فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الرابع: المذاهب الدينية
1/ المزدكية (الزردشتية)
2/ الكونفوشيوسية والطاوية
3/ اليهودية والمسيحية
4/ البروتستانتية
5/ الأديان العلمانية الحديثة
1/ المزدكية (الزردشتية)
منذ زرداشت (بين العاشر والسادس قبل الميلاد) الذي منهج الفكر الايراني في الاخلاق، حتى القرن الثالث الميلادي، حيث ولدت المانوية، كان الفكر الاخلاقي الايراني ذات اهمية في ابراز المسؤلية الانسانية، ولكن بتبريرات غير سليمة، حيث ان المزدكية مذهب ثنوي ينصّ على وجود مبدأ للخير هو (مزدا) أو «اهورامزدا» وهو يميل الى ان يخلق ثانية في الكون، حالة المباهج والكمال، التي عرفها هذا الكون قبل أن يأتيه «اهريمان»، مبدأ الشر، ليفسد كل شيء في المادة، كما في الروح، وتتضمن عملية الاستعادة هذه مساهمة الانسان في مساعدة الإله في هذا الصراع الدائر من اجل «السعادة الخالدة». ويصف لنا كتاب المزدكية المقدس (الـ«آفستا») بالتفصيل مراحل هذا الصراع، وتطورّاته، والنصر النهائي.
وتكمن اصالة المزدكية، ليس في هذا المفهوم الجديد فحسب عن تاريخ العالم، (أي مفهوم تلك العملية التطورية التي يندمج فيها الانسان) ولكن في القيمة التي تنسبها المزدكية الى الوجود والجهد البشريين. فكل فعل من افعالنا، يمكنه ان يؤثر في المعركة، حيث الخير هو ما يخدم قضية «اهورامزدا» والشر ما يعارضها. وهذا مصدر الاخلاقية الآمرة التي توصي بشكل اساسي بالصدق، والاشمئزاز من الكذب، والاستقامة الاخلاقية، وكذلك بالعمل الذي هو مساهمة فعّالة ـ منذ الوجود على هذه الارض ـ في اعادة بناء مجال خصيب وسعيد153.
ونقد المزدكية لا يأتي من زاوية النهايات التي استهدفتها والتي تبدو مطابقة مع الاخلاق الفاضلة التي دعت اليها الديانات السماوية (ومن المعتقد ان الزردشتية كانت منها ثم حرّفت كغيرها من الاديان السابقة) ولكن النقد يأتي من فلسفة هذه الاخلاق وبالذات فيما يتصل بسلب قدرة الرب (الذي تسميه المزدكية مزدا) من تغيير العالم إلا عبر حركة الانسان نفسه.
بلى تأكيد المزدكية على دور الانسان في تطوير حياته، والعالم المحيط به يعتبر من اعظم الافكار الايجابية التي اكّدت عليها رسالات السماء، ومنها رسالة الاسلام، التي جاء فيها «ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
2/ الكونفوشيوسية والطاوية
الكونفوشيوس (القرن السادس قبل الميلاد) تميّزت ديانته ـ (الصينية الاصل) ـ بالاتجاه السياسي، وآمن بالسنّة الموروثة، واعترف بالقيم التي تنشأ اساساً من البر، (برّ الأبناء لآبائهم) حيث رأت هذه الديانة: ان البرّ التقي بالذات، هو المصدر الذي تستمد منه الفضائل الاخرى: طاعة ولي الامر، واجبات الزوجة تجاه الزوج، الواجبات تجاه الاسرة، تجاه الصديق، تجاه الآخرين. وهكذا فان هذه الاخلاقية تقوم على الحدب الكلي، المستند ـ ولنكرر القول ـ الى فكرة وجود النظام (أو لعلّه ما يقارب نظاماً) في الطبيعة. وتتجلى في المقام الأول على شكل التهذيب البالغ الذي تتميز به الآداب الإجتماعية 154.
وقريبة من الكونفوشيوسية هي الديانة الطاوية التي تجعل المثل الاعلى في التبسيط الذي يقود الحكيم الى الصوفية وفضيلة التبسيط تعود الى فضيلة الوحدة تلك الحالة الأولى التي كانت قبل انتشار الشر في العالم بسبب التعدد ولا بدّ من العودة الى تلك الوحدة.
وتتطلّب هذه «العودة» اخلاقية سلبية جداً تقوم على التخلّي عن العقل، وعن الدراسة، وعن التطلّع الى المعرفة.. مما يجعل المثل الاعلى في «التبسيط» الذي يقود الحكيم في الواقع العلمي الى الصوفية، والى الرأفة الكلية والتواضع «رفض طموح الشهرة) 155.
وليس في هاتين الديانتين الا آثار من الديانة الإلهية التي يبدو انها كانت في تلك البلاد قبل ان تنالها يد التحريف، فوجود نظام اعلى يجب ان نكيّف انفسنا معه، ووصايا عملية تستنبط من ذلك النظام، وهي على العموم وصايا اجتماعية تخفف من حدّة الصراع بين الناس (الطاعة ـ الالتزام بالواجبات ـ التواضع) هذه تشبه آثار الديانات الإلهية.
3/ اليهودية والمسيحية
بالرغم من تناقض فقرات العهد القديم إذ ان الرأي السائد اليوم، يبدو وكأنه يفرض تقبّل فكرة أن «العهد القديم» عمل لا متجانس مكوّن من مجموعة من العناصر المنتمية الى مصادر وأزمان شديدة الاختلاف156.
الا ان حصيلة الرؤية اليهودية هي ـ كما نعرف ـ رؤية أحدية (كما الديانات الكبرى) وان المثل الاعلى فيها طهارة القلب واحترام العدالة. فالعالم مملكة الرب خالق الكون والانسان المهيمن الجبار الذي يعدّ بالثواب الذين يحبونه ويحفظون وصاياه بينما يوقع عقاباً شديداً لمن يعصيه.
وهكذا يكون المثل الاعلى طاعة الله والتقرب اليه، واما القيمة الاساسية في الأرض فتتمثّل في الطهر الذي يساوي تزكية النفس والعدالة التي تعني إيفاء حقوق الآخرين والتي يفصلها الوصايا والتعاليم الاخلاقية التي «تتضمّن من جانب تعاليم طقوسية أو متعلقة بالصحة الخاصة والعامة»، كما تتضمّن بالإضافة اليها قواعد ذات قيمة اخلاقية رفيعة. هناك من يجهل مضمون الوصايا العشر Le Decaloguc : الاحترام البنوي.. احترام زوجة الغير.. احترام الحياة البشرية.. تحريم السرقة.. تحريم الكذب.. تحريم الحسد.. وكلها فرائض واجبة لكونها اوامر صادرة عن إله يعلم حقوقه كما يعلم واجباته 157.
المسيحية:
أما المسيحية فإنها تعتمد ـ في العموم ـ ذات المفاهيم اليهودية وفيها اتجاهان: متشائم ومتفائل.
1ـ اما الاتجاه الاول فهو متشائم نسبياً، فالله خالق السماء والارض، ولكن هناك الشيطان الذي يجرّ الانسان الى حيث الخطيئة، واما الشيطان فهو المخلوق المتمرّد الذي سقط، وجرّ معه في سقوطه آدم وحواء 158..
وهكذا جعلت المسيحية من العالم منفى و«وادياً للدموع».. ولذا فأن الشاغل الوحيد للمسيحي يجب ان يكون «حزن الكنوز في السماء حيث الديدان والصدأ لا تفسد شيئاً».. («لا تكنزوا كنوزاً لكم على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ».. انجيل متّى الإصحاح 6 العدد 19)، وهذا ماينتج عنه اخيراً احتقار كل ما يربطنا بالحياة، واحتقار الاهواء والحبّ الشهواني.. وكذلك احتقار الذكاء المتكبّر («طوبى للمساكين بالروح»).. بل ولعلّ الخلاص ذاته كما ارتآه القديس بولس ـ ايضاً ـ غير ممكن الا باللطف الإلهي، لا بالأعمال الارضية 159.
2ـ الاتجاه الثاني يتمثّل في المذهب الانجيلي المتفائل لأن «البشارة» المسيحية هي ان الله قبل كل شيء أبّ لا متناهي الحدب والناس اطفاله.. ويتلخّص إصحاح الناموس والانبياء بالقاعدتين التاليتين: محبة الله («احبب الرب إلهك من كل قلبك»).. ثم لكي نقدم له خير دليل على هذا الحب محبة الغير «كما تحب نفسك» («واحبب قريبك كنفسك»).. وهذا ما يبرّر ـ كما تجدر ملاحظته ـ إدانة كل ما قد يضلّنا عن هذا الحب (كالأهواء والثراء..) وادانة الذكاء (الذي لا فائدة منه لأن مملكة السموات لا تفتح ابوابها الا لمن عاد الى طهارة الطفل وبساطته: «الحق اقول لكم ان لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد لن تدخلوا ملكوت السماوات» ـ متى 18-3) 160...
والواقع ان المسيحية التي قادت العالم الغربي عشرين قرناً، انبعثت من ذات الينبوع الموسوي، وهما ـ في الاصل ـ شعاعان لذات السراج، ولكن التفسير المختلف لنصوصهما التي جاءت تعبيراً عن حقائق مختلفه، والزيادة فيها، بسبب تسرّب الفلسفة اليونانّية والقوانين الرومانية اليهما، كل ذلك سبب التناقض فيهما، ولدى التأمل نجد ان اصول هاتين الرسالتين واحدة (ومصدقة لبعضهما كما انهما مصدّقتان للإسلام) وهي تتمثل في مثل الحق ,(العدالة الصارمة) والرحمة (الحب وتقدير ضعف البشر) واحترام العلم والعقل (المعرفة والايمان).
ولعدم الايمان بان الرسالات الإلهية ذات منشأ غيبي تجد مؤرخاً مادياً (غريغوار) يقول:
«ولكن المسيحية تطوّرت بعد ان اندمجت بأنها حققت تركيباً من الاتجاه المسيحي المحض الذي يعتبر الإله أباً تنبغي محبته، ومن الكفرة (العبرانية بالاحرى) التي تنظر اليه كسيّد يجب خشيته، ومن المفهوم اليوناني الذي يعتبر الإله، الذكاء الاعلى الذي يجب عقلانياً احترام قوانينه»161.
وأنّى كان، فان المسيحية اليوم، تنقسم الى مذاهب شتى، يعتمد كل مذهب مثلاً من هذه المثل الثلاث: القدرة (العدالة الصارمة) والحب (التسامح والرحمة) الذكاء (المعرفة والعقل) وهذه المثل ـ في رأينا ـ ثلاثة اسماء حسنى للرب الواحد الاحد فهو الله العزيز (المقتدر المجزي المثيب) وهو الله الحبيب (الرحمن الرحيم الغفور) وهو الله العظيم (المتعالي المتكبر خالق السماء والأرض).
أما المذاهب المسيحية الثلاث فهي:
الف ـ المسيحية العادلة:
فالله ـ قبل كل شيء ـ هو الرب المقتدر، وله نواياه واغراضه، التي لا نستيطع لها إدراكاً، وهو الذي ينقذ من يشاء انقاذه، اما الانسان فهو مذنب قبل كل شيء.
هذه هي المسيحية التي نادت «الجانسينية»، وهي مسيحية محمومة مبنية على الخشية. وكذلك فان «الجانسينية» ليست اعتقاداً (لاهوتياً) بالقدر السابق المحترم بمقدار ما هي مبدأ اخلاقي صارم لا يعرف التساهل 162.
باء ـ أخلاق القلب:
وعند هذه الطائفة تعني المسيحية عاطفة ورحمة، فالله محب، قبل كل شيء، وتقليد يسوع المسيح هو الاندماج في الله (كما قال القديس بركار) عن طريق نبذ العالم وما فيه من خيرات. (ثم ممارسة) الصلاة، فالخشوع، والممارسة الذاتية للإحسان وبذل النفس للغير.
وهذه المسيحية تشكّل الاتجاه الحالي للكاثوليكية (ولا سيّما الفرنسية) التي ترغب باستعادة «الجماهير» اليها عن طريق العودة الى «ديمقراطية» المسيحية الاصلية 163.
جيم ـ الاخلاق العقلية:
وهي صدى لأفكار أرسطو يرى ان المبادئ الاسايسة للأخلاق موجودة في النفس البشرية (بالرغم من حجب الهوى لها) وهذا هو موقف القديس توماس (الذي شاع)، ـ بشكل خاص ـ، بين الكثيرين ممن اعتنقوا هذا الرأي، يمزج بين ارسطو والوحي المسيحي، مؤدياً الى تمييز أربع فضائل «طبيعية» يدخل في طاقة الانسان اكتسابها بمفرده (وهي العفّة والشجاعة والحكمة والعدالة) وثلاث فضائل اخرى (لاهويّتة) لا يستطيع اكتسابها الا بفضل اللطف الإلهي (وهي الايمان والاحسان والأمل) 164.
4/ البروتستانتية
التفسير اللوثري للقيم المسيحية، الذي تأثر بالروح الالمانية (التحرر من غلّ الماضي، والانطلاق في رحاب الفاعلية) أن الوجود لا يتأكد الا بواسطة السلبية المسبقة، واظهار الطاقات الكامنة) 165.
هذا التفسير كان ذا أثر كبير في التقدم الذي نشهده في العالم لأنه لم يدمّر العقيدة، بل أعاد صياغتها، بحيث تتحول الى طاقة بناء في مسيرة البشر، طبعاً لم يقم لوثر الّا بجانب من هذه العملية حيث جاء كالفن الفرنسي لتكميل الصورة.
فلوثر، اخرج الدين من وصاية الكنيسة، بينما أطره كالفن برسالة إنسانية.
فالكشف اللوثري يقوم على ان الانسان، يبرّر نفسه بواسطة الايمان وحده لا بواسطة الافعال166 وتؤكّد ان اليأس واجب مادامت الخطيئة محتومة، فيما تفتح ابواب الاخلاص للإنسان بواسطة هذا اليأس ذاته والاستسلام الكامل للحدب الإلهي والايمان المطلق اللاعقلاني، وتتضمّن هذه النظرة ـ بطبيعتها ـ ان الله قد اختار اولئك الذين يريد انقاذهم، وان الشعور المؤلم بالخطيئة هو علامة هذا الاختيار الذي لا يمكن إدراكه167.
أما عمل «كالفن calvin » فيشكّل عودة عقلانية الى فكرة الكنيسة: ففي الحين الذي يشاطر فيها هذا المشروع الديني الفرنسي، آراء لوثر المتشائمة بكاملها حول الوضع البشري، يقول (بضرورة) تحويل اهتمام المؤمن عن هذا الوسواس، عن طريق العهدة اليه ـ كائناً ما كان قلقه ـ بمهمة إكبار الله وإعظامه التي وسيلتها خدمة الله على هذه الأرض. ومن الصحيح ان «الإله» الكالفيني «ناء» لا يمكن الارتقاء اليه في ذروة «جلاله الرهيب» (وهذا مصدر ادانة كل لاهوت عقلاني). بيد ان في طاقة كل شخص (ان) يؤدي له العبادة، عن طريق قيامه، بإنجاز رسالته الخاصة به على خير ما يمكنه، ويختلف «كالفن» عن «لوثر» في تصورة للدولة، فهو لا يعتبرها قائمة من اجل تفادي بعثرة الطوائف الدينية (على غرار لوثر) بل يعتبرها كمنظمة (تحت قيادة الصفوة الروحية) مهمّتها: ان تتيح لكل شخص ان يؤدي اجتماعياً ما قدر الله له ان يفعله.
وهذا مفهوم نستطيع ان نجد صداه في الليبرالية الفاعلية التي تتبنّاها الولايات المتحدة الاميركية (والقائمة على تركيب المنظمة الفكرية والمبادهة الفردية) كما نجده في «اللاأخلاقية» الأدبية لدى «أندريه جيد» Andec gide البروتستانتي السابق: (ان يكون المرء «ذاته» بشكل كامل، وان يختار، يعنيان ان يجد المرء نفسه بنفسه، أي ان يكره بالتالي كل ما يحول دون «اللاارتباط» ويمنع المرء من ان يجعل من نفسه «المخلوق الذي لا مثيل له بين المخلوقات ولا يمكن الاستعاضة عنه بغيره») وبالنتيجة فأن الوحي الأصيل المعبّر عن البروتستانتية هو التالي (على الرغم من بعض تفسيراتها المعاصرة، كتفسير «ك . بارت على سبيل المثال»): «تجربة» للمسيح، محايثة وشخصية، فهذه المسيحية جعلت الانسان يعيش التجربة الدينية بذاته ومن دون واسطة الكنيسة168.
5/ الاديان العلمانية الحديثة
ثلاثة نماذج من المذاهب العلمانية في الاخلاق نستعرضها معاً. لنعرف من خلالها طريقة تفكيرهم. وهي التالية:
الف ـ سان سيمون، الذي كانت افكاره ذات أثر ـ فيما بعد ـ في المذاهب الاشتراكية، رأى: ان القيمة الاساسية هي: الإخلاص للعمل المشترك القائم على الاستثمار التقني لخيرات الكرة الأرضية، بصورة أوسع فأوسع، في سبيل خير الجميع169.
باء ـ أما اوغست كونت (وفاة 1857) فقد ذهب الى ضرورة العيش من اجل الآخرين، لأن الإله الجديد ألذي اَُشرك به كان هو الانسانية، وعلى ذلك فإن دور الاخلاق هو تطوير الاتجاهات الاجتماعية باسم قاعدة وحيدة هي: «العيش لأجل الآخرين» وفي نطاق البرنامج الاساسي للمجتمع «الوضعي» وتتلخّص هذه القاعدة في التعبير التالي: («الحبّ هو المبدأ، والنظام هو الاساس، والتقدم هو الهدف»)170.
جيم ـ أما منهج «فورييه» في القيمة فهو يلخصه بما يلي:
(إستبدال قيود «القسر» الحديدية بقيود «الهوى» المصنوعة من الورد)… وذلك عن طريق جعل الناس يعيشون على شكل مجموعات صغيره (الخلايا PHALHNSTERES ) كل منها مزيج من «دير تيليم» 171 ومن معسكر كشفي ومن منظمة قائمة على مبدأ «القوة عن طريق الفرح». وتعيش المجموعة بحيث تكفي نفسها بنفسها من ثمرة عمل الجميع («ويؤدي العمل كما تؤدي لعبة رياضية، من قبل فرق تتنافس على الفعالية المرحة»)، كما يستطيع كل عضو فيها إشباع جميع ميوله (حتى الجنسية منها) بحرية تامّة172.
نقد الاديان العلمانية:
هذه القيم التي دعت اليها تلك الاديان، تتشابه والقيم المسيحية، التي أشبعت اوربا بها، وقامت حضارتها عليها، ولكن تنكّرت هذه المذاهب العلمانية ينبوع القيم، وحاولت الإنتفاع بالروافد فقط. ولكنها فقدت بذلك ـ اصالتها، وبرهانها، فلماذا ـ مثلاً ـ نخلص للعمل لو لم يكن العالم قائماً على نظام عادل بدبرهُ رب حكيم؟ ولماذا العمل المشترك؟ ولماذا تسخير خيرات الأرض ولماذا التقدم؟ ان الدين يأتي ببيان مفصّل ومقنع لأصول هذه القيم، فلو حذفناه حذفناها بلا بديل مناسب.
وقد بحثنا قيم الوضعية، التي بشّرت بها فلسفة كونت، ولكن دعنا نتسائل: ما هي هذه الانسانية التي جعلها كونت في مقام الالوهية؟ وأين تكمن وما هي رمزها؟
إننا نعرف ان نظريات الغرب قائمة اليوم، على اساس المنطق الوضعي، كما نعلم ماذا تعني الانسانية في الغرب، ان البشر هم، والآخرون ليس سوى سوق إستهلاكية وعبيدٍ في ماكنة اقتصادهم وسبب ذلك في رأينا، ان الانسانية من دون إله تعبده، تستمدّ قيم الوحدة منه، تسقط في هوة التفسير العنصري، والإقليمي، والقومي، كما وجدناه في اوربا، في القرون التي نزعت جلبات الدين.
أما منهج «فورييه» فإنه مجرد حلم ـ راوده ، ولم يأخذ طريقه الى الواقع العملي.
وأنى كان فإنّ القيم التي دعت اليها هذه المذاهب الفلسفية، قيم سامية الا ان الاشكالية هي في كيفية تبريرها ودعمها بقوة تنفيذية مناسبة.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب