فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
3/ المذهب الأبيقوري قبل كلّ شيء لا بد أن نعرف انه قد قسّمت المذاهب الطبيعية الى قسمين: أولاً: ما استندت الى طبيعة الانسان، ولم يتجاوز الطبيعة الفجّة الى سماء الرّوح. ثانياً: وما استندت الى بعض فروع العلم الحديث. والأبيقورية والمذهب النفعي من القسم الاول. اما الابيقورية (حوالي القرن الرابع قبل الميلاد) فقد تمحورت حول قيمة اللذة والتوازن بين درجتها ودرجة الألم، وحاولت ان تنطلق منها الى بناء كيان اخلاقي متكامل. لا يعتمد على الدين والخشية من المعاد. بل على توازن اللذة والالم، وتجنب التي تسبب من الالم قدراً اكبر… وقسّمت المتع الى ثلاثة انواع فقالت بـ«التمييز بين الحاجات الطبيعية الضرورية من ناحية (كالطعام، والنوم والخ.. وهي سهلة الاشباع دائماً، فيكفيها بعض الماء أو الخبز أو غطاء للنوم) وبين الحاجات الطبيعية غير الضرورية من ناحية ثانية (كالرغبة الجنسية، الخ..) التي يستسلم لها الحكيم إذا اتيحت له الفرصة، شريطة ان يتفادى دائماً (ان) تتكون (عنده) عادة تجعله عبداً لهذه الرغبات، فتسبّب له الالم ـ بالتالي ـ إذا لم يستطع اشباعها. وبين الحاجات غير الطبيعية وغير الضرورية من ناحية اخيرة (كالمجد، والثراء، والخ..) والتي يجب على الحكيم ان ينصرف عنها لأن الحصول عليها يتطلّب جهداً يفوق التلذذ الناجم عنها». يجب بالتالي ان يعيش المرء, حياة متوازنة وبسيطة ومتواضعة، دون ان يبحث الّا عن لذة الصداقة (تلك الللذة الصافية المتجددة دوماً) ودون ان يؤذي احداً (مما يجنبه التعرض للانتقام)، ودون ان يجسد احداً.. كما يجب ان يتحمل الالم (انه يدوم ابداً ويمكن محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة). وعلى أيّ حال فأن الحكيم يستطيع دائماً هجر الحياة إذا اصبحت لا تطاق («كما يغادر غرفة اصبحت مليئة بالدخان») ما دام الموت ليس امراً يبعث على الخشية. ولكن المشكلة التي غابت عند أبيقور واصحابه: ان جماح اللذة عن البشر، لا يكبحه سوى الايمان بالآخرة، لذلك تجد النتائج الخطيرة لهذه النظرية، حيث اصبحت شعاراً لكل الفساق والمستهترين بالقيم، والخارجين على القانون وحسب غريغوار: يتّضح لنا مما سبق ان «ابيقور» يصل بالنتيجة الى إحياء الفضائل التقليدية: التعفّف، والصداقة، والشجاعة، والخ.. ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية (والتي تقوم ميزاتها الرئيسية على تذكير الناس بأن الالم يتوقف، بنسبة كبيرة، على التقدير الذي نضعه نحن ذاتنا للأشياء) كان من نصيبها انها («لاقت من النجاح بسبب مقدماتها اكثر مما لاقته بفضل نتائجها») على حدّ تعبير «ريفو».. بل واصبح المفهوم غالباً مما يعنيه الانضمام الى الابيقورية (بالنسبة لروما مثلاً) البحث المنهجي الامثل عن المتع السهلة 180.. بالاضافة الى ذلك فان الابيقورية تضرب في المثالية حتى الاعماق. حيث انها تفرض وجود حياة هادئة وبسيطة، ورجال حكماء، يقدّرون مستوى الالم ومستوى اللذة. ويقدرون ايّهما أعظم. (وهذا ـ بالطبع ـ عملية صعبه ومحفوفة بسوء التقدير غالباً). كما ويستطيعون ضبط اهواءهم بإرادة صلبة.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|