فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
نقد المدرسة الواقعية: رابعاً: ولكي تتبيّن مواقع الخلاف بيننا وبين هذه المدرسة التي تهيمن اليوم على الفلسفة الاميركية لا بّد ان نقول: ان السؤال الفلسفي الذي أثارته البشرية منذ بدايات الفكر الفلسفي ظلّ بلا جواب كاف باختراع الواقعية الجديدة فأيّ جديد نجده في المدرسة الواقعية؟ فاذا كان العقل هو ذات المعقول اصطدمنا بحقيقة لا يشك فيها احد، هي ان العاقل غير المعقول. فهل انت العارف بوجود الماء انت ذات الماء أو جزء منه أو حتى صورة منه. الانسان حين يكشف ذاته وما فيه يجد انه محيط علماً بالحقائق وانه غيرها. بل ان علمه بها يعطيه قوة وهيمنة عليها. والعلم كضوء كاشف يسلطه العقل على الاشياء فتتوضّح عند الانسان، ودليل ذلك ان توجيه العلم تلقاء هذا الشيء أو ذاك يتم بإرادة الانسان وبقدرته فلو شاء كشف هذا الشيء ولو شاء كشف ذلك. ولو شاء حجبه عن الاشياء فلم يكشف منها شيئاً. وقد يفقد الانسان العلم، فلا ينفعه الاندماج مع الاشياء فالطفل الصغير لا تنقصه الحواس، ولكنه غير عالم، كذلك الغافل والناسي والجاهل والساهي ومن أشبه. وهنا أثيرت مشكلة الخطأ، فكثيراً ما يظن الانسان انه عالم بحقيقة شيء وهو بها جاهل فكيف تفسّر الواقعية الخطأ؟ بعضهم قالوا: الخطأ علم بالخطأ وان موضوع الخطأ قائم موجود، ويبدو انه مجرد فرار من المشكلة فأيّ وجدان يقبل ان يكون الخطأ صحيحاً، فانت مثلاً تظن بوجود الماء هنا وليس ألّا سرباً فكيف حصل الاندماج بين الذات والموضوع فاذا قلت: الموضوع هنا هو ذات السراب قلنا فيكف زعمت انه ماء. ثم كيف تميّز بين الخطأ والصحيح، مادام كل منهما اندماجاً مع واقع موضوعي قائم؟ ثم المحايثة وهي التي تعنى احتواء العقل على عناصر المعرفة انها هي الاخرى لا تجدي نفعاً في توثْيق المعارف إذ المحايثة لا تستطيع ان تميز بين الصحيح والخطأ. بلى اذا كانت المحايثة، بمعنى وجود مسبقات ذهنية يستطيع العقل معرفة الحقائق بها من قبيل الاحكام العقلية التي آمن بها الفلاسفة، أو المقولات التي جاء بها «كانت» أو ما اشبه، فانها تملك رصيداً من الصحة فمعروف ان العقل لا يمكنه ان يعرف شيئاً لو لم يكن قابلاً لوعيه. والاحكام العقلية أو ما اشبهها هي تلك الحالة التي توجد في الذات (العقل) تستطيع بها استقبال الحقائق. اما اعتراف الواقعية بالمحايثة المستقلة، فانها نوع من مدارك الموضوع لكي لا يقع الانسان في خطأ المثالية. ولكن اذا قلنا العقل يكشف ذاته بالعلم فما الذي يدعونا الى الاعتراف بوجود الحقائق الخارجية اساساً؟ العقل يكشف ذاته والواقع: حين يطوف الانسان على نظريات المعرفة، ومدى الاختلاف بينها، بل مدى التناقض في كل نظرية، يجد انهم لا يزالون في اول الطريق، ويبدو ان اهم سببين لضلال البشرية عن حقيقة العلم وهي ابرز حقيقة وقاعدة لفهم سائر الحقائق الكبرى، هما السببان التاليان: أولاً: انهم تكلفوا معرفة حقيقة العلم، والعلم يكشف الاشياء ويكشف ذاته ولكن ليس كما يكشف الاشياء فهو إذا يكشف الحقائق يحيط بها ولكن حين يكشف ذاته يكشفها بصفتها محيطاً وليس محاطاً، فكل شيء عرفناه معرفتنا بسائر الاشياء (معرفة الاحاطة) فهو ليس بعلم لان العلم يحيط ولا يحاط وهكذا يعرف العلم بآثاره ومن آثاره كشف الاشياء والاحاطة بها وليس من آثاره الانكشاف بالاشياء. وهكذا تتسامى حقيقة العلم عن المعرفة، واولئك الفلاسفة حاولوا معرفة العلم بحقيقته لم يعرفوا الّا المعلومات بالعلم وليس ذات العلم. ثانياً: انهم لم يفقهوا ان العلم نور الهي صفته، اعطاه ضوء للذات تكشف به الموضوع، فالعلم ليس ذاتاً، حتى نقول باحادية الذات والموضوع، والعلم ليس من نسخ سائر الاشياء التي نقيسه بها انه نور كاشف وليس شيئاً مكشوفاً. وكما ان النار تحرق، والماء يسيل، والرياح تلقح، كذلك العلم يكشف، والغفلة عن ان نور العلم ليس من ذات الاشياء ولا من ذات الانسان جعلت الفلاسفة في حيرة فاذا كانت الاشياء نوراً اذاً لم يخف شيء منها واذا الذات نوراً اذاً لم يخف عليه شيء. كلا ان صفة العلم غير ذات البشر والله يعطيها للنفس البشرية (الذات) وهكذا يكون علم البشر من عند الله يؤتيه من يشاء، بقدر ما يشاء. والعلم ليس فقط يكشف الحقائق بل انه يعطي الانسان ثقة كافية بما يكشفه فالثقة بالعلم من ذات العلم ـ وهو ـ إذ يكشف الحقائق ـ يراها مستقلة عن ذات البشر، ومستقلة عن العلم ذاته، ومستقلة بعضها عن بعض، بالرغم من حاجتها الى بعضها تلك الحاجة التي يستدلّ بها العلم الى انها مخلوقة مدبرة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|