فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
4/ الافلاطونية الجديدة ونقدها في القرن (250/ب.م.) مزج افلوطين الإسكندراني، أفكار افلاطون، بالفيثاغورية الجديدة، مع تصوّف الشرق، وصنع منها فلسفة طريفة كان لها اكبر الاثر في بعض المذاهب المسيحية. ثم في بعض المذاهب الفلسفية عند المسلمين، بل وفي بعض الفرق الاسلامية. وقيم هذه الفسلفة الجديدة هي التالية: ترى هذه الفلسفة اصل كل شيء هو الواحد، وهو الالهي، وهو الخير المطلق، في كماله وتعاليه، ولكنه ينطوي على ميل (واندفاع) نحو الخلاقية والفيض والاشعاع التلقائي المستمر، وبالتالي، الى التكرر في الارواح الجزئية بصورة لا نهائية، وهذه الارواح الجزئية هم الكائنات التي تحتفظ كل واحدة منها ببعض ذلك الواحد والكائن المطلق. ومن هنا فان القيمة الاساسية تتمثل في عودة الأجزاء (الكائنات) الى الكل145. «اما الشر فهو بالتالي الابتعاد عن «الالهي» الاصلي، وأفدح من ذلك الأنغلاق داخل هذه «النهائية» وهذا الانحطاط وارتضائهما. واما طريق الخلاص فهي في حركة «تحول عكسي» هي عودة الروح تدريجياً نحو الإله، حتى يتم استغراقها فيه من جديد. وهذا ما تنجم عنه المراحل المختلفة للحياة الاخلاقية، وهي اولاً ممارسة الفضائل المتواضعة (التعفّف، العدالة الخ..) التي تطهر الروح بتحريرها إياها من الروابط المادية. ثم الحياة التأمّليّة بعدئذ، أي البحث في داخل الذات بواسطة «العين الداخلية» عن الحضور الإلهي، وهو بحث صادر عن وحي جمالي اكثر منه عن وحي عقلي، لأن الجمال يشكل ـ بحسب «افلوطين» ـ الانعكاس الارضي للخصب الحي واللامتناهي للخير ويدل عبر المادة على «النظام» أي «الاحد» الذي يصدر عنه الجمال. ونصل اخيراً (لأن هذه المرحلة ليست سوى تأهيل للحياة الالهية) نصل الى الوجد146. وبالرغم من عدم وجود قيم حياتية واضحة لهذا المذهب الا انه ـ لا شك ـ قد القى ظلالاً على سائر المذاهب الفلسفية، وبالذات المذاهب الصوفية، التي وجدت في مدرسة افلوطين تبريراً مناسباً لافكارهم، وبالرغم من ان التصوف (تحقير الدينا والزهد فيها) قد وجد تبريراً له في اكثر من مذهب فلسفي، مثل المدرسة الكلبية التي بررت الزهد والمدرسة البيرونية (300 ق.م) التي اعتبرت الكون وهماً، واستنتجت من ذلك قيمة الامبالاة بالرغبات، الا ان المدرسة الافلوطينية التي نسبها المسلمون خطأ الى افلاطون، كانت ذات اثر بالغ على الفكر الفلسفي عندهم، وبالذات المذاهب العرفانية والصوفية، وقد شرحنا ذلك بتفصيل في كتابنا: العرفان الاسلامي ونقدنا هذه المدرسة من البعد النظري ولكن لا يمنعنا ذلك من الاشارة الى نقد الجانب العملي هنا: اولاً: اساس مدرسة افلوطين قائم على نظرية الفيض التي ترى ان العلاقة بين الخالق والكائنات هي العلاقة بين الشمس وشعاعها، والبحر وقطراته. وهي نظرية باطلة اذا انها تكفر بقدرة الخالق على الخلق، وبأي علم وتدبير له (اذ النظرية ترى ان صدور المخلوق من الخالق يتم بغير إرادة منه, وحتى بغير وعي) وتكفر بقدرة الله على تغيير الكائنات وعلى اعادتها بعد فنائها (البعث). وهي اساساً مجرد فرضية لا دليل عليها، بل ادلّة الوجدان تهدينا الى خلاّقية الرب، وما للكيته وعلمه وقدرته سبحانه. وهكذا نجد في الكائنات، آيات المخلوقية والمعبدودية، وتهدينا تلك الآيات الى انها كائنات مخلوقة، وليست من ذات الالوهية، كما تهدينا الى ان خالقها خلوّ عن صفاتها. ثانياً: حركة المخلوق الى سماء الخالق تعتبر قيمة سامية، ولكن لن يتم استغراقها فيه، فهي حركة دائمة لا تنتهي الى نقطة الاندماج، وبالتالي ليست هناك نهاية لتقدم البشر. ثالثاً: الفضائل التي نعتها افلوطين بالمتواضعة هي ـ في الواقع ـ اصل فضائل الانسان ـ (التعفّف ـ العدالة) بينما تلك الفضائل التي نعتها بالتأمل عبر الداخلية، ليس ألّا صدى قيمة الجمال التي اعتبرتها مدرسة اثينا إحدى القيم الثلاث، بالاضافة الى النظام والعقل. وقد قلنا ان هذه القيم، التي نجدها في انفسنا، لا تحتاج الى تبرير فلسفي، لأنها قيمة ذاتية فطرت النفس البشرية عليها، ولها من الوضوح والتجلّي اكثر من التبرير الفلسفي الذي يختلفه البعض لها، ومثلهم مثل يبرر الجوع والعطش والنعاس، تبريراً فلسفياً، ويريدنا الاقتناع باهمية هذه الأحساس بسببها. رابعاً: ان قيم الحياة الدينا ليست عبثاً، وعلينا ان نهتم بها، كما تهتم بتلك القيم العليا، لأن كلتا القيمتين تشتركان في إننا نحس بها وننتفع بها، بالرغم من ان الحياة الآخرة أهم من الحياة الأولى، لما فيها من الخلود والعمق حيث يقول ربنا سبحانه: «والآخرة خير وأبقى»147 الا ان الحياة الدنيا تتسم بأهمية الحضور الفعلي، وبأنها تمهيد للآخرة فهي بمثابة المرزعة، وتلك بمثابة الحصاد، بل ان الحياة الثانية ليست سوى امتدداً للأولى، فأيّ مذهب يتجاهل الحياة الاولى وما فيها من مصالح يعتبر مذهباً خاطئاً وغير قابل للتطبيق، وهذا النقد لا يخص المذهب الأفلوطيني فقط، بل يشمل كل المذاهب الصوفية التي الغت دور الانسان في هذه الدنيا، والغت القيم المادية التي تحركه فيها.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|