فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
3/ المدرسة الرواقية ونقدها
أول ما يصدمنا من فلسفة المدرسة الرواقية، هو ذلك الخلط العجيب بين الخالق والمخلوق وهذا هو اهمّ بند في مدرستهم حيث انهم يقولون:
1ـ «الكون» «الهي» بأكمله لأنه وليد «نفخة» أو «نار» هي ـ في الوقت نفسه ـ الإله والعقل والحياة معاً، وكل كائن (ولاسيمّا الانسان وروحه،) شرارة جزئية منها، اما المادة فليست ـ كما سيقول «برغسون» فيما بعد) سوى تثاقل انتقالي في هذا «التوتر الخلاق»: فهي ليست مبدأ يعارض الذكاء الأعلى، ولكن مجرد حالة دنيا لهذا الذكاء»139.
2ـ اما البند الثاني: فهو زعمهم بوجود وحي دائم في كل نفس، فالحكمة تعني: فهم هذا النظام وتقبّله، وما هو خير من ذلك، المشاركة فيه طواعية واختياراً من صميم الفؤاد. وان يعثر المرء في داخل نفسه على الوحي الالهي، الذي يتولد عنه كل شيء، ثم يطور هذا الوحي ويقيه من كل هوى أو أنانية أو رغبة، أي من كل ما هو «مادة»140.
3ـ اما القيمة الاساسية فهي الانسجام مع النظام: «وهكذا فان الفضيلة تستند بشكل ما هوي الى فعل وحيد هو التقبّل النهائي ـ للنظام ـ وهو فعل شبيه باللطف (الالهي) المسيحي، من حيث انه يحوّل طبيعة الكائن ويمنحه دفعة واحدة ذلك الثبات.. ذلك التجانس الداخلي.. ذلك التوافق الذي كان يفتقده مع العالم طالما كانت الاهواء هي التي تقود الكائن..»141.
4ـ ومن خلال هذه القيم، اهتمت المدرسة الرواقية، بأخوّة البشر، حيث عمدوا ـ بعد ذلك ـ الى تطوير فكرة كان منهجهم يحتويها بصورة ضمنيّة، وهي فكرة ان جميع البشر (بما فيهم «الغرباء» والعبيد) اخوة، باعتبارهم جميعاً وليدي نفس النفخة الالهية، مما كان من شأنه تعبيد الطريق لاخلاق اجتماعية مستوحاة من نظرة بشرية جامعة ومحبة للانسانية، مختلفة كل الاختلاف عن الاعتكاف المترفّع الذي يستنتج من مذهبهم نظرياً لدى اعتباره من زاوية أخرى.
5ـ وألحّوا ايضاً على الجانب الديني (الذي يستطيع شمول جميع العبادات ويأذن بالصلاة، ذلك الفعل المعبّر عن التواضع الواثق تجاه «الفاعلية المهيمنة» وهو الجانب الذي تتضمنه فكرة العقل الكلي.
6ـ واشاروا اخيراً (وهذا معنى مقالة ايبيكتيت الشهيرة «سوستين وأبستين» (sustine et Abstine ) الى المعنى الاخلاقي للاستقلال الذاتي الداخلي (لا تتوقف الفضيلة والسعادة الا على الرأي الذي نحمله عن الاشياء، وهذا الرأي من فعل ارادتنا وحدها).
7ـ كما اشاروا الى باطل الخيرات المزيّفة (كالثراء الخ) مما يجب الّا يستعمله الحكيم الا كما يستعمل «أثاثاً في فندق»142.
نقد المدرسة الرواقية:
بالرغم من المساهمات الايجابية لهذه المدرسة في التأمل الاخلاقي واثرها فيه خلال ألفي عام، فانها تنطوي على نقاط ضعف كثيرة في المنهج وفي النتائج نذكرها تباعاً:
أولاً: الخلط الغريب، بين مقام الالوهية السامق، ومنزلة العبودية، وقد سبب هذا الخلط في اخطاء كبيرة وقع فيها الفكر الفلسفي عبر قرون، الله سبحانه أكبر واعلى من ان يتنزل من مقام عظمته ويصبح مخلوقاً والعلاقة بينه ـ سبحانه ـ وبين خلقه ليست العلاقة بين البحر والسحاب، او النبع والرافد، بل هو الخالق الذي ابدع الكون إبداعاً وانشأه إنشاءً وهكذا فأن المسافة قائمة بينه وبين خلقه انّى اقترب الخلق اليه143.
ثانياً: القلب البشري يتلقّى نوعين من الوحي ويستمع الى نمطين من النداء: (الف) ـ القاء رحماني يوحي به ملائكة الرب رحمةً منه بالبشر، (باء) ـ القاء شيطاني منشؤه ضعف البشر وإبليسه المريد.
ولكن المدرسة الرواقية لم تعرفنا كيفية الفصل بين هذين الندائين، ودعت الانسان الى التأمل الداخلي، والاستماع الى وحي ضميره، حقاً انه مع التمييز بين الوحيين يستطيع البشر ان يكتشف حقائق كثيرة، الا ان ذلك لا يعني الغاء دور الوحي الالهي، غير المباشر، للانسان عبر الرسل والكتب، والذي لم تشر اليه المدرسة الرواقية.
ثالثاً: حين اعتبرت المدرسة الرواقية الفضيلة تقبل النظام طواعية، فانها قرّبت الينا فكرة التقوى، وهي قمية مباركة، ولكن السؤال الذي بقى عائماً وغامضاً هو: لماذا يتنازل البشر عن ذاته من أجل النظام، واذا كان تقبل النظام طواعية قيمة اساسية، فلماذا منُح البشر حرية اتخاذ قرار التقبل أو عدم التقبل؟
بلى البصائر الاسلامية تبلور فكرة التقوى (الف) ـ عبر بيان سلسلة من الروادع والمرغبات (باء) ـ كما تعتبر حرية الفرد اساساً لوجوده، وتجعل التوبة بعد الذنب، أهم حكمة، وهذا ما رفضته المدرسة الرواقية، التي زعمت ان الفضيلة لا تتجزاً وان الحكيم هو الذي يلتزم بكل ابعاد الفضيلة وان الجزئيات لا اهمية لها144.
رابعاً: اما فكرة الاخوة فهي لا ريب اعظم انجاز للمدرسة الرواقية، الا انها قد تتعارض مع فكرتهم عن الاعتزال والترفع، كما سبق..
خامساً: وفكرتهم عن العبادات ـ بالرغم من صحتها عموماً ـ تتنافى ونظرتهم عن المخلوقات، فاذا كان الخالق واحداً فلماذا العبادة؟ ومن يعبد من؟.
سادساً: ان تأكيدهم على زيف الخيرات الارضية تتنافى مع الجانب البشري، الذي اعترفوا به فالانسان يعيش ـ بالتالي ـ فوق الارض، ولا بد ان يتعامل من ما يجري في الارض من عوامل، وقد اوضحنا ان قمية المصالح الأرضية (المادية) يجب الا تنسى، بالرغم من ان قمية التطلّعات الروحية اعظم.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب