظومة من القيم في موضوع واحد.
باء ـ تتركز القيمة على الاشياء والمواقف، ويتركز الاتجاه حول موقف او موضوع محدد.
جيم ـ القيمة معيار، بينما الاتجاه ليس كذلك، انما الاتجاه حركة، اما القيمة فهي معيار للحركة.
دال ـ عدد القيم اقل من عدد الاتجاهات. لان مصدر القيم عقائد الشخص التي تتصل بغايات السلوك، بينما مصدر الاتجاه التعامل مع الاشياء والمواقف.
هاء ـ القيم تؤثر اكثر من الاتجاه في النسوق المعرفي للشخص وفي المركزية.
واو ـ مفهوم القيم اكثر ديناميكية من الاتجاه، حيث ترتبط بالدافعية بصورة مباشرة.
زاء ـ القيم ترتبط بتحقيق الذات اكثر من الاتجاه43.
ونلاحظ بأن هذه الفوارق كلها تعابير عن حقيقة واحدة وهي ان القيمة روح الاتجاه والاتجاه إنما هو الجانب الفعلي للقيمة والقيمة من هنا اكثر شمولية وثباتاً تأثيراً على الشخصية وعلى معرفة الانسان.
والقيمة بناءً على ذلك تمثل الغاية، تكون معياراً للمواقف العديدة.
بهذه الكلمة نستطيع ان نختصر الفوارق بين الاتجاه والقيمة.
سابعاً: بين القيمة والسلوك ( behavior ):
السلوك ـ كما نعرف ـ مجمل مواقف الانسان واتجاهاته وتجلّيات شخصيته العملية، وبعض الباحثين بدؤوا يدرسون القيم من خلال السلوك، باعتبار ان القيم تؤثر في السلوك، وقسمّوا القيم الى ثلاث فئات رئيسية:
الف ـ القيم العاملة: التي تؤثر على نوع من السلوك التفضيلي، أي السلوك الذي يرغب فيه الانسان ويختاره بين مجموعة من الفرص المتاحة.
باء ـ والقيم المتصورة أو الرمزية: التي تنكشف وتتبيّن من خلال التصورات المثالية.
جيم ـ والقيم الموضوعية: ولعل معناها ما تظهر في المواقف تجاه الاشياء وتجاه الاشخاص.
ويرى البعض: ان القيمة مفهوم أو تصور للاشياء المرغوبة، ويشعر الفرد من خلاله بالإلزام أو الدافع لاختيار مهنة معينة دون اخرى، فهي معايير لاصدار أحكام الفرد على مدى مناسبة السلوك. كما انها تحدّد توجهات الفرد نحو الفعل، وقد تكون واضحة يستدلّ عليها من خلال التعبير اللفظي للفرد، وقد تكون ضمنية أو كامنة فيستدل عليها من خلال سلوك الفرد وافعاله.
من هنا: ارتبطت دراسة القيم بدارسة السلوك، باعتبار السلوك تكشف عن قيم الفرد. ولكن البعض قد اخذ على هذه النظرية بأن السلوك لا يعبّر تعبيراً دقيقاً عن القيم، فالتعريف الملائم للقيم يجب ان يقوم على اساس نظري تجريبي في آن واحد، حيث النظر اليها على انها بناء افتراضي ويستدل عليها من السلوك اللفظي وتشير الى تصور الفرد للعالم الذي يحيط به وعلاقته به، بالاضافة الى ان هناك متغيرات اخرى يمكن ان تؤثر في هذا السلوك فتجعله متسقاً أو غير متسق مع القيمة التي يتبنّاها44.
في توضيح هذا النص نقول: ان السلوك قد لا يعكس القيم لان الانسان قد يسلك طريقاً يرى انه مخالف لقيمه التي يتبنّاها ويؤمن بها، اما بسبب ضغط أو بسبب اهمال لقيمة أو بأي سبب آخر.
بلى السلوك عادة يكون معبراً عن قيم الانسان، ولكن في بعض الاحيان لا يكون كذلك خصوصاً عند الذين تحصل عندهم حالة فصام بين قيمهم وبين سلوكهم.
ثم ان الكثير من الانماط السلوكية التي يصدرها الفرد، وهو بصدد التعامل مع المواقف الاجتماعية المختلفة، انما تقف كدالة لما حددته الثقافة على انه اسلوب مرغوب فيه اكثر من انها دالة لما يتمثله الافراد من قيم يرونها جديدة باهتمامهم.
بتعبير آخر: ان السلوك محصلة للتفاعل بين اتجاهين أحدهما نحو الموضوع والثاني نحو القيم، فالسلوك لا يتحدد فقط بواسطة القيم ولكن الى جانب ذلك توجد الحاجات والظروف الموقفية.
بلى نستطيع ان نقول بأن السلوك قد يكون تفسيراً خاطئاً للقيم، فالرجل مثلاً يحمل قيم العدالة، ولكنه يظلم لخطأ في تفسير العدالة فاذا رأينا شخصاً يظلم لا نستطيع ان نقول بأنه يؤمن بالظلم ـ كقيمة ـ ولكنه قد يفسر الظلم بالعدالة، فكيف يمكن ان يكون السلوك تعبيراً دقيقاً عن القيم؟
من هنا يعرف البعض القيم: بانها مفهوم يدل على مجموعة من الاتجاهات المعيارية المركزية لدى الفرد في المواقف الاجتماعية فتحدد له اهدافه العامة في الحياة والتي تتّضح من خلال سلوكه العملي واللفظي45.
ويبين د. خليفة: سبع محددات للقيم (معرفات لها) كما يلي:
1ـ انها محك نحكم بمقتضاه ونحدد على اساسه ما هو مرغوب فيه أو مفضل في موقف توجد فيه عدة بدائل.
2ـ تتحدّد من خلالها اهداف معيّنة أو غايات ووسائل لتحقيق هذه الاهداف أو الغايات.
3ـ الحكم سلباً او ايجاباً على مظاهر معينة من الخبرة في ضوء عملية التقييم التي يقوم بها الفرد.
4ـ التعبير عن هذه البدائل في ظلّ بدائل متعددة أمام الفرد وذلك حتى يمكن الكشف عن البدائل عن خاصية الانتقائية التي تتميز بها القيم.
5ـ تأخذ هذه البدائل احد اشكال التعبير الوجوبي مثل: يجب ان، أو ينبغي ان حيث يكتشف ذلك خاصية الوجوب او الالزام التي تتسم بها القيم.
6ـ يختلف وزن القيمة من فرد لآخر بقدر احتكام هؤلاء الافراد الى هذه القيمة في المواقف المختلفة.
7ـ في ضوء ذلك تمثّل القيم ذات الاهمية بالنسبة الى الفرد وزناً نسبياً اكبر في نسق القيم وتمثل الاقل اهمية وزناً نسبياً اقلّ في هذا النسق46.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب