فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
نقد النظرية الذاتية في القيمة: عبر النقاط التالية نعرف مدى خطأ النظرية الذاتية في القيمة: أولاً: ان قيمة الارادة الذاتية باكثر ولا بأقوى من قيمة الارادة الكلية (الموجودة في الطبيعة) فما الذي يدعونا الى الكفر بها، واثبات الارادة الذاتيّة علماً بأن الارادة المطلقة تنعكس على قلب الانسان ويحس بها حتى الاعماق، فهذا الكون لم يخلق صدفة، ولا يسير بلا قانون وهناك ارادة نسيرها فالايمان بتلك الارادة ـ كما الايمان بارادة الشخص ذاته ـ نابع من عقل الانسان يهديه اليها جيمعاً، فلا داعي لاثبات الارادة الكلية من خلال الارادة الذاتيّة الفردية، وعبر المنطق الجدلي الذي اقترحه هيجل. ثانياً: ان القيم عند الانسان ليست فقط نظاماً للمواقف وانما هي ايضاً مجال للتقديس، ولتجاوز الذات، ولا ريب في ان البشر يضفي على اشياء معينة كرامة وحرمة وقداسة مما يثير فينا التساؤل التالي: ما هو مصدر روح التقديس وبأيّ معيار يميز الانسان بين المقدس وغير المقدس، من اهدافه ورغباته المشروعة؟ فان كانت القيم مجرد ردود افعال تنعكس على النفس بوعي أو من دون وعي في عملية آلية توجد عند سائر الاحياء ايضاً، فماهي ميزة التقديس التي لا ينفك عنها شعب ولا طائفة من البشر؟ لا نجد تفسيراً مقبولاً لهذه الميزة لو انكرنا اصالة القيم في ذات البشر، وعميق جذورها في نفسه. المدرسة الكانتية: يرى «كانت» ان فلسفة الاخلاق ينبغي ان تبحث حول الارادة من حيث تأثرها بالطبيعة74. اما الانسان الاخلاقي الكامل فهو عند «كانت» الذي يمتاز بالارادة الخيّرة التي يخضع لها لمحض تسليمه للواجب المفروض عليه. فهناك افعال إرادية تستند الى دافع، واخرى تستند الى مبدأ، وهذه الثانية هي التي تشكل الاخلاق، كما اذا قمت بالاحسان الى فقير لا لشيء الا لأنه واجب عليّ75. اما مصدر الاخلاق (وبالتالي مصدر القيم) عند الانسان فهو قواعد مطلقة وقوانين كلية لا يمكن اخضاعها للتجربة بل يجب كشفها فوق طبيعية (مثل الاحكام المسبقة التي يعرفها العقل من دون استدلال كاستحالة التناقض) ولان هذه القواعد لا تخضع للتجربة فهي قانونية والا فهي تفقد حالتها القانونية76. ويعتقد «كانت» بوجود نوعين من السلوك، نوع متأثر بالعقل (وهو الذي يشكل الاخلاق الاصيلة) ونوع متأثر بالظروف المحيطة والنوع الثاني فقط يمكن اخضاعه للتجربة77. اما اصل القيم فهي النية الصالحة والتي تخضع للقواعد الاخلاقية دون ان تبتغي جزاء اما قيمة هذه النية فهي في ذاتها كما حجر ثمين78. ويبدو ان «هيجل» يوافق «كانت» في هذه النقطة كما في كثير من اصول مدرسته ولو بتعابير مختلفة، فهو يقول عن اصل القيم وافضل الفضائل. ان فكرة الحق تقوم ـ في اساسها ـ على فكرة الارادة، والارادة كلية تتخذ من نفسها موضوعاً لها79 (فهي قيمة بذاتها). وقبل ان نبين رأينا في الجوانب السلبية التي لا نوافق عليها من افكار هذه المدرسة دعنا نتذكر الجوانب التي نوافق عليها بل نؤكدها وهي التالية: اولاً: ان للأخلاق اصولاً في النفس، وان اصلها النية الصالحة (أو الارادة الخيرة) وان هذه الاصول لا تخضع للتجربة، وانما هي (مثل القواعد التي تشكل قاعدة التجربة مثل مبدأ استحالة التناقض) فكما انها فوق تجريبية (أو ميتافيزيقية) كذلك هذه الاصول. ثانياً: ان هناك جانباً يخضع للتجربة في اخلاق البشر (وبالتالي قيمة) هو جانب الانفعال فيها، اما جانب الفعل فهو لا يخضع لقوانين التجربة المادية. وهذا مبدأ اساسي، سوف نستعرضه بإذن الله في مناسبة اخرى، لأن الانسان حين يخضع للعوامل المادية (اجتماعية أو فردية أو ما اشبه) يمكن قياس سلوكه حسب تلك العوامل، اما حين لا يخضع لها فكيف يقاس بها؟. ثالثاً: الفكرة التي بينها «كانت» والتي تجعل فلسفة الاخلاق بقياس مدى تحدى الانسان للعوامل المادية أو خضوعه لها، انها تعتبر مفتاحاً لدراسة الظواهر الانسانية (علم النفس، علم التربية، علم الاجتماع، وعلم فلسفة التاريخ). واما الجوانب التي لا نوافق عليها فسوف نشير اليها اشارة عابرة والتفصيل فيها يعرف بدراسة فصول الكتاب الاخرى: الف ـ الغفلة عن دور العقل (ذلك النور الالهي المتميز عن النفس كما عن الجسد) والذي يضيء حرم الذات كما يضيء آفاق الحياة، ومن دون التوجه الى هذا النور كيف نثق بسلامة الاوامر التي تصدر من الذات والتي تختلط ـ عادة ـ بالهوى ووساوس الشيطان والتمنيات والظنون. ان العقل اذا كان جزء من الذات لم نتمكن من التمييز بينه وبين الشهوات الصادرة هي الاخرى عن الذات انما العقل نور فوق مادي يؤتيه الله من يشاء من عباده وكيف يشاء فيكشف به ذاته أولاً ثم الحياة ويميز بين الخير والشر، والصحيح والخطأ، والعلم والجهل وهكذا. ومن دون اكتشاف هذا النور والتأكيد عليه تصبح مناقشات المنطق المادي حول الاحكام المسبقة (والتي تشكل ثوابت العلم والاخلاق) تصبح غير قابلة للرّد بالرغم من ان تلك المناقشات غير صحيحة. باء ـ بالرغم من ان «كانت» اعتقد بالاصول الثابته للاخلاق الا ان منطقه في جعل النفس اصل المعرفة ومن ثم الاخلاق ادّى الى نظريات بعيدة عن الحق، وهي التي جعلت الفرد محوراً للاخلاق، (النظرية الواقعية مثلاً). وقد ناقشنا جانباً من هذه النظرية آنفاً.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|