فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
8/ نقد المدرسة الكانتية نرى ان (كانت) ـ وأي فيلسوف آخر ـ انما وقع في سلسلة من الاخطاء، عندما كفر بالله خالق السموات والارض، تلك الاخطاء الشبيهة تماماً بأخطاء علم الفلك القديم، حينما انكر مركزية الشمس. وكان احرى بـ(كانت) ان يعود الى الحقيقة ويؤمن بالله. حتى يعيد الامور العلمية كلها الى نصابها الصحيح، ولكن (كانت) حينما وجد ـ من جهة ـ أن الاختلاف الفكري بين الفلاسفة، لم يدع ثقة بهذا الفرع من العلوم، ولكن لا يمكن ـ من جهة اخرى ـ الاستغناء عنها كلياً، لأنها كالهواء لا يمكن ان ندع التنفس لمجرد الزعم بأنّه ملوّث، فلا بد من حلّ، وقد رأى ان الحل يتمثل في جمع منهجي المنطق المعروفين: المنهج التجريبي، والمنهج العقلي وذلك بيان ان التجربة ـ هي الاخرى ـ بحاجة الى العقل للوصول الى نتائجها. أما في الفلسفة العالية فانه أعلن عجزه عن معرفتها. فقلب الامر (كما فعل كوبرنيك) وأعلن ان الانسان مركز الفلسفات العالية وليس العكس؛ لأننا لا نستطيع ان نعرف العالم الا بالطريقة التي تقتضيها اذهاننا، فدعنا ـ إذاً نحلل ما يجري في أذهاننا ـ ودون ان نطمح الى ان نعرف العالم من حولنا 206. وهكذا اعترف (كانت) بما سكت عنه سائر الفلاسفة، وهو العجز عن معرفة كنه العالم المحيط بنا معرفة تعتمد على عقولنا وحدها لانهم لم يؤمنوا بالرسالات الإلهية ولا بالعقل بصفته نورا متعاليا عن التأثيرات المادية. ونقطة الضعف الاساسية في نظرية كانت، هي كيف نوفق بين ما يريده الانسان (وجدان الانسان الاخلاقي) وبين ارادة الآخرين. مادامت الارادة الحسنة التي هي اصل الاخلاق لا تعلّل وبالتالي كيف نوجد نظاماً اخلاقياً للمجتمع، ونميز بين تلك الارادة الحسنة التي فطرت عليها النفس البشرية وبين ارادة المصالح، أفليس نقود الناس بهذه الطريقة ـ الى شريعة الغاب؟. ويعترف (كانت) بوجود الهوى في داخل الانسان وانه يتميز عن العقل العملي (النابع من الارادة الحسنة) ولكن لا يعطي مقياساً كافياً للتمييز بين العقل والهوى. الا ما يستوحى من حديثه: ان الهوى يُعلّل والعقل لا يُعلّل، فمن أراد ـ مثلاً ـ السفر للسياحة أو للتجارة فان دافعه الهوى اما من اراد السفر دون أيّة علة معروفة فان العقل هو دافعه (النيّة الحسنة) ولكن هل يكفي هذا الفرق؟ وهل يميز الانسان بهذا المقدار بين الخير والشر. وكيف نجعل من هذا مقياساً عاماً نبني على اساسه الحياة الاجتماعية؟. يستلهم (كانت) من (رسو) مقياساً آخر هو الاخلاق الشعبية ويحاول ان يستخلص منها مبدأ مطلقاً هو اطاعة القانون لذاته، ونحن ـ بدورنا ـ نرى ان «الفلسفة الاخلاقية الشعبية» يمكن ان تعطينا بعض اصول القانون، وهي اساساً الوجدان الأدبي، الذي يسميه بـ«العرف» ولكنها ـ لاختلافها من شعب لآخر ومن ظرف لآخر ـ لا يمكن ان تكون مقياساً وحيداً وكافياً. ثم يبقى ان نقول أن الالزام في اخلاقية (كانت)، غير مبّرر بصورة كافية، وبالذات حينما يتصل بالآخرين. ونظرية (كانت) في الاخلاق، تعتمد على نظريته في المنطق (النسبية الذاتية) وقد تحدثنا في المنطق عن تلك النظرية، وقلنا: ان الزمان والمكان، وسائر المدركات العقلية المسبقة، ليست قوالب جاهزة يضفيها العقل على الاشياء، لأن العقل يجد ذاته (وجداناً واضحاً) بعيداً عنها، ويجدربنا هنا ان ننقل نصاً كتبته في دراستي عن الفكر الاسلامي حول النسبية الذاتية جاء فيه: لكي نكون واقعيين، ينبغي ان نتساءل ما هي الوسيلة التي عرف بها كانت: ان الزمان والمكان عرضان ذاتيان (للنفس البشرية) أهي المعرفة أم هي الجهالة (فهل عرف هذه الحقيقة بالعلم أم بالجهل) ان (كانت) لا يتردد في القول بأنه اكتشف بصورة جازمة، طبيعة الزمان والمكان وهذا يعني انه عالم بحقيقة الزمان والمكان. وهذا يعني ـ بدوره ـ ان لـ(كانت) كإنسان، نوراً كاشفاً، يستطيع ان يسلطه على نفسه، ويكشف فيها، حقيقة الزمان والمكان. ونحن اذا عرفنا هذه الحقيقة، وهي وجود نور في النفس يكشف الحقائق، ورأينا انفسنا نملك اشدّ القناعات بنتائج هذا النور، نعلم بأن البشر قادر على كشف الاشياء. ومقدار مايكتشف منها يكون واضحاً امامه، وذات قيمة تامّة لديه، وهذا ذات ما استهدفنا بالمذهب العقلي، وهو ينطوي على ردّ النسبية الذاتية207. ان الفلسفة ـ عموماً ـ تعتمد على التأمل الذاتي، وانما ـ بالتأمل ـ يريد (كانت) ان يثبت نظريته، وبهذا التأمل نستطيع جميعاً ان نميز بين الزمان والمكان، واستحالة التناقض، واستحالة وجود الشيء، بلا سبب، وسائر الحقائق الأولية التي يعرفها العقل بصورة أولية، وبين الاشياء المطلقة التي تجري عليها هذه الحقائق وحسب تعبير (كانت)، تتقولب بها. بتعبير آخر كما ان العقل يعرف الزمان والمكان كذلك وبذات الوضوح يعرف ان هذين الامرين هما من حقائق الوجود، وليسا من حقائق النفس التي تضفيها على الوجود. كذلك التاملات الاخلاقية، فالنية الحسنة، انما شهدناها بالوجدان. ولكن هناك حقائق اخرى اخلاقية هي الاخرى شهدناها بالوجدان ايضاً. مثلاً الصدق والامانة، واحترام حقوق الآخرين. وهذا الوجدان اقوى حجة وأبلغ دليل، ولا فرق ـ عندما يشهد الوجدان بشيء ـ بين ان يكون ذلك الشيء صغيراً أو كبيراً فرعاً أو اصلاً. والذي غاب عن (كانت) ان هذا الوجدان ليس نهاية المطاف اذ يمكن ان يقول احد ما الذي يدعوني الى اتّباعه؟! بل الوجدان بدوره من ومضات العقل البشري الذي يضيء رحاب النفس، واذا تأملنا ـ عميقاً ـ وجدنا هذا العقل هو في كل موقع شاهد وحجة، فهو الذي يمنع التناقض. وهو الذي يعرف الحكمة في الطبيعة. وهو الذي يهدي الى القيم الاخلاقية. وهو الذي يذكرنا بان هذه القيم ذات اصول في الحياة. وبالتالي هو الذي يدّلنا الى ربنا سبحانه. حقاً أن (كانت) انتهى ـ بالتالي ـ الى رب العالمين بذات الوجدان. ولكن منهجه الناقص جعل تابعيه يضلّون الطريق، فلا يصلون الى حقيقة الايمان الذي وصل اليه. ومع كل هذه الملاحظات، فإن تأملات (كانت) ـ لاريب ـ اغنت الحقل الاخلاقي، واظنّ انها اعادت قطار التأملات الاخلاقية الى السكة، حيث انه عاد وجعل العقل معياراً، والوجدان الشعبي محكمة، واليوم اذا رأينا العالم يبحث عن نظام اخلاقي شامل للبسيطة من اقصاها لاقصاها باسم حقوق الانسان أو المواثيق الدولية الاخرى. فلأن وجدان البشر في كل مكان واحد. والقيم السامية التي تنطوي علهيا الفطرة البشرية هي ذاتها عند كل الامم، على اختلاف مذاهبهم وظروفهم. وهذا افضل دليل على ان اصل الاخلاق متجذر في النفس البشرية. وينعكس على المجتمعات ومن ثم على الامم، بصور مختلفة ولكن بجوهر واحد. اما القيم التي استنبطها كانت من هذه الرحلة الشاقّة، فهي اعتبار الكرامة الانسانية قيمة القيم، والواقع: انها فعلاً قيمة عليها، ولكن السؤال الذي يبقى حائراً: كيف يمكن الوصول الى تلك الكرامة؟
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|