فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
2 / مصدر شرعية القيمة سوف نتحدث في فصل قادم إنشاء الله تعالى ـ عن فلسفة القيم بين الذات والموضوع. حيث اختلف الفلاسفة: حول ما اذا كان الخير خيراً لأنه خير أم لأني اراه كذلك. فبينما ربط بعض الفلاسفة القيم بالذات نجد آخرين ربطوها بالموضوع (المطلق). والذين ربطوها بالذات لم يعتقدوا بنظام داخلي للافضليات. اما الذين اعتقدوا بأن القيم العليا موجودة بصورة مستقلة عن ذات البشر، فقد قادتهم هذه الرؤية الى فلسفة الاخلاق العلوية في بحث القيم كما الى وجود القوانين المطلقة في بحث فلسفة القانون. وفيما يلي نتحدث عن نقد نظريات القيم الذاتية، والتي يبدو ان اكثر النظريات الشائعة في بحث القيم، تميل اليها. يقول اسبنيوزا: نحن لا نرغب في الشيء لكونه خيراً وانما يكون الشيء خيراً لأننا نرغب فيه. ويقول سانتيانا: انه لا توجد أي قيمة منفصلة عن تقديرنا لها كما انه لا يوجد أي خير منفصل عن تفضيلنا له على عدمه أو على نقيضه47. يقول بيري: «ان الشيء الذي تطيب رؤيته وليس الشيء الذي يحسن اعتقاده هو الذي له قيمة جمالية»48. والسؤال هو لماذا نرغب في اشياء ولا نرغب في غيرها، هل لانها نافعة أو جميلة؟ أم بلا معيار؟ وما الذي جعل هذا المعيار معياراً؟. ثم هل القيمة الجمالية أو غيرها هي القيمة التي يتحسّس بها الانسان نفسه أم الآخرون ايضاً ـ إذا اسحوا بها اصبحت ذات قيمة. ثم ان الاعتراف بوجود الاشياء والاحياء ألا يعني الاعتراف بقيمتها في ذاته؟ أليس هذه النظرية هي نظرية جاهلية تنبع من الكفر بسائر الاشياء فقط الذات هي التي تعترف بها. انطلاقاً من هذه الحقائق، نقول: اولاً: إن المبدأ الذاتي في تقييم القيم في حيال المبدأ الموضوعي هو المسؤول ـ فيما يبدو ـ لكثير من سلبيات المادية… بل لعلها هي أزمتها الكامنة التي لا يجدون لها حلاً. كيف ذلك؟ الهيجلية مثلاً: ترى ان مبدأ الحق هو إرادة الانسان الذاتية، ولكنه يتوسّل بمنطقها الجدلي لينتقل عن هذا الاطار الكلي ـ وهو ارادة الخير (الكليّة) والاحساس باحترام الآخرين. وذلك عبر ايجاد تناقض بين ارادة الذات وارادة الكل وبالجمع بينهما تنشأ الارادة المطلقة حيث تخضع الارادة الذاتية للارادة الكلية (الموضوعية) اختياراً لكي تتحقق الارادتان معا. اما طريقة الجمع بينهما بالطباق (ثالث مبادئ المنطق الجدلي) فهو غير ضروري، لانهما مجموعان سلفاً. وذلك ضمن مبدأ أسمى وهو مبدأ الخير والمطلق، وهو ارادة الله سبحانه الذي خلقني وجعل لي حقوقاً، وخلق الآخرين وجعل لهم كذلك حقوقاً مماثلة، بلى لأن ارادة هيجل الا يشرك هذا المبدأ في منطقه اضطر الى اختلاف هذا المنطق الجدلي لحل مشاكله، ونتساءل هل لهذا المنطق الجدلي من البرهان ما ليس لمبدأ الخير المطلق حتى يكون هذا دليلاً على ذلك؟ كلا. ثانياً: هذه الجدلية لا تعترف وبصورة حاسمة بحق لأيّ شيء سوى الانسان، (حقوق الحيوان مثلاً) ولكن ذات الطباق الجدلي الذي اثبت به قيمة الارادة المطلقة (بعد الارادة الكلية) يمكن اجراءه لاثبات حقوق سائر الكائنات، صحيح انها لا تملك ارادة وبذلك لا تستحق حقاً، ولكنها تملك وجوداً وللوجود حقوق بقدره حسب وجداننا الذي به اعتقدنا بالحق لصاحب الارادة؟. وبتعبير آخر: لماذا آمنا بحق صاحب الارادة؟ أليس بالوجدان، فكيف نطق الوجدان لحظة ثم سكت؟ الا يمكن استنطاقه، وكيف ان مجموعة من القواعد المترتبة على ذلك الوجدان حجة وليس ذات الوجدان حجة، ومَثَلِ هؤلاء، مثل من استنبط ماء ثم اجراه عبر سواقي في مزرعة، فلما نقص الماء اخذ يرشّ على سائر الارض منه رذاذاً، فقيل له الا تستنبط الماء من بئر جديدة؟ فقال: لا إنما الماء فقط هو الذي ينبع من البئر الاولى كلا الماء هو الماء، والبئر هي البئر، والقدرة على استنباط الماء موجودة دائماً. فلا داعي لذلك النبع والاكتفاء برذاذ الماء بل في بعض الاحيان بخيال الماء، أليس كذلك؟. ثالثاً: النظرية المادية تبدأ من محيط ضيق ولكنها لا تلبث او تتوسع بطريقة غير منتظمة، ولا مبررّة، فتقع في تناقضات كثيرة، وعادة تتوسل ببعض التعميمات غير المبررة لحل الاشكالية، بينما النظرة الاسلامية (الالهية) تبدأ بالايمان والاعتراف بكل الحقيقة. وتجعل للحقيقة اطاراً كبيراً وواسعاً (الروح، العقل زائد العاطفة، الانسان زائد الكائنات). فلا تناقض ولا صراع ولا محاولات حل لهما. والمشكلة الكبرى عند هذه المذاهب عدم قدرتها على ايجاد اساس متين للاخلاق، ولحقوق الانسان، بل حقوق سائر الكائنات (الاحياء أو الاشياء). فعلى (نظرية الاهتمام)، عند بيري، ونظرية «الارادة الحرة» عند هيجل ونظرية «أنا» الوجودية ما هو أساس الاخلاق والاعتراف باهتمامات الآخرين وبإراداتهم وبوجوداتهم؟. ان هذه النظريات تجعل الذات محور وجود العالم. اما الآخرون فيصبح وجودهم ثانوياً، انما يبرر وجودهم من خلال وجود «انا» لأنهم ينفعونه، أو لأنه من دونهم لا يجد «أنا» من يؤنسه وهكذا. وهذا التبرير ـ حتى لو كان مقنعاً ـ يجعل الانسان يفضل مصالحه الذاتية على مصالح الآخرين. ويرى ان وجوده هو الاولى، فيصبح التناقض والصراع سمة العالم بينما الاخلاق بحاجة الى قوة كبيرة لتبريرها. وقد سعى الانبياء والاوصياء ـ عليهم السلام ـ من اجل تطهير النفس البشرية من الانانية، ودفعها الى مستوى العيش مع الاخرين. وكانت نتيجة ذلك كله ان تربّت البشرية على قيم الخير (وتحولت الى اعراف وقواعد قانونية ومناهج ـ تربوية). ولكن الفكر المادي جاء يوجه تيار الثقافة الى الجهة المعاكسة تماماً، فهل لأنهم بعد ان اشبعوا بتلك القيم لم يحسون بالحاجة الى الدين كرّسها في نفوسهم (كما يزعم البعض)49. أو لأن امكانات العلم والتقنية الحديثة اطلقت شهوات البشر من عقالها الديني وجاء الفلاسفة يبرورن ذلك الانفلات (لانهم كانوا عادة يمثلون روح مجتمعاتهم والوجهة العامة فيها). أو لأن الصراع بين الدين والعلم الذي سببه جمود الكنيسة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر انعكس على التيار العام لفلاسفة بحيث لم يعد الفيلسوف حكيماً الا اذا تجرد عن الدين (كما كان الامر يعكس ذلك في القرون الوسطى تماماً). وانّى كان السبب فإن فلاسفة القرنين الأخرين ـ ساروا في الاتجاه المعاكس تماماً لحركة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ. وكانت النتيجة انهم حبّذوا الكفر على الايمان، كيف؟ جوهر الكفر هو انكار الشيء بما له من ابعاد وظلال وحقوق بينما الايمان اعتراف به. واتجاه العلم الذي يجعل القيمة ذات الانسان يكفر ـ في البدأ لا أقل ـ لكل شيء وراء الذات. وفي الواقع انما ينكر الانسان شيئاً لكي ينكر حقه عليه ويتخلّص ـ بالتالي ـ من أي التزام نحوه والفكر المادي سابقاً كان ينكر وجود الشيء لكي لا يلتزم تجاهه بحق. لان الانسان كان يعرف ـ فطرته ـ ان الاعتراف باشيء اعتراف بحقه ولكنه اليوم ينكر هذا التلازم ويقول: من قال ان القيمة تنبع من وجود الاشياء ومن قال الاعتراف بالشيء يورث التزاماً كلا انما القيمة نفسك ولا غير. ويبدو ان التطور الطبيعي للفكر المادي يقودنا الى الوجودية الملحدة التي تبلورت عند (هايديغر وسارتر) وزعمت ان اصل القيم «انا» وجودك ووجودي (نفسك ونفسي). وهذا تطور طبيعي لعميلة القلب التي قام بها «كانت» حيث اراد ان يجعل النفس مصدر القيم ـ كما فعل غاليلو حيث جعل الشمس محور الوجود ـ من هنا رأى «روبر» ان الوجودية، مفهوم كانتي جداً من حيث «صورتيه» فالموجود هو المصدر الوحيد للقيم، وهو ما يماثل عند «كانت» الارادة الحسنة 50. وهذا هو مأزق المادية ـ اذ حسب سارتر، لا شيء، لا شيء يبرّرني لو تبنيت هذه الفكرة أو تلك51. إذاً لماذا الاعتراف بوجود الآخرين. وما هي صفة الالزام في البناء الاجتماعي والاخلاقي؟. فاذا ألغينا الآخر فلماذا الاخلاق، واذا اعترفنا به فما الفرق بينه وبين غيره من سائر الكائنات. ان انكار العقل والروح والاخلاق العلوية، أدخل الفكر المادي في مآزق فمن جهة لا يمكنه ان ينكر الحقائق القائمة فيما وراء الذات، لأنه آنئذ يقع في المثالية التي هرب منها. ولكنه ـ من جهة ثانية ـ لا يمكنه ان يبررها لانه جعل القيمة في الذات، ومحاولاته التوسع في مجال القيم كانت جملة من الادعاءات التي لا حجة فيها كافية. فاذا كنّا نريد قبول مثل تلك الدعاوي، فلماذا لا نؤمن منذ البداية بالحقائق وانها مصدر القيم وحجتنا في ذلك اقوى، وهي ان كل حق قائم ويفرض نفسه بنفسه وان علينا الاعتراف به وبحقه وانما اعترف بنفسي أيضاً بصفتي حقاً قائماً وانه لا فرق بيني وبين غيري..
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|