فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
2/ مدرسة أرسطو ونقدها يبدو ان النظرية الاجتماعية عند ارسطو، الذي لقّب بالمعلم، لفرط تأثير افكاره (وبالذات في المنطق) انها قائمة على ثلاث قيم، العدل، والعقل، والحبّ، ولعلّ قيمة الحب هي الاسمى حيث تعني عنده الانجذاب نحو الصورة الاكمل (المتمثلة عنده في الإله) بينما العدل وسيلة حياتية (في حياة الفرد وفي حياة المجتمع) للتسامي نحو تلك الصورة الاكمل، اما العقل، فهو تعبير عن الفضيلة وضبط النفس للقيام بالدور المناسب لبلوغ الاهدف الأسمى. دعنا ندرس هذه القيم بتفصيل اكثر. 1ـ أما العدلُ فانه مقياس للفضائل العملية (السماحة، وهي المرحلة المتوسطة بين البخل والاسراف.. والعدالة، التي تقوم على الحفاظ على التوازن الاجتماعي، بصورة متعارضة أحياناً (العدالة الصارمة في المبادلات)، وبصورة توزيعية احياناً اخرى (التناسب مع استعدادات كل واحد، من ناحيتي العقاب والمكافأة) والصادقة، وهي ان يهب المرء نفسه بشكل نزيه ومطلق، ولكن ايضاً ان يكتسب خير ما لدى الطرف الآخر أخلاقياً)134… 2ـ أما قيمة العقل فإنها قيمة اجتماعية (اخلاقية) حيث يرى أرسطو: أن الانسان «حيوان خلق لكي يعيش في مجتمع»، وهو بالتالي درجة متوسطة بين البهيمة والإله135… اللّذان يوجدان منفردين. ولكن المجتمع ـ تلك الظاهرة الطبيعية ـ ذو غاية واضحة ودقيقة: وهي تنمية الفضيلة لدى اعضائه، ولذلك فان جميع الدساتير التي تميل الى تدعيم «العقل بدون الهوى» لدى الفرد صالحة136. وهكذا يظهر دور العقل في الحقل الاجتماعي، انه مقياس الفاضل ولكن السؤال: كيف نحقق مجتمع العقل عملياً وهو مجتمع «الديمقراطية المعتدلة» الذي يفضّله أرسطو حيث تعتدل الثروات في انسجام صحيح، وكذلك الامر بالنسبة للكفاءات، كما هو بالنسبة للرغبات الخاصة. وهذه نتيجة منطقية لهذا التأمل الاخلاقي الذي يشكل (بحسب تشبيه استخدمه أرسطو ذاته بشأن العدالة) قاعدة، ولكنها «قاعدة رصاصية» قابلة للتشكلّ بحسب كل قالب من قوالب الجزئيات الانسانية (فتتغيّر حسب الظروف المختلفة)، كما انها رمز لما يجب ان تكون عليه الحياة الاصيلة: أي التناسب المعقول بين النظام الكلي وبين المحل الذي يشغلهُ فيه الانسان تبعاً لطبيعته النوعية137. 3ـ اما كيف يصل ارسطو الى هذه النتائج؟ فهو ينطلق من عقيدته بوجود نظام أعلى يجذب اليه الانسان بالحب وكأنّ الحب هو الدافع نحو تطبيق العدل والعقل. «فليست الحقيقة خارج عالمنا، ولكن تحت أبصارنا، في الكائنات وفي الاشياء الارضية.. غير ان ذلك لا يعني ان هذه الاشياء والكائنات خالية من النظام ومن المعنى فالكون يبدو لارسطو كطبقات (مستويات) من الواقع ينتظمها تسلسل عظيم الاتساع تبطنه وتوجهه «تمتصه» حركة جامعة نحو الكمال. وكل فرد مزدوج التكوين، فهو مركب من «مادة» (هي قدرة على التغيير غير محدودة ومبهمة) ومن «صورة» (وهي ميل الى التنظيم والتحقيق البنياني للميزات الطاقيّة للمادة). ويستند كل مستوى من مستويات الواقع هذه الى السابق، مشكلاً، في الوقت نفسه، قاعدة للمستويات التالية، وهكذا يرسم الكون سلماً مستمراً يرتفع من حدّ الى حدّ نحو المستويات العليا. واخيراً فان هناك صورة الصور (الإله، أو المحرك الاول، أو الخير، أو الخ..) التي تكون ذروة الهرم وتبعتْ فيه الحياة دون ان تعرفه»138. وارسطو.. كما افلاطون وغيرهما من الفلاسفة. كانوا ـ فيما يبدو ـ ينطلقون من مسلّمة يريدون التنظير لها ـ وهي (النظام) أو القياس/ العقل أو (الفكر) الجمال/ أو (الحب). وكل يبرّر هذه الحقائق، بطريقته الخاصة بعد ان يكتشفها بوجدانه. والسؤال لماذا نحن لا نجعل هذه المسلّمات اساساً ثم نفكر في تطويرها عملياً؟ بتعبير آخر لماذا نحن بحاجة الى تبرير هذه الحقائق الثلاث (وبيان فلسفة نظرية مطوّلة لها) ولِمَ لا نكتفي بوجدانها عن تبريرها، فما دمنا قد اكتشفناها بالوجدان دعنا نجعلها منطلق بحثنا في بيان آفاقها. وإذا أردنا نقيم (وننقد) مذهب أرسطو الاخلاقي وفق معاييرنا التي آمنا بها فلا بد ان نقول: أولاً: العدالة كلمة طيبة وجذّابة ولكنها غامضة (ولعل هذا سرّ جاذبيتها لأن كل واحد يفسرها حسب هواه) والحدّ الوسط ليس معياراً فالحد الوسط من الظلم، ليس مطلوباً، ولا من أكل الخبيث، انما المعيار هو الحق، واعطاء الحق هو العدل. فلماذا لا نستبدل العدل بالحق لنكون أوضح واصدق. ثانياً: العقل ـ بدوره ـ مفهوم غامض، قد نختلف في ابعاده وآفاقه، فإذا كان العقل مخالفة الشهوات، فليس كل الشهوات (الميول والغرائز) باطلة، بل هي مطلوبة لاستمرار الحياة. وإذا كان المراد منه تطبيق العدالة، فالحديث يعود الى العدالة ما هي؟ ثالثاً: الحبّ ـ لا ريب ـ فضيلة بل هو أفضل فضيلة، اذا كان المراد منه التقرب الى الله رب القدرة والجمال والاسماء الحسنى، ولكنه ليس الفضيلة ـ الوحيدة ـ إذ ان المصلحة ـ التي تتجلّى في زينة الحياة الدنيا ـ هي الاخرى فضيلة ولو بنسبة أدنى، وعلينا الّا ننسى انها تشكل قيمة اساسية عند اغلب البشر، وبالتالي دافعاً مناسباً لهم لتطبيق العدالة والالتزام بالحق.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|