فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
5/ المذاهب الطبيعية المعاصرة
فيما يلي ندرس بعض النماذج للمذاهب الطبيعية في الاخلاق ونضرب مثلاً من واقع الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي (سابقاً) لانهما أبرز مثلين في عالم اليوم.
ثلاث قيم يقدّسها الشعبان الاميركي والروسي هي:
1ـ الحيوية والابداع والانتاج.
2ـ التعاون واشراك الآخرين في الخيرات.
3ـ الزعامة (القدوة).
من أين استلهمت أميركا وروسيا هذه القيم؟ وكيف اجتمعتا في القيم، وقد كانا قطبين متناقضين (قبل انهيار الاتحاد السوفياتي).
ان مصادر الإلهام مختلفة بينهما، بل وحتى التعبير عن القيم ليس واحداً. وانما جمعهما التحدّي الحياتي الذي خاضاهما، فربّما تُلجأ الظروف التاريخية والتحديات المعاصرة، شعباً الى تبني فلسفة وتقديس قيم اكثر من البحث النظري.
وقد وجدت اميركا ضالتها في المذهب البروتستانتي والصيغة الكالفينية منها بالذات، بينما وجدت روسيا ضالتها في الماركسية والهيجلية وخليط من الفلسفات الاوربية.
لقد تحدثنا عن فلسفة كالفن، وان لكل انسان رسالة لا بدّ أن يؤديها فوق هذه الارض، ليساهم بها في الخلق الإلهي (تشبه فكرة الخلافة عند بعض المفسرين للقرآن الكريم).
وبالتالي تقدس الكالفينية قيمة النجاح.
وهذا النجاح يعود بالخير على الجماعة، حيث يشكل مقدار الفعالية لدى الشخص معيار «قدر المسبق»، وعنه تنبع حقوق وواجبات معيّنة بالتالي، وهي تلك المتعلقة بالزعامة (في مجال ما).
وذلك هو مصدر الوحي الذي يستلهمه الاعتناق الاخلاقي الداخلي في الولايات المتحدة فيستنبط منه تلك العبادة التي يكرّسها للحيوية، وللصراع ضد الطبيعة ولـ«مردود الجهد»، وذلك التبجيل الذي يخصّ به «المنتج الفعال» 182.
أما مصدر الالهام عند الاتحاد السوفياتي (قائد المعسكر الشرقي سابقاً) فهو:
1ـ فلسفة سان سيمون التي اكّدت ضرورة الاستثمار الجمعي لخيرات الارض (وهكذا قدسوا الانتاج).
2ـ فلسفة هيغل ان المادة خالدة وانها تطور نفسها بالابداع.
3ـ فلسفة «بابوف» و«بلانكى» الفرنسيان في ديكتاتورية الطبقة العاملة وهكذا قدسوا التعاون (الورح الجمعية) وهكذا قدّسوا الفعالية والتعاون والقدوة (رمز الطبقة العاملة لينين مثلاً).
ولكن هناك عيباً يشوب هذه النية من وجهة نظر الاخلاق، وهو الكبرياء، أي ذلك الأقتناع الراسخ لدى الاميركيين، بأنهم «اعظم شعب في العالم.. وخير مقاتلين على وجه الارض.. واكثرألامم تطوراً من الناحية الاجتماعية.. وان تاريخهم هو تاريخ انتصار العدالة.. وقد اختارهم الله لأجل انقاذ العالم وتطهيره..» كما كتبه احد علماء الاجتماع الاميركيين (بأسلوب هزلي واضح) 183.
كما هناك عيباً كبيراً كان يثوب الاتحاد السوفياتي يتمثل في تبنّي اللاعاطفية، جاعلاً منها قانوناً صارماً، حيث ترى الماركسي يصفي ويطهر دونما إشقاق 184.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب