فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
المدرسة الاجتماعية:
المجتمع عند «دوركايم» هو المصدر الوحيد للقيم، لأنه ـ حسب تعبيره ـ خالقها وحافظها وهو معيار التقييم الخلقي، لأنه الامين لكل خيراتنا وفضائلنا، هو الرقيب على التراث والحضارة، وهو الجواد الخير، مصدر القيم، وواهب الحياة وعنه تصدر كل مظاهر الخير والنعمة80.
وكما هو معروف ـ فان «دوركايم» مضى على درب «كونت» في منطقه الوضعي، ولكنه بلور النظرية الاخلاقية على اساسها، واعتبر المهندس الاساسي للمدرسة الاجتماعية في الاخلاق والقيم.
ويبدو من دراسة كتاباته: انه كان يحاول ان يرد نظريات «كانت» الذاتية، ويسفه المدرسة النفعية التي لم تفسر كيف اصبحت القيم عامة وكلية، واعتبر مبدأ اللذة والألم ليس حتمياً في ميدان الاخلاق كما ويتضمن في ذاته عناصر هدمه 81.
وهذا الدفاع المستميت عن مصدرية المجتمع للقيم، لا يبرره الا تطرّف المدرسة الذاتية في القيم وآثارها غير النافعة في هذا الحقل.
ولذلك وجد «دوركايم» انه لكي تتاح له فرصة الافلات من تلك الصعوبات القائمة في فلسفة الاخلاق النفعية، ينبغي ان ينتقل بفكرة الكلية والضرورة، من مستوى الفرج الى مستوى المجتمع82.
ويخالف «دوركايم» اصحاب النظرية التجربية والموضوعية في القيم، ويرى ان القيمة ليست في ذات الاشياء، والا لما تناقضت واختلفت، ولكنها تكمن في الروح الجمعية، ويضرب مثلاً لذلك بالعلَم الذي ليس الا قطعة من القماش، ومع ذلك يكافح الجندي من اجله لماذا؟ لانه يمثل المجتمع، ومن هنا يريد ان يبرهن «دوركايم» على فكرته التالية انه ليست للاشياء أيّة قيمة الا في صلتها بحالات واصول اجتماعية، ولذلك تتغير القيم من حين الى آخر طبقاً لتغير اتجاهات الرأي العام.
ويبلغ «دوركايم» ذروة افكاره الاجتماعية بالقول: ان القيم الخلفية قيم وقتية من حيث انها صدى لذلك الصوت الجمعي العظيم الذي يحدثنا بنغمة خاصة في ضمائرنا ومشاعرنا83.
ويستدل «دوركايم» على فكرته بانه لو كانت القيم نابعة من ذواتنا اذاّ لكانت واحدة في كل زمان ومكان ولكننا نجدها ليست كذلك فنعرف انها ليست نابعه من ذواتنا.
فان «المثل الاعلى الروماني» لا يعيش بيننا الآن، كما لا نعتبره مثلاً اعلى بل قد يكون محل الازدراء والاستهجان، ومعنى ذلك ان معيار القيم، هو معيار متغير، نظراً لتلك التغيُّرات التي تصيب الثقافة والتأريخ84.
اما لماذا يعتبر المجتمع؛ الكائن الاعلى؛ والقيمة المتعالية، والكائن الامثل (وهذه تعابير دوركايم) فلأن المجتمع لا يمكن ان تقوم له قائمة من دون خلق القيم والمثل العليا، حيث ان تلك القيم والمثل هي الاسس الوجودية التي يستند اليها المجتمع، لتحقيق وجوده فيبلغ بفضلها اوج تطوره وتقدمه85.
وقبل ان تسترسل مع المدرسة الاجتماعية، في بيان أراءها بشأن المجتمع، وانه مصدر قيم الفرد، ينبغي ان نبين بعض الرؤى بشأن اسسها التي تعتمد عليها وهي التالية:
اولاً: لقد عالجت المدرسة الاجتماعية بُعداً من حياة الانسان (البُعد الاجتماعي) وكشفت طائفة من قوانينها وكانت اساساً لعلوم اجتماعية هامة.
وبالرغم من إن العلوم الاجتماعية الحديثة، لم تعد وفية بالكامل لمدرسة «دوركايم» وحتى للمنطق الوضعي الذي اعتمدت عليه، الّا انها لا تزال تخدم تلك المدرسة وتأخذ منها الكثير.
ونحن نحترم ـ بدورنا ـ النقاط المضيئة في هذه المدرسة وابرزها ردّ التطرف الذاتي في القيم، ومناقشة المدرسة التجريبية والمثالية، وبيان جوانب الضعف فيها.
ومن ثم اثبات الجانب الاجتماعي للقيم، واخضاع هذا الجانب للتجربة الموضوعية، مما ادى الى اكتشاف طائفة من القوانين الاجتماعية الهامة.
ثانياً: مشكلة المدارس الفلسفية، انها حين تتقدم في سلسلة البراهين التي تقيمها، تصل بالتالي الى حيث تعتمد على الوجدان، حيث تدّعي جميعاً ان اساس براهينها قائم على امر وجداني يعرفه الانسان بالبديهية ولكنها لا تعتمد على هذه البديهة منذ البداية وتتّهم من يعتمدها بالسذاجة، أو بعدم العلمية، علماً بأن البديهة (أو الوجدان أو العلم الذي لا دليل عليه الا العقل) هي اساس كل معرفة ولا يمكن مناقشة مدعيها بأي برهان، مادام كل برهان يعود اليه بالتالي.
وفيما يتصل بنظرية «دوركايم» نرى انه يعتقد ان الروح الجمعية اصل القيم ويسوق ادلة سوف نناقشها ونبّين مدى صحتها. ولكنه لم يطرح على نفسه السؤال التالي: لماذا يعيش البشر بصورة جمعية، وما هذه الروح الاجتماعية الموجودة في كل فرد فرد من المجتمع؟، وكيف ولماذا يهيمن المجتمع على سلوك الانسان؟
أليست قيم الانسان تدفعه لكي يعيش مع المجتمع، وانه من دون وجود المثل الاعلى عند الانسان، لكان الانسان يعيش فردياً فماذا يجيب دوركايم عن ذلك؟
انه في الواقع قام بقلب الحقيقة تماماً، ونظر اليها بصورة مقلوبة فانتهى الى حيث انتهى اليه، انه زعم ان غليان الماء في القدر الموضوع فوق النار هو سبب حرارة النار مع ان الحقيقة عكس ذلك تماماً.
وليس الناس سواء في التسليم للمجتمع، فمنهم يخضع له اكثر من غيره، والتجربة الموضوعية تدل على ذلك وقد اضحى ذلك ليس فقط علمية في اكثر من حقل علمي (علم التربية مثلاً) بل ان العلم اكتشف آلياته وقوانينه أيضاً86 فلو كان التسليم للقيم الاجتماعية خضوعاً آلياً. كما يراه «دوركايم» لما كان للانسان ان يتجاوز قيم المجتمع الذي يعتبره «دوركايم» الهاً (سبحان الله).
إن تغيير القيم عند الافراد دليل على عدم وجود حتميّة كاملة للقيم الاجتماعية.
واقوى شهادة على عدم وجود هذه الحتمية وجود نماذج اجتماعية يَتَحدّون المجتمع ويقاومون ضغوطه بكل شجاعة، بل ويثوّرون عليه ويغيرون قيمه.
وفي التأريخ مئات الشواهد التي تدل على اثر الافراد على قيم المجتمع، وكيف ان الانبياء والمصلحين استطاعوا صياغة مجتمع جديد بعد هدمهم لقيم المجتمع الفاسد الذي ظهروا فيه.
وحين يعود المرء الى ذاته يجد هذه الحقيقة بوضوح كاف، انه إنما يخضع لقيم المجتمع بسبب وجود ضغوط معينة تتبلور عادة في الاعراف والقوانين التي يتعرّض المخالف لها لعقوبات ادبية ومادية متنوعة، ولكنه يبقى حراً في ان يخضع أو لا يخضع لذلك المجتمع وهذا الوجدان يتعايش معه كل واحد منا كل يوم وفي اكثر من بعد. بل لو تبصّرنا قليلاً لوجدنا حياتنا اليومية سلسلة من الخيارات في هذا الحقل، فهل يكون بعد ذلك ادنى شك في «حرية» الفرد تجاه آليات الضغط الاجتماعي، التي يجب ان نجزءها ونبحثها آليه آليه، ولا يجوز بحثها بصورة مطلقة، وكأنها صخرة صلبة لا تتجزأ كما اراد دوركايم، أليس البحث المطلق واصدار الاحكام الكاسحة بعيدَْ عن روح العلم والتجربة التي يدعو اليها المنطق الوضعي87.
ثالثاً: تعتمد المدرسة الاجتماعية على تغّير القيم في المجتمعات كدليل على انها ناشئة المجتمع، والواقع يعتبر هذا الدليل المزعوم اقوى ما اعتمدوه في كلامهم حيث يقول مثلاً د. قباري:
ولكن صدور وجهة النظر النسبية ( relativity ) وظهور علوم «الاثنوجرافيا» و «الاثنولوجيا» والدراسات الانثروبلوجية الاجتماعية الحقلية، قد جاءتنا بمبادئ هامة لانها ادّت الى الالتفات وتوجيه الاذهان الى البُعد الاجتماعي والجوانب الثقافية التي يكمن في اعماق الحقيقة الاخلاقية استناداً الى ما نشاهده من قابلية النظم الاخلاقية للتغيّر في الزمان والمكان.
ولقد اكّد «رينيه ديكارت» هذه الفكرة حين يقول في مقالة عن المنهج: ما اعظم الاختلاف الذي يحدث في طبيعة الانسان إذا قدّر له بدلاً من ان ينشأ ويترعرع منذ حداثته بين فرنسيين وآلمان، ان يعيش طوال حياته بين الصينيين والمتوحشين88.
وقد طوّر أحد التابعين للمدرسة الاجتماعية (ليفي بريل) هذا الاتجاه فذهب الى ان مهمة علم الاخلاق (علم القيم فيما بعد) ليست دراسة ما ينبغي ان تكون عليه قيم الناس، لانه ليست هناك قيم ثابتة يشترك فيها جميع البشر حتى نبحث عنها، وانما هي مجرد تأثيرات الزمان والمكان على الانسان، وانما يجب ان نبحث قوانين هذه التأثيرات، يقول في ذلك د. قباري:
ان مصادر خطأ الفلاسفة، تكمن في فرضين اساسيين؛ وينحصر الفرض الاول في «ان الطبيعة الانسانية تظل على حالها دائماً، في كل زمان ومكان»89.
اما عن الفرض الثاني فمؤداه هو المبدأ القائل بأن «محتويات» الضمير الخلقي تؤلف فيما بينها وحدة عضوية متجانسة الاجزاء90.
وقال ليفي بريل عن المبدأ الاول: ان فكرة الانسان المطلق والعام هي فكرة مجردة وليست علمية، وانما يأخذ علم الاجتماع بالانسان الواقعي التأريخي او الانسان في ضوء الوجود الاجتماعي91.
واستعاض عنها بفكر الانسان الفعلي المعطي في الواقع الحي 92.
ولقد رفض ليفي بريل هذا المبدأ زاعماً اننا، إذا فحصنا محتويات ذلك الضمير بوحدته العضوية المتجانسة.
فما ابعد محتويات الضمير من ان تظل ثابتة لانها في صراع، ويلحقها التغيّر حيث تستبعد بعض العناصر القديمة حتى تحل وتنظّم في بنية الضمير تلك العناصر الجديدة، ولا يتم هذا التغيير دون اصطدام بين محتويات الضمير في استبقاء البعض واستبعاد البعض الآخر93.
وهكذا اخرجت المدرسة الاجتماعية، القيم وعلم الاخلاق من اطارها الفلسفي الذي يبحث عن المطلقات وعما ينبغي فعله وبالتالي عن معرفة الخير والشر الى اطار آخر، محتواه دراسة العادات والاعراف والظواهر الاجتماعية، وبالتالي دراسة الواقع دراسة موضوعية بعيداً عن الخير والشر، أو عن فكرة الواجب والحرام، وهكذا ذهب (البيربايية) وهو واحد من المتأثرين بمدرسة «دوركايم»، ذهب الى ان الطريقة العلمية الوحيدة تتمثل في حصر تلك الظواهر والقواعد الاخلاقية في قوائم محددة ثم تصنيفها وتبويبها، حتى يتسنى لعالم الاجتماع تفسيرها بإلقاء الضوء على اسبابها التاريخية ووظائفها الاجتماعية94.
ولنا حوار عريض مع هذه المدرسة في هذه النقطة بالذات يتبين عبر النقاط التالية:
اولاً: لم يأت هؤلاء بأيّ جديد إذ بيّنوا وجود متغيرات في حياة البشر، فمن ذا الذي ينكر وجود الاختلاف بين الناس، في عاداتهم واخلاقهم وشرائعهم، بلى ان الجديد ـ لدى علم الاجتماع الحديث ـ دراسة هذه الاختلافات وإرجاعها الى اسبابها الموضوعية ومحاولة اكتشاف قوانين جديدة من خلال هذه الدارسة، تتصل بعلم ظواهر المجتمع.
ثانياً: إن انكار وجود قيم ثابتة وواحدة عند جميع الناس، قائم على اساس المنطق الوضعي، الذي قامت عليه اساساً المدرسة الاجتماعية بصورة عامة، وقد سبق أن ناقشنا ـ في الفلسفة وعلم المنطق ـ 95 اساس المنطق الوضعي، وانه لا يصلح ان يكون منطقاً لكل آفاق المعرفة البشرية، وعلى ذلك فان اساس تطور القيم اساس واهي.
ثالثاً: كما ان التغير والاختلاف حقيقة ثابتة، فان الثبات والوحدة حقيقة ثابتة ايضاً.
ولك ان تقارن بين مختلف الحضارات وعبر مختلف العصور وفي مختلف المستويات لكي تجد ان هناك قيماً معينة يشترك الجميع في تقديسها مثل قيمة النشاط والاحسان والامانة وان هناك سلوكاً معيناً يشترك الجميع في تقبيحه مثل الجريمة والاعتداء والسرقة وما اشبه.
بالرغم من اختلاف تفسيره هذه المنطلقات باختلاف الظروف، الا ان وحدة المفاهيم، الكلية، لدليل على وجود اصول انسانية ثابته، ولعل واحداً من هذه الاصول والذي تعترف به المدرسة الاجتماعية وتتطرّف في التركيز عليه هو اصل الاجتماع، حيث تجد كل البشر يحبّذون العيش الجمعي ويمجدّونه، أو ليست هذه قيمة راسخة في النفس البشرية فكيف نفسرها لو لم نقل بانها جاءت نتيجة حس ذاتي عند الانسان.
والاصل الثاني الذي يتفرّع عنه قيم معينة، هو اصل التقديس، فأنّى كان الانسان فانك تجده يقدس شيئاً، مبدأ أو ديناً أو شخصاً أو وطناً، ويضفي عليه غلالة من الكرامة، ويستعد للدفاع عنه بقوة.
صحيح ان الناس يختلفون في مدى تقديس شيء. وفي طريقة تقديسهم، وفي الاشياء التي يقدسونها، وحتى انهم يختلفون في الترميز لما يقدسونه ولكنهم لا يختلفون في اصل التقديس.
وحتى المبادئ الملحدة ـ كالماركسية ـ التي انكرت الدين واعتبرته صنيعة الظروف الاقتصادية تراها تقدّس اشياء مثل الحزب أو قيمة وتلتزم بطقوس تجاهها.
ومن يخرج عن اطار التقديس العملي فانه يحس بالذنب في ذاته وهذا دليل وجداني لا يمكن انكاره.
وهناك حقيقة هامة: ان الفلسفة تركز عادةً على الاصول المشتركة والقواعد الكلية فترى الجانب الثابت من الحقائق بينما العلم يبحث عن الميزات والحدود والفوارق فهو يركز نظره على الجوانب المتغيرة.
واصحاب المدرسة الاجتماعية، الذين شرعوا قوانين عامة للمنطق، وزعموا بان كل شيء متغير، هم ينتمون الى الفلسفة، اكثر من انتماءهم الى العلم اذ انهم بدروهم عمّموا احكامهم واطلقوا فيها، ولم يخصّصوا بظرف أو بآخر، وحسبما يقول «جنز برج» ان «كونت» الأب الروحي للمدرسة الاجتماعية ومؤسس المنطق الوضعي، انه كان فيلسوفاً على الرغم منه، اذ انه كان يشرع للمنطق تطور مناهج الفكر فيطلق قانوناً ميتافيزيقياً خالصاً لا يستند الى الوضعيّة في شيء96.
وبتعبير آخر.. الوضعية والمدرسة الاجتماعية القائمة على اساسها قائمة على اساس الايمان بـ «ثبات» النظرية وعدم تغييرها، إذ انها تطلق احكاماً عامة، ولو كانت قائمة على اساس منطق المتغيّرات، لما كان ينبغي ان يعتمد عليها اصحابها إذ انها ـ على هذا الفرض ـ كانت قد تغيّرت منذ نشأتها على يد «كونت» حتى الآن ولما كانَت نظرية ثابتة في كل مجتمع، بل في المجتمعات التي نشأت بها فقط..
وهكذا لو طبقنا نظرية المتغّيرات على ذاتها لتلاشت.
وهكذا بالضبط ما حدث لكتابات «ليفي بريل» القائمة على اساس تغيير الفكر المنطقي وفقاً لمتغيّرات المجتمع فقد خالفه جمع من الفلاسفة من بعده مثل «برجسون، شميت، ورادين، وروبرت لوي».
فقال برجسون: ان بنية الفكر تبقى هي هي لا تتغيّر، ولا فرق بين المجتمع البدائي والمحضّر في الفكر، الا في المادة والتجربة التي يكتسبها الانسان من مجتمعه، تلك المادة الاجتماعية التي بدّلت الانسان تبديلاً عميقاً فزحفت عليه طبقات كثيفة من العادات، ولكنا اذا انتزعنا من الانسان تلك القشرة السطحية لوجدنا في اعماقه بنية الفكر الصوريّة تظل ـ كما هي ـ في حالها الاولى دون تغيير أو تبديل97.
اما قصة اختلاف المجتمعات في المنطق ومن ثم في القيم الناشئة منه فهي ـ حسب برجسون ـ خيال خصب عند «ليفي بريل» إذاً الانسان هو ذاته وفكره لا يختلف من جيل لآخر98.
وهكذا قال: د. قباري في معرض نقده لاعتبار الاخلاق ظاهرة اجتماعية (تتغير حسب الظروف) قال: ولكن الاخلاق ـ حتى كعلم عادات ـ لا يمكن ان تستقل عن امها الفلسفة ولا ان تتجرّد عن الاسس الفلسفية لكل ما تتناوله الاخلاق من مسائل الخير والشر، والتفاؤل والتشاؤم، والضمير الخلقي، والواجب كل هذه المسائل عندما تدرسها مجردة عن الشعوب وعاداتها الجزئية تصبح فلسفة من الدرجة الاولى.
وليس الدين ـ كما يدّعى الاجتماعيون ـ ظاهرة اجتماعية نستخلصها من دراسة مجموع الطقوس والشعائر الدينية، وانما يتصل الدين بمنابعه في القلب والضمير عن طريق اخلاص النية في الاتجاه، وبالتعبّد والمناجاة بعيداً عن كل شعائر أو طقوس99.
فلأن الانسان كان فيه فطرة الدين وجدت الشعائر الاجتماعية والطقوس العامة للدين «وليس العكس».
فالاحساس بوجوب العبادة كان سبب لوجود المسجد وليس العكس كما ان الاساس بالجوع كان سبباً لوجود المطاعم وليس العكس.
وحتى «دوركايم» حينما أراد التمييز بين الدين وغيره استخدم عبارة المقدس وقال: تفترض العقائد تقسيم الاشياء والعالم الى ما هو مقدس وما هو غير مقدس، واعتبر هذا التقسيم هو الصفة الممّيزة للفكر الديني مهما بلغت درجة سذاجته أو تعقده100.
ونتساءل: ما الذي جعل الانسان يميز بين المقدس وغير المقدس واساساً من أين جاءت فكرة التقديس لو لم تكن للانسان فطرة التعالي عن المادة والتحليق في سماء القدس والطهر المعنوي.
وكذلك رأى «موسى» ان كل الديانات نجد فيها نوعاً من المثالية الروحية التي تتجلّى في القربة من الله بالتسابيح والعبادات والقربان والاماني، وتلك مظاهر دينية خالصة101.
بل وحتى (اوجست كونت) مؤسس المنطق الوضعي اكّد على قيمة ثابتة في النفس البشرية هي منشأ الاخلاق حيث اعترف بوجود فطرة حب الآخرين واعتبره من اقوى الغرائز102.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب