فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
4/ الطاعة في المذاهب الاخلاقية
المذهب الاخلاقي ـ أنّى كان ـ منظومة من التعاليم والاوامر. وعلى الانسان الانصياع لها، وبالتالي طاعة ذلك المذهب فيها وهنا يفرض السؤال التالي: لماذا الطاعة؟ وما الذي يبررّها سواءً في الدين أو في الفلسفة؟
الطاعة في المذهب الديني:
الاسباب التالية تدعونا الى الطاعة:
أولاً: لأن الله سبحانه اهل للطاعة، بالعاطفة الجيّاشة، والحب العميق.
ذلك لأن النفس قد جبلت على امرين:
الف ـ حب الجمال والكمال. وبالتالي حب من له الاسماء العليا والصفات الجميلة.
باء ـ التقرب الى الحبيب باتباعه وطاعته.
وعندما يعرف البشر ربه، وتتجلّى لقلبه أسماءه الحسنى، وصفات الكمال والجمال التي لا توصف، هناك يختار طاعته، وهذه أسمى درجات الطاعة. حيث يناجي الإمام علي ـ علهي السلام ـ ربه فيقول: بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.. أو يقول: (وهبني صبرت عى حرّ نارك فكيف أصبر على فراقك)123.
وقال الإمام زين العابدين ـ عليه السلام ـ في مناجاته لربه تعالى: فأنت لا غيرك مرادي، ولك ـ لا سواك ـ سهري وسهادي ولقاؤك قرّة عيني، ووصلك مُنى نفسي واليك شوقي (الى أن يقول) يا نعيمي وجنتي، ويا دنيايي وآخرتي124.
ثانياً: لأن الله سبحانه، قد أسبغ علينا نعمه، ظاهرة وباطنة، ومن الثوابت العقلية طاعة العبد لولي نعمته.
ثالثاً: لأن الله سبحانه جعل الثواب لأهل طاعته والعقاب لأهل المعصية، وهكذا قال ربنا:
«فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره»125.
ويبدو ان هذه العوامل تتداخل في نفس المؤمن وتبعثه الى طاعة الله، ومن يتدبّر كتاب الله المجيد يجد كيف تتداخل فيه هذه العوامل.
رابعاً: الانسان صنيع الله سبحانه، وقد نفخ الربّ فيه نفخة من روحه، وأودع ضميره حباً وعلماً وعزماً، وقد اركز فيه غرائز، وأجرى عليه سنن الخلق، فاتصلت نفسه بفيض من قيم الحقائق، واتصلت حياته بزخم من الانظمة الطبيعية (سنن الخلق) التي لا يستطيع عنها فكاكاً.
وحين يطيع الرب ينسجم مع تلك المعاني التي أودع الله فيها (الحب، العلم والعزم) كما ويندمج مع تلك السنن التي يتفاعل معها، فيشعر بالرضا والسكينة، وبخلاف ذلك يتحسس بالفصام وانعدام الامن، وكذلك الطاعة لله وللمثل، هي الكهف الذي يأوي اليه الانسان السوي بفطرته، وبأعمق مشاعر الانسجام في ذاته.
هكذا نرى خلفية الطاعة في الشريعة الاسلامية ـ حسبما يبدو لي ـ اما عند الفلاسفة فقد اختلفوا في خلفية الطاعة (تبرير الطاعة) اختلافاً كبيراً، بالرغم من ان بعض اقوالهم تعود جزئياً الى ما سبق آنفاً.
1ـ فمن تلك الاقوال ان الطاعة انما جاءت بسبب الإستسلام لقوة الطبيعة.
غريغوار:
تتصرف الطبيعة تجاهنا كما يتصرف سلطان شرقي تجاه «مماليك» له يستخدمهم في أغراض له غامضة.. فيتولّد لدى هذه المخلوقات التبعية (النابعة) شعوران: التمرّد لدى البعض، وحقدهم على الطاغية (وهذا هو الموقف الاخلاقي الذي يتوقّف عنده «شوبنهاور» schopenhauer).. والاستسلام لدى الآخرين، بل وحتى العرفان، وحب الهدف المجهول (وهذه هي وجهة نظر «فيخته» fichte .. كما انها وجهة النظر التي نجحت في الحفاظ عليها حتى الان..)126.
2ـ اما التبرير الثاني فيقول عنه غريغوار: (وتوجد مسيحية أصيلة من القديس اوغسطين حتى «باسكال»، ومن «فينيلون» حتى «كير كغارد» kier kegaard ) تنزع على العكس الى إعلاء شأن الحب المنزّه، غير العقلاني، بل وحتى المخالف لأيّ عقل ( «بموجب اللامعقولية»بحسب كير كغارد)127.
ولعلّ لامنطقية امثولة «الطفل الضالّ» ـ الإنجيلية ـ، هذه اللامنطقية التي أثارت استنكار الكثيرين من العقلانين، ليست سوى برهان آخر على التعارض الاساسي بين الفعل الاخلاقي (بالمعنى الديني على الأقل) والاستنتاج الفكري128.
ولكن البصيرة القرآنية ـ كما قلنا آنفاً ـ تدعونا الى حب الله حباً عقلانياً وطاعته طاعة عقلانية لأنه اهل الطاعة فإنّ (له الاسماء الحسنى)، ولعل الجنة والنار، والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة وحتى السعادة الشاملة التي تنتظر المتقين، كلها معراج لبلوغ تلك الدرجة من الحبّ العميق، فالطاعة هنا أخلاقية (لأنها ناشئة وجدان الإنسان ان ربه هو أهل للعبادة) وهي عقلانية لأن الضمير يقول: بضرورة طاعة المولى، وتنسجم مع مسلّمات العقل الثابتة، وهي مصلحيّة أيضاً.. لأنها تسبب الفلاح..
وهذه المصلحة قيمة حميدة يدعو اليها الدين، لأنها لا تتعارض مع سائر القيم، بل وتنسجم معها كاملاً.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب