فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
7/ الاخلاق الكانتية
بعد التطواف على المدارس ذات الاخلاق العلوية والعلمية، دعنا نتوقف عند مدرسة (كانت) في فرنسا، وبصفة اخص فيما يتصل بنظرية القيم، التي اصبحت اليوم مثار جدل كبير. حيث نجد ان الفكر الاخلاقي الحديث، يتّجه نحو البحث عن الافعال الاخلاقية الواقعية، والى التجربة الاخلاقية التي عيشت وفعلت بالفعل194.
تشكل فلسفة «كانت» بمجموعها (كما عرّفها هو ذاته) ثورة شبيهة بتلك التي قام بها «كوبرنيك» في مجال الفلك حين جعل الكواكب تدور حول الشمس، بينما كان علم الفلك القديم يتصور ان الشمس هي التي تدور، ومعها الكواكب حول الارض195.
وهكذا ترى هذه النظرية ان الانسان اصل الاخلاق وليس العكس فيقول: وفي الواقع، لو درسنا المعطى الاخلاقي.. أي تلك الافعال التي يتّفق الناس في اعتبارها «صالحة».. لإتضح لنا ان ما يأذن لنا بوصف فعل ما بأنه «فاضل» ليس على الاطلاق انطباقه على قاعدة ميتافيزيائية ما (أو نفعيه، أو علمية أو الخ..) ولكن بنيانه الصوري فحسب، المستقل كل الاستقلال عن التحقق المادي لهذا الفعل196.
وهكذا زعم بأن الاخلاق صورة مرتسمة في الذهن ـ اكثر من ان تكون حقيقة في الخارج ـ.
اتّجه «كانت» في سبيل تحقيق غرضه السابق الى الاخلاق الحية (كما فعل «روسو»، أي الى «الفلسفة الاخلاقية الشعبية» واعتقد انها تنطوي على مبدأ يستطيع استخلاصه منها، وهو مبدأ خالص بشكل مطلق، وداخلي بالنسبة لأي سلوك نحكم عليه بأنه اخلاقي، ومستقل عن أي عنصر ذاتي محسوس.. هذا المبدأ هو الواجب، أي إطاعة القانون لا لسبب آخر الا احترام القانون فحسب، وبمعزل عن أي اعتبار آخر حتى ما كان نبيلاً (كالمودة تجاه الآخرين أو الرغبة في اكمال المرء نفسه بنفسه الخ..) فضلاً عن أي دافع مصلحي (كالكبرياء والمنفعة…) وقد اطلق «كانت» علىهذا المبدأ العمدي الذي يقوم على جعل التمثل العقلي لـ«القاعدة» ـ والتمثل وحده لا أثر الفعل ـ محرك الارادة، اطلق عليه اسم «الارادة الحسنة»197…
ولكن هذه الارادة العقلية والصورية المحضة تتعايش لدى الانسان مع «الحساسية»، أي تلك العقبات النابعة عن طبيعتنا الانفعالية والذاتية. وينجم عن تلاقي هذين الميلين، احتياج الارادة الحسنة ـ من اجل قيامها بوظيفتها ـ الى جهد، أي الى ما يشبه الالزام، أو ما يشبه امراً، وهو آمر خاص جداً، ومختلف جداً عن (الاوامر الافتراضية) في الحياة العملية (أي تلك التّي تبدو على الشكل التالي مثلاً: «اشتغل إذا كنت تريد النجاح»).. أي انه «آمر قطعي» يعبر عن نفسه دونما تعلق بهدف أو بشرط، ومتخذاً بالتالي هذه الصورة: «اطع لأنه يجب الاطاعة»198.
حاول «كانت» البرهان على ان هذا «الآمر ليس طاغية يتحكم بشكل لا منطقي (وكان ذلك إحدى النقاط الضعيفة في بنائه).. فقد اكّد انه اذا كنّا نحس بإلزامية الواجب فذلك لأننا نشعر بأنه يفرض نفسه بصورة واحدة متشابهة على كل كائن عاقل موجود في نفس ظروفنا. وهذا ما يعني بتعبير آخر انه يمكن تعريف «صورة» الاخلاقية بأنها «مبدأ كلية»، أي فعلاً يمكن تصنيفه حالاً كـ«خيّر» أو «شرير» تبعاً لقابليته أو عدم قابليته لأن يصبح كلياً. وليس هذا المبدأ الصانع للكلية، أي تلك البنية الفطرية في كل روح، سوى ماهية «العقل العملي» (وهذا هو الاسم الذي يطلقه «كانت» على العقل الانساني من حيث اشرافه على الممارسة العملية للسلوكات ومقابل «القعل المحض» الذي هو العقل الانساني من حيث بحثه عن معرفة العالم)، وهكذا يصبح بإمكاننا وضع صيغة عامة وعقلانية تأذن بتوجيه الفاعلية تلقائياً وفي كل الحظة: «تصرف بحيث تستطيع ان تريد جعل دافع فعلك قاعدة كلية».. (ويصبح الفعل مداناً في اللحظة التي نلمس فيها ان جعله كلياً مما يقودنا الى تناقض منطقي: فتعميم مبدأ الكذب من شأنه بحدّ ذاته ان يدمر هذا المبدأ.. إذ انه لن يبق هناك من ينخدع بأي شخص آخر)199.
ولكن اذا كان ذهني يضع الاخلاق، فان ذهن الآخرين يضعه ايضاً فهم ـ كما أنا ـ مشرعون. لذلك يرى ما يلي:
الف ـ يجب احترام فكرة الكلية، فهي القاعدة لكل اخلاقية حيثما وجدت.. أي لدى كل كائن إنساني. وهذا ما يؤدي الى قاعدة وجوب اعتبار الانسان دائماً «كنهاية بحد ذاته»، أي كـ«مطلق» (لكونه يحمل مبدءاً مطلقاً)، وتجنب اعبتاره أبداً كوسيلة… وينتج عن ذلك إدانة الفسق مثلاً ولاسترقاق لأنهما يعنيان جعل المرأة أو الرجل اداة للملذات او للعمل200.
ب ـ يجب على كل كائن بشري: ان يتصرف بحيث يشعر بنفسه «كموضوع ومشرع» في الوقت نفسه. ذلك انه بالنظر لكون الانسان مطلق، فهو لا يستطيع الخضوع في سلوكه لأية قاعدة خارجية، بل يخضع للقواعد النابعة عن ارادته الذاتية فحسب ولكن يجب على هذه الارادة ان تتذكر ان الاشخاص الآخرين هم ايضاً مطلقون، فلا يستطيعون بالتالي الشعور بالإلتزام تجاه قانون اخلاقي الا اذا كان صانعه ذاته ـ وهو المساوي لهم ـ يشعر بالخضوع له201.
وبالاختصار فأن القاعدة التي يتركّب منها الطابع الاخلاقي هي في ان يعمل المرء على جعل ارادته متّفقة مع ارادات جميع الاشخاص العاقلين. ويطلق «كانت» اسم «سيادة الغايات» على هذا المثل الاعلى، أي ذلك الانسجام (الذي يجب تحقيقه) بين العقول… ومن المستطاع القول بصورة محسوسة اكثر ان الكانتية الاخلاقية تستند بصورة اساسية الى فكرة الكرامة الانسانية: («ان الانسان بعيد عن القدسيّه، ولكن يجب تقديس الشخصية الانسانية فيه، ويمكن لدى الخلق اعتبار كل ما نشاء كوسيلة.. باستثناء الانسان»)202.
ويفرق (كانت) بين الشيء والشخص فالشيء وسيلة بينما الشخص غاية، ومن هنا فنحن لا يمكن ان نعتبر الشخص قيمة الا بصورة مشروطة بوجود وحقوق سائر الاشخاص203.
ويضيف (كانت): عليك ان تعمل بحيث تحترم الانسانية دائماً، سواء تمثلت شخصك، أو سائر الاشخاص باعتبارها غاية، وليست وسيلة لغاية اسمى204.
ولكن (كانت) وبوحي من قاعدته الثقافية وفطرته المؤمنة. اضطر الى الاعتراف بالعقيدة ودورها في الاخلاق فقال:
ما دام الانسان يكتشف في نفسه ذلك «الآمر القطعي» الذي يصعب تفسيره، فهذا دليل على انه كائن حرّ (والا ما خامره الشعور بأنه يستطيع مخالفة هذا الامر) ومن ناحية اخرى، فأننا نشعر بأنه يستحيل علينا أن نحقق في هذه الارض «سيادة الغايات» تلك التي يقتضيها عقلنا، لأن نفسنا تشعر باحتياجها في ميدان غير محدود لإكمال تحقيق رغبتها في الكمال.. أي انها يجب ان تكون خالدة.. واخيراً لما كان يبدو من الجلي ان «سيادة الغايات» لن تتحقّق في هذا العالم، وغير قابلة للتحقيق فيه، فهذا الدليل على وجود إله كلي القدرة وعادل يستطيع وحده تحقيق ذلك205!.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب