فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل السادس: المذاهب الفاعلية
1/ نظرية التطوّر عند راو
2/ الفاعلية الارادية
3/ البراغماتية
4/ موريس بلونديل
5/ الوجودية
حين قلب (كانت) المعادلة، فظنّ ان الانسان هو الاصل في الاخلاق، فتح الباب عريضاً وواسعاً امام نظريات التطوّر للتدخل في الاخلاق ونستعرض معاً بعضاً منها:
1/ نظرية التطوّر عند راو
عند راو ( Rauh ) 1909م، فالانسان يتطور لأنه ابن الظروف المتغيرة، اذاً اخلاقه يجب ان تتطور ـ وقيمة القيم في الاخلاق تجربة الانسان الاخلاقية. التي لا يمكن الاحساس بها الا عن طريق الفاعلية. قال:
بأن الواقع الاخلاقي هو دافع، أيّ شيء حيّ ومرتبط بالحياة، مع كونه في صيرورة دائمة على غرار الحياة. وعلى ذلك فلا يمكن الاحساس بالعامل «الاخلاقي» الا عن طريق الفاعلية. فهناك تجربة اخلاقية تدوم مدى الحياة ونلمس مظاهرها المتعدّدة بواسطة حدس يتعدل باستمرار من خلال احتكاكه بالاحداث.. وليس هناك «واجب» بل توجد واجبات هي دائماً حركيّة وخاصة، دونما «قاعدة» كلية، وهذه تعدّدية يجب الّا تؤدي بنا الى مذهب الشك الاخلاقي بل الى الاقتناع بأنه يجب علينا ان نعيش عدداً متناهياً من التجارب لأجل الوصول الى اكتمال المثل الاعلى 208.
ونقدنا لهذه النظرية يتمثل في أمرين:
الأول: في القاعدة التي انطلق منها، والمتمثلة في النسبية الذاتية، واصالة الانسان (عند كانت) وقد تحدثنا عنهما آنفاً.
الثاني: في ان الفاعلية قيمة لا ريب فيها وهي تبرز ما خفي من كيان الانسان، وتبلور شخصيته بالاحتكاك المستمرّ مع الحوادث، ولكنها، ان لم تكن وفق معايير ثابتة فانها لا تكفي الانسان ولا تعطيه رؤية واضحة، ودليلنا الى ذلك، حشد التجارب الفاشلة عند من يملكون الفاعلية دون رؤية، ثم ان اعظم ميزة للبشر، انما هي قدرته على استيعاب تجارب الآخرين وقسط كبير من القيم الاخلاقية هي تجارب بشرية متراكمة، فلماذا نتركها ونبدأ من جديد، بلى التجربة الانسانية المباشرة، هي الابلغ نفاذاً والاغنى حكمة، ولكنها وحدها لا تكفي.
أما الحديث عن متغيرات الحياة، فهو حديث شيق، ولكن شريطة الا ينسينا ثوابتها، ولا أحد بقادر على انكار الثوابت التي تتدفّق من خلالها حوادث الحياة، كما يتدفق تيّار الماء من خلال نهر أو انبوب، ومن دون الثوابت تضيع مواد الحياة، كما تتلاشى المياه في صحراء واسعة.
2/ الفاعلية الارادية
أما برغسون (1932) فقد طوّر هذه النظرية الى بعد جديد، إذ ميّز بين نوعين من الاخلاق واشاد بالنوع المنفتح منها والذي ينبعث من فاعلية الانسان (وعطاءه) ومن هنا فقد أشار في كتابه «منبعا الاخلاق والدين» (عام 1932) الى نوعين من الاخلاق:
الف ـ الاخلاق «المغلقة»، وهي ليست سوى ضغط اجتماعي بسيط، أو مجموعة من القواعد (الاخلاقية النابعة من العوامل) الخارجية عن الفرد والهادفة الى تأمين توازن وحفظ بقاء الجماعة.
باء ـ الاخلاق «المنفتحة»، ذات الماهية الشخصية والخلاقة، وهي انفعال يعيشه الفرد فيجيش في نفسه ويتجسد على شكل «اختراعات اخلاقية» تدفع الانسانية قدماً الى الامام نحو مثل اعلى من الاخاء، تتزايد كلّيته باستمرار. فهذه اخلاق قائمة على الفاعلية، بالتالي، لأنه لا يمكن تصورها الا على شكل فاعلية إرادية تصدر عن «قدّيسين» و«ابطال» عاشوا الانفعال التجديدي الذي هزّهم. فهم المثال المثير للحميّه، والذي يأتي بالخصب للجماعة، ولمعاييرها الضيّقه، وهي فضلاً عن ذلك «الاندفاع الحيوي»، أي ذلك التيار الروحي (المنبثق عن الله) والذي يقود كل كائن، ومعه الكون بأجمعه، نحو انتاجات اعظم غنىً باستمرار، واكثر تركيباً، متحررة من المادة ومن جبريتها، ولا يتمكن للمرء الا ان يشعر بهذا التيار في أعماق ذاته، دون ان يتمكن في الواقع من ادراك كنهه، أو «اثباته».
ولا يسعنا ـ امام هذه النظرية ـ الا الاشادة بهذا التأمل الاخلاقي، وبالذات في كشف قيمة الفاعلية (التي تعني عنده اخلاقية العطاء) ونضيف:
ان الانسان خلق ليتفاعل مع العالم المحيط، فجسده حيّ بالتواصل مع البيئة أخذاً (الطعام والتراب مثلاً) وعطاءً (الحركة والجنس مثلاً) وكلما ازداد تواصلاً مع بيئته ومحيطه ازداد عنفواناً وحياةً.
وكذلك روحه، كلما تواصلت مع البيئة البشرية، أخذاً وعطاءً، كلما ازدادت نشوة وسعادةً. وكثير من الناس يكتشفون قيمة الأخذ، ولكن القليل يكتشفون مدى قيمة العطاء، وهي الاغنى سعادة، أرأيت مكتشفاً حين يبدع نظرية، أو منقذاً حين ينتشل غريقاً، أو داعية حين يهدي الله به رجلاً، أو مصلحاً حين ينقذ شعباً. انه يعيش نشوة، هي الذروة بين اسباب السعاد واللذات.
ولكن هذه القيمة السامية التي يكتشفها (برغسون) ليست القيمة الوحيدة، بل هناك قيم الصدق والوفاء وحتى القيم المادية (التي هي قيم الأخذ) التي يجب ألا تنسى، وهي تتكامل فيما بينها لتعطينا حياة سعيدة.
3/ البراغماتية
لا يمكن الوصول الى «اليقين الكامل» بالطريق المنطقي «النظري» ولكن بواسطة الفاعلية وحدها أي إدخال الأنا في تجربة الحياة.
كانت هذه النظرية ـ المبالغة في قيمة الفاعلية، وجعلها، وكأنها رمز القيم الاخرى ـ، كانت التطور الطبيعي لنظرية (كانت)، التي جعلت الانسان اصل القيم، واصل الحقيقة، فماذا يتأتى من الانسان سوى الفعل، فهو قيمته.
وقد بنى هذه النظرية الكاردنيال «نيومان» 209, ولكن الذي طوّره الى مداه كان «و.جيمس» الأميركي المتوفى (1910) حيث: يجب بمقتضى هذه الفلسفة الا نعرف «حقيقة» فكرة ما، الا بأنها القابلية فحسب، التي تمثلها، لحملنا على ان «نفعل» بشكل مفيد: أي مفيد بالنسبة للفرد، وبالنسبة للجماعة، وبالنسبة للكون بأجمعه…
ذلك ان «جيمس» يتخيل العالم على انه (في حقيقته واقع) تعدد، طبيعته السيولة والتغير ونقص الاكتمال، فهو ـ بالتالي ـ قابل للتعديل بواسطة اعتقاداتنا الفاعلة، وهو عالم يتطور، ويسوده إله متناه 210. قد نستطيع نحن مؤازرته ويتوقف مصيره النهائي، جزئياً، على اختياراتنا.. وهذا ما يعني انه ليس هناك «اخلاق» مصنوعة سلفاً، بل يوجد تجارب اخلاقية مفعولة فحسب، تتجلّى قيمتها بما تجلبه من دعم فعّال الى الملحة الكونية، حيث يتقرر مصير «النظام المستقبل» (هذا النظام الذي يصعب تعريفه، الا اذا عرفناه بأنه ما يلائم الى الحدّ الاقصى من الفعالية والمبادهة والدافع الخلاق الانساني.
وهذه هي الحلقة المفرغة التي يدور فيها فكر «جيمس»)211.
وإذا أردنا نقيم هذه النظرية في القيم لا بدّ ان نقول: إن اندماج الانسان بالواقع عن طريق الفعل. لا ريب مؤثر في وعيه. وانّ اخلاقيته تزيده علماً وقد ذَكرّتْ بصائر الوحي بأهيمة التقوى العملية ودورها في الهداية ضمن شروط بينّتها الآية القرآنية «والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا».
ولكن السؤال: ما هو معيار المفيد فهل هو السلام والأمن أم الرفاه والتقدم أم الحرية ولانطلاق؟
ثم المفيد لمن، هل للبشرية؟ أم لي؟ أم لنا؟ ومن نحن؟ هل مواطنوا دولة؟ أم المنتمون الى حزب؟ أم الى قومية؟ وإذا تعارضت المصالح فما هو المعيار لمعرفة أكثرها نفعاً واهمية؟ هل العقل أم الوحي أم التاريخ (الأقدم هو الافضل) أم العرف (رأي الاكثرية).
إن نظرية وليم جيمس الوسيلية اكتشفت قيمة هامّة ولكنها تبقى ناقصة اذا لم تكتمل بسائر القيم المكتشفة من قبل سائر النظريات.
4/ موريس بلونديل
ويرى موريس بلونديل (المتوفى عام 1949): إن قيمة القيم، الفاعلية التي تنتج من إدراك النقص في وجودنا، فان التفكير الأصيل، ليس سوى فاعلية، أي ذلك الانطلاق الذي يلازمه ادراك النقص، الذي تتسمّ به كل غاية محسوسة، مما من شأنه تدعيم الانطلاق بمزيد من القوة (فيكشف) لنا بالتالي عن الهوة، مانحاً إيانا في الوقت نفسه، وسيلة اجتيازها. وهي تقوم على («استسلامنا ونحن مغموضوا الأعين الى ذلك التيار العظيم من الافكار والعواطف والقواعد الاخلاقية، والتي تبلورت شيئاً فشيئاً وقد تمخّضت عنها الافعال الانسانية عن طريق قوة السنّة الموروثة وتجمع التجارب»).
وهذا ما يعني: الكاثوليكية.
وهكذا فان الفاعلية وحدها فحسب، في سيرها الدائم وعدم اكمتالها ابداً، هي القادرة على ان تكشف لنا في اعماق ذاتنا عن تطلّب داخلي، أو تطلّع محايث، هو النداء الى الله.. والاستسلام الى الله، هو التلبية لهذا النداء212.
واضح ان الجديد في نظرية بلونديل ليس سوى ربط تجارب الفرد بالتجارب البشرية التي تراكمت ـ كما نهر متدفّق ـ وأصحبت، في رأي هذا الفيلسوف (الكائوليكية تعني المجمعية) ولكننا نقول: ان التجارب البشرية كثيرة ومتنوعّة، ولا بد ان يكون لدى كل فرد معايير لاختيار الأفضل منها والاهدى سبيلاً، ونرى انها موجودة فعلاً في العقل المدعم بالوحي، ولَستُ أدري موقف (بلونديل) من هذه المعايير.
5/ الوجودية
أما كير كيغارد (المتوفى 1885) الذي اتّبعه الوجوديون بنسبة معينة، فقد رأى ان مصدر الالهام للقيم انما هو القلق الداخلي للانسان، وان قيمنا الاخلاقية (وبصورة عامة جميع منجزات «الثقافة» الانسانية) معلوة علويّة لا متناهية بالقيمة الحقيقية الوحيدة: الايمان الخالص213.
وهكذا اتصفت الوجودية عند (كير كيغارد) بالايمان اللاعقلاني. واعتبر مصدر الاخلاق هو الله.
ولعلّنا هنا أمام صورة اخرى من الفلسفة الصوفية، (العرفانية) التي ترى الوجود وحدة واحدة يشترك فيها الخالق والمخلوقات، وانما الانسان محكوم به، وعليه ان يفنى فيه، حتى يصل الى ذروة الحقيقة.
ومعروف ان هذه الفلسفة القديمة، تتنافى مع مسلّمات عقلية، بينّا ـ في اكثر من مناسبة ـ انها أشبه بخيال شاعر، منها بفلسفة متكاملة البنيان.
أما الوجودية الملحدة التي ترعرعت على يد (هايديغر وسارتر) فقد زعمت ان الوجود هو المصدر الوحيد للقيم، وهذا المفهوم (كما لاحظه «روير» بنفاذ بصيرة) مفهوم «كانتي» جداً من حيث «طوريته»: فالموجود هو المصدر الوحيد للقيم، والروح الانسانية هي ـ بصورة اساسية ـ بنيان تقييمي يتّصف بأنه «ملزَم» و«مسؤول» تجاه ذاته. وهذا ما يماثل لدى «كانت» الارادة الحسنة214.
وعندما ضاقت السبل بهم، لتحديد قيمة التعاون مع الاخرين، فقد عمد (سارتر) الى جعل احترام حرية الآخرين قيمة هامّة ايضاً.
ولكن كيف يمكن تصور «اخلاق» إذن في مثل هذه الظروف؟… وباسم أيّ معيار يمكننا إقرار قيمة نعيّنها لكائن آخر هو بالتعريف (حسب سارتر) خالق حر للقيم؟ وفي حين انه («لا شيء، لا شيء مطلقاً يبرّرني لو تبنيت هذه الفكرة أو تلك») على حدّ تعبير «سارتر» (مما يدلّ على أنه يرى الإنسان خلاق القيم).. وقد عمد «سارتر» ذاته ـ دونما اقتناع ـ الى رسم خطوط الفكرة القائلة: بأن ممارستي الشاملة لحريتي، يقتضى ـ ضمناً ـ انه يجب ان تستهدف حريتي كهدف اقصى ازدهار حرية الآخرين. (وهذه مسلمة بديهة، وهي تلتقي على أيّ حال مع مبدأ تحقيق الكلية لدى «كانت»215.
وهنا ـ في ظنّي ـ مشكلة «الكانيتة» بكل صورها فاذا الغينا الآخر (غير وجودي أنا) ينهار البناء الاجتماعي والاخلاقي ونصل الى ذروة الفوضوية. واذا اعترفنا بقيمة الاخر فما الفرق بينه وبين الوجود (الأحياء/ الجمادات و..) ما دامت موجودة وكيف نفرّق بين الانسان وغيره؟

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب