فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
مصدر القيم في الواقعية الجديدة: النظرات التي تسمى بالواقعية كثيرة. وهي في مجملها تتخذ الحياة مصدراً للمعرفة ومحوراً للفلسفة، ولكننا هنا نتحاور مع واحد من أبرز الواقعية الجديدة التي تسود الحياة الفلسفيّه في أميركا، ولعلها بنت الاوضاع السائدة هناك، ذلكم هو «رالف يارتون بيري» (1876-1957) وتأتي اهمية دراسة فلسفة بيري103 ليس بسبب انها أعادت الاعتبار الى دراسة القيم وجعلتها محور الحضارة وانما ايضاً لأنها تبدو فلسفة سائدة في اكبر معقل للحضارة اليوم (اميركا) وحسب ما يقول مؤرخ الفلسفة المعاصر «اندريا ريك» فان هذه الدراسة توسع فهمنا للفكر الأميركي104. ونقطة البداية عند بيري رؤيته فيما هو محور الفلسفة، حيث يرى انه الحياة فهو يرى ان الفلسفة ـ حتى بالنسبة الى اكثر النقاط الفنية الخاصة بها ـ تتغمّس في الحياة، وشديدة التعلق بها؛ بدرجة لا يمكن فصلها بإشباع الحاجات وحل المشاكل العملية105. ويرى: ان نوع الفلسفة يتحدّد من خلال الدافع اليها، سواءً كان (الدافع هو) الدين الذي تصدر عنه المثالية، أو كان (الدافع هو) العلم الذي تنتج منه الوضعية والطبيعية106. وكانت هذه النظرية ـ عند بيري ـ منطلقاً لهجماته ضد الفلسفة البراجمائية والوضعية المادية وكذلك المثالية التي يصنف «بيري» الفلسفات الدينية ضمنا وقد قام بأكبر هجومه عليها. وكان يرى «بيري» ان المثالية هي التي تعطي الاولوية للفكر وترى اسبقية الوعي الادراكي وكون الاشياء تعتمد في وجودها على المعرفة107. وبيري يطابق بين المثالية والروحية، والتي سوف نبين مدى خطأه في ذلك، كما في بعض الاسس التي اعتمد عليها في فلسفته، ولكن الواقعية الجديدة قامت في حقل المعرفة على اساسين هما.. الاستقلال والخطأ. فالموضوعات الخارجية مستقلة عن الانسان الذي يدركها، وليست المعرفة هي التي تخلق تلك الموضوعات، بعكس المثالية التي رأت ان الموضوعات لا وجود لها أّلا في العقل المدرك لها ذاته، وزعمت ان الاعتقاد بوجود استقلال لها تدمير لصميم المعرفة108. أما بالنسبة الى المبدأ الثاني الخطأ.. فأن بعض الواقعيين رأى للخطأ موضوعاً خارجياً يكتشفه الادراك ويسمونه «الموضوعية النسبية» فمثلاً «هولت» يؤكّد: ان التناقض والخطأ واللاواقع توجد موضوعياً وانها ليست تشوّشات يقدمها لنا الوعي، فالعالم الخارجي (اللاعقلي) مليء بتناقضات لا واقعيات وهي قادرة ان يأتي للوعي بموجب عملية نفسية لا تقوم (بسبب وجود) عناصر للتشويه ووافقه على ذلك «مونتاجيو»109. وبالرغم من الاختلاف في طبيعة وجود موضوع الخطأ فيما بين اتباع المدرسة الواقعية الّا ان الاعتراف بأن الادراك لا يخطأ ولكنه يعكس الخطأ القائم في الوجود، بحث إثارته الواقعية الّا اننا نرى ان اهم دافع للواقعية الجديدة كان حذف الجدار الشائك بين الذات والموضوع. وايجاد احادية بينهما، ويتبين ذلك عبر النقاط التالية: أولاً: حسب اعتراف دعاة المدرسة الواقعية ان ايّة فلسفة لا بدّ ان تنشأ بدافع منتزع من واقع الحياة فاذا الواقعية الجديدة هي الأخرى نشأت بمثل هذا الدافع، ولدى دراسة الظروف التي تبلورت فيها هذه النظرية نجدها طغيان المثالية في الحياة الفكرية الأميركية مما حفزهم (الواقعيين) الى التصدّي لها بنظريتهم الجديدة110. ثانياً: المثالية ـ بدورها ـ جاءت رداً على اشكالات قائمة فرضت نفسها على الفلسفة منذ نشأتها وابرزها العلاقة بين الذات والموضع، فاذا كنت انا افكر فما هو الضمان ان يكون هذا الفكر مطابقاً لشيء خارج ذاتي.. وانما نعرف اهمية هذا الموضوع إذا عرفنا ان اصل ظهور المنطق والفلسفة عند البشرية كان يهدف تجنّب الخطأ حسبما اثبتناه في كتابنا «المنطق الاسلامي» ونقطة البداية هذه أثّرت تأثيراً بعيد المدى في سائر حقول الفلسفة ومنها حقل العلاقة بين المدرِك (بالكسر) والمدرَك (بالفتح) أو بالتعبير الحديث بين الذات والموضوع. ثالثاً: لان الفلسفة قد تغافلت عن الايمان بالله وجعله مصدر المعرفة ايضاً بذلك الذّي النور يقذفه في قلب من يشاء. فان هذه المشكلة تفاقمت عندها، فاذا كانت الذات تعرف بما لديها من عقل فمن يقول ان العقل لا يقع في خطأ كبير هو أنه يكتشف ذاته بذاته ثم يتصور انه قد كشف الحياة، وان الحياة قائمة خارج ذاته. ولكن كيف يمكن معالجة هذا المأزق؟ الواقعية الجديدة اخترعت نظرية الاحاديّة التي لا تخرج في جوهرها عن النظريات الفلسفية القديمة التي سميت في بلادنا باتحاد العاقل والمعقول. فلكي نثق بصحة معلوماتنا ووعينا بحقائق الاشياء دعنا نقول ان الاشياء كامنة في عقولنا وعن طريق ما سميت حديثاً بـ (المحايثة) واستخراج الحقائق الكامنة في الذات البشرية اصبحنا نعرفها، ولكن ألّا يقودنا ذلك مرة اخرى الى المثالية وانكار أيّ وجود خارج الذات يقولون كلا، لأننا ـ والكلام هنا للمدرسة الواقعية ـ نرى أن هناك نظاماً للاشياء والموجودات والعلاقات يوجد مستقلاً (عن الذات) سواءً أدركه العقل أم لا111. ولكن الوعي والمادة (الاشياء) عندهم حالتان متداخلتان وهكذا فان للعقل اهميته الكبرى عند الواقعية112. ولكن الطبيعة تصبح حاضرة عند العقل (الذات) وانما الوعي علاقة بين الذات والموضوع دون ان يكون أحدهما تبعاً للثاني113. ولكن السؤال المطروح هو اذا كان الوعي جسراً بين الذات والموضوع فكيف نعرف الكليات، وأين هي الكليات حتى نعرفها مثلاً: أين الانسان الكلي المجرد عن خصوصية الافراد حتى يصبح الوعي به جسراً بين الذات وبينه؟. هنا نجد الواقعية الجديدة ترتمي في احضان «افلاطون» ونظريته في وجود الكليات والتي تسمى بنظرية «المثل الافلاطونية» ولكنها تعتقد ان للكليّات وجوداً خاصاً مستقلاً عن الذهن، والانسان يتحسّس بها من خلال الجزئيات (الافراد) لأن كل فرد هو في الحقيقة جزءان: جزء متميز يشكل فرديته وجزء غير متميز يشكل الكلي فالاحساس بالفرد هو احساس بكلا جزأيه. وبتعبير آخر: الافراد الجزئية تحيا بطبيعتها في اطار كلي تجريبي تخضع له وتنتمي اليه114. ونرى المدرسة الواقعية الجديدة ان الوعي بالاشياء علاقة مباشرة وبلاواسطة صور بين الشيء والذات عبر الوعي، ولذلك فإدراكه يتم فوراً ومن دون أيّة ثنائية مما يسمى عندهم بالاحادية ابتسمولوجية. وهكذا فإدراك الشيء ووعيه هو ذات الشيء وليس صورة عنه. وعلى هذا فان الواقعية لا تؤمن بما تسميه المثالية المادية التي ترجع كل شيء الى المادة. بل ترى ان للعقل وجوداً متعالياً، بل ان هناك حقائق ليست عقلاً ولا مادة كحقيقة الرياضيات115 وعلى هذا فانها تؤمن بالمثل (القيم) وبالدين.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|