فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
5/ المذاهب العلوية الجديدة مونتاني مدرسة مونتاني التي تعتبر خليطاً من الافكار الرواقية والبيرونية والابيقورية وحتى المسيحية المحافظة، هذه المدرسة افتتحت عصر التأمل الاخلاقي الجديد في اوربا وقد اتبعه باسكال في اكثر افكاره. وترى هذه المدرسة، وجود نظام طبيعي انشأه الرب تعالى، وهذا النظام غاياته التي تقصر عقولنا دون وعيها جميعاً، ومن هنا فلانقطع بشيء (لا افكار الملحدين ولا تعصب المتدينين) وانما القيمة الاسمى الاستسلام للطبيعة. والسير وراء الاعراف التي سار عليها الاقدمون، وعرفنا صحتها من قدمها، والاستفادة من كل الخيرات في الارض، وعدم العسر (والتكلّف) والابتعاد عن الطموح (الحرص) وتقبل الموت والالم لأنهما من الطبيعة148. نقد مدرسة مونتاني: فكرة النظام الالهي وقبوله، وفكرة نقص عقولنا عن معرفة كل اهدافه، تعتبران فكرتين مقبولتين عموماً ولكنهما ناقصتان، اذ اننا قد أوتينا (بالعقل والوحي) معرفة ما يرتبط بنا من اهداف النظام العام، وهي قيم الحق (التقوى) والعدل والاحسان، وبالتالي ما يقربنا الى ذي العرض سبيلاً الذي قدّر النظام ولا يزال يدبره. اما الانتفاع بالطبيعة فهو محمود في اطار تلك القيم. اما الحرص والاسراف فلا ريب انما يؤديان الى ما يناقض تلك الاهداف والقيم العليا. ديكارت ديكارت الذي يعتبر، المهيمن على تطور الفلسفة المعاصرة، يرى القيمة الاخلاقية استخدام الاهواء في سبيل السلوك المناسب، باعتبار الانسان جسداً وروحاً وهما متفاعلان، والاهواء تتزكّى بإصلاح الجسد (الطب) وتنمية الارادة. وهذه الثانية اعظم الينابيع الخلقية وكلما وعى الانسان دوره في الكل (الوطن ـ الانسانية ـ الكون ـ الإله) كان افضل وكلما ازداد حباً وطاعة لذلك النظام الالهي ازداد هجراً لمصالحه الذاتية. وتلك اعظم القيم عند ديكارت. اما نقد هذه النظرية فسوف نؤخره قليلاً لحين دراسة تلميذه مالبرانش الذي بلور نظراته في المذاهب الأخلاقي. مالبرانش ـ تلميذ ديكارت اما الفيلسوف مالبرانش، الذي يعتبر تلميذاً لديكارت، ومسيحياً ملتزماً، فقد بلور نظرات ديكارت وذكر في بحث في الاخلاق (1684) ما يعتبر عنده القيم الاصيلة. انّ كون المرء فاضلاً يعني خضوعه لهذا النظام (الالهي)، دون ان يكون هذا الخضوع ناجماً عن طاعة بسيطة فحسب (لأنه ليس في طاقتنا في الواقع ان نقاوم الله بأية صورة من الصور) ولكنه ناجم عن حبّ وما يعنيه حب النظام هو: ان نوجه تصرفنا تبعاً لاعتبار واحد فقط هو الرتبة النسبّة من الكمال التي منحها الله للمخلوقات: فذلك إنماً «يقدر حصانه اكثر من حوذيه أو يعتقد ان حجراً اجدر بالاعتبار من ذبابة» يرتكب إنّماً بحق النظام، وينحدر الى هوة الشر.. تلك هي القاعدة الوحيدة التي يجب ان توجه الفاعلية العملية، فمن الواجب الخضوع للأمير على سبيل المثال، لانه التقمص لاعلى في الارض للجلالة الإلهية، ـ وذلك طالما كان الامير ذاته خاضعاً لها ـ، كما ان من الواجب بذل المودة والاحترام للناس.. على ان يكون ذلك بصورة متناسبة مع جدارتهم الحقيقية، أي درجة مشاركتهم في الإله. (وهذا ما يعني بالتالي ان المبشّر المتواضع يستحق التقدير اكثر من عالم كبير)149. ويضيف: ان الفضيلة تتضمن جهداً في التأمل العقلاني، الذي لا نستطيع ان نبلغه، دون لطف الهي، ولكنه هو السبيل الوحيد الذي نصل عبره الى نور ذلك النظام الكمالي الثابت. نقد المدرسة الديكارتية: لقد توصل ديكارت ومالبرانش الى قمية القيم وهي عبادة الله، او الخضوع للنظام الالهي، وسبيل ذلك اخضاع الهوى للإرادة، تنمية الارادة، والتسامي الى العام (قبل الخاص) وان الدرجات التي رتّب الله الكائنات عليها يجب ان تحترم. ولكن هذه المدرسة لم تبين الاهداف الحياتية التي سينبغي السعي نحوها، وما هي تلك الاولويات الحقيقية التّي نجدها في النظام الالهي. اسبينوزا (توفي عام/ 1677) كان ينزع الى وحدة الموجود، ويخالف ثنائية ديكارت، فليس الجسد والروح سوى مظهرين (لا يبدوان متمايزين الا عندنا) تتجليان عند الحقيقة الواحدة (الإله ـ الطبيعة، أو ما اشبه) اما في الاخلاق فهو يرى على انه يوجد هنالك حكمة، كما يوجد مثل اعلى للكمال. اما قوامهما، فهو الاندماج عن طريق الفكر، وبشكل متعاظم الوضوح باستمرار، مع النظام الخالد، وفهم هذا النظام، والخضوع له باندفاع بهيج. ومن هنا يتأتي ذلك المظهر، الانتفاعي أحياناً، والصوفي احياناً أخرى، والذي يتميّز به التأمل السبينوزي، ذلك ان شمولية الإله التي تبرر كل شيء تدعونا الى عدم احتقار الخيرات الأرضية، وهي الخيرات الصادرة عن الإله (فالفرح صالح، والحكمة «تأمل لا في الموت بل في الحياة»، وكذلك فإن من فعل الرجل الحكيم استخدام الحياة والاستمتاع بها ما أمكن ذلك..)، ولكن شمولية الإله تحثّنا ايضاً على التحكم في اهوائنا، وعلى الهرب منها في سبيل التمكّن من تكريس النفس الى ذلك الحبّ العقلي المنزه عن الغرض لـ«الإله ـ الكل». وهذا هو التعبد الوحيد الذي ينبغي ان نقدمه له (لإن الاهواء تميل الى ربطنا بمظاهر في الكون عابرة وجزئية، والى تفريقنا بالتالي عن الإله)150. ومفهوم الحرية عنده الاندماج مع نظام الخلق اكثر فأكثر، وكذلك الخلود هو العودة الى الله المطلق الخالد والفناء فيه، والحكمة عنده: حب الله المتجلّي في التواضع للناس، الذين إن أخطأوا فلأنهم مجبورون على ذلك، فلا داعي للحقد، ويؤكّد على ضرورة الطاعة للنظام السياسي لأنه يوحّد الناس (والوحدة قيمة عليا عنده) اما إذا سبّب النظام السياسي في تقسيم الناس فلا. نقد اسبينوزا: اساس نظرية هذا الفيلسوف قائم على وحدة الخالق والمخلوق، وهي التي بيّنا خطأها، اما الحكمة عنده فهي الطاعة التي يبالغ فيها الى درجة تتحوّل الاخلاق عنده الى حالة من السكون والانفعال، وكذلك فان الحرية الانسانية تتلاشى، تذبح فداءً للوحدة والنظام، كما ان فضيلة ضبط الاهواء قد تقودنا الى سلبية التصوف، فان الفردية التي يريد هذا الفيلسوف الغاءها، قيمة إلهية ايضاً، ومصالح الناس، ينبغي ان تراعى كما مصالح المجتمع. لايبنيتز (توفي عام/ 1716) كان هذا الفيلسوف الذي استبدت به نزعة وحدة الوجود (فكل كائن ـ عنده ـ وحدة روحية خالصة) يسميها بـ(مونادة) أي الذرة الروحيةـ، وهي تعكس ـ بصورة شبه شاملة ـ كل الادراكات الحسيّة الاخرى، وهذه المجموعة ذات ميل داخلي تلقائي لجعل النظرة الى العالم المتشكلة منها تزداد وضوحاً باستمرار. وعلى هذا فان طريق الكمال هو تأييد هذا الانتقال الى ادراكات حسية اشدّ تميّزاً 151. وبالنتيجة فان الكون الذي اسبغت الشرعية ـ بهذه الصورة ـ على كل جوانبه، هو اذن «مجتمع مع الله»، يجب فيه على كل فرد في الواقع العملي ان يكرّس جميع افعاله لأجل «توضيح» المونادات، بما فيها موناداته بالذات، الى ذلك القضاء على الاهواء المضللة، وتوحيد النفوس، وإدخال اقصى حدّ من العقلانية في كل مكان.. فتلك جميعاً أشكال من محبة الله والانسجام الذي خلقه, وعبادتهما 152. وهذه النظرية تشبه تلك التي سبقت. ونقدنا إياها ذات النقد السابق. وبالذات فيما يتصل بأساس النظرية القائمة على مفهوم وحدة الوجود، بلى في النظرية جوانب مشرقة مثل عبادة الله. ولكنها عبادة تنتهي الى سحق المخلوق، وهي عبادة لا يرضى بها الرب، لأنه لم يخلق الناس ليسحقهم، بل ليرحمهم.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|