فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
4/ مذهب المنفعة احيت الفلسفة الحديثة المدرسة الأبيقورية في القرن الثامن عشر، وحاولت ان تبني المدرسة النفعية هرم القيم على قاعدة المنفعة، أو اللذة، وهذه المدرسة قامت على أنقاض المدرسة الابيقورية الا انها طعمتها ببعض الأفكار المسيحية، حيث وسعت حدود كلمة اللذة (المنفعة) حتى شملت اللذة المعنوية مما جعلت الكلمة قريبة من معنى السعادة. وكانت هذه نظرة الكثير من الفلاسفة (امثال «هوتشسون» و«هلفسيوس» و «ديدرو» و«بكاريا» و«نبتهام») ولكن الذي طورّه اكثر فأكثر كان «ستيوارت ميل» وذلك حوالي عام ـ 1850 فاستكمل هذا الوحي وقام بتنهيجه، كما يلي: «لا يكفي ان نأخذ بعين الاعتبار (على غرار «بنتهام» مثلاً) شدة اللذات، وقرب منالها، وسعتها. فهذه جميعاً مفاهيم كمية فحسب، ولكن يجب النظر ايضاً الى صفتها، ذلك ان هناك سلماً تسلسلياً للذات (برهن على صحته موافقه «الرجال المختصين» ـ كالقديس أوغسطين ـ الذين خبروا جميع اللذات بشكل متوال)، وهذا مما يجعل بعض اللذات ادقّ صفاء وارقى تشذيباً من بعضها الآخر، وبالتالي أكثر «خصباً» منها.. فهي منابع لا تنضب للذات جديدة علينا وعلى اولئك الذين يحيطون بنا ونجد على رأس هذه الذات «العليا» التي ستمو كل السمو على الذات الجسد، نجد لذات القلب كالاخلاص والغيرية، تلك التي لا ينقطع لها معين، وتفيض بمتع جديدة ابداً، تمنحها للمعطي وللمتلقي على حدّ سواء (لأنها تخلق ذلك التلذذ القائم على العرفان بالجميل)، وفي الواقع فان المجتمع الذي تسوده «قاعدة يسوع الناصري الذهبية»، أي التالية: أحبوا بعضكم بعضاً، هو اصلح المجتمعات بالنسبة للفرد وللمجموعة معاً، ولهذا فان «ميل» يزهو بأن «اخلاقه» نافعة من جميع الأوجه: فهي تبين للمرء ما هي لذته الحقيقية، وتدفعه لأن في الآخرين عن طريق تصرفه قناعة خيرة مماثلة، وتفتح الطريق لقيام مجتمع تتوفّر له السعادة الكاملة وتتحالف المصلحتان الشخصية والعامة فيه بحيث يشدهما رباط لا سبيل الى حلّه 181. ونقد المدرسة النفعيّة يأتي: أولاً: بأنه يوسع آفاق كلمات اللذة والمنفعة حتى تشمل معنى السعادة، والتي لا يختلف في انها هدف الانسان، ولكن السؤال الهامّ كان ابداً ما هي السعادة (أو قل حسب تعبير مل: ما هي اللذة أو المنفعة). ثانياً: ان اساس لذة الانسان وعي الحياة (الكينونة) وهذا الوعي يأتي تاره بالأخذ وتارة بالعطاء وثالثة بالعلاقة الفاعلة مع طرف ثان. ويبدوا ان مل اكتشف بتأمله طرفاً من هذه الحقيقة. ثالثاً: ان اللذة قيمة ذاتية، وتطويرها حتى تصبح قيمة اجتماعية لا يتم بتلك السهولة التي زعم مل لأن هناك اكثر من سبب للصراع والتشاح وسوء التقدير مما يسبّب في الخلاف وبالتالي في عدم معرفة افضل موضوع اللذة، وهكذا يتّضح القيم الاجتماعية كالعدالة والاحسان والتطلع.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|