فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
الفصل السابع: المذاهب الأخلاقية في الميزان
كلمة البدء : 1/ خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم 2/ المذاهب الأخلاقية تتكامل 3/ جوهر الأخلاق 4/ كلمة الفصل 5/ وسائل الى القيم 6/ لماذا القيم الأخلاقية؟ كلمة البدء في هذا الفصل نلقي الضوء على خلاصة الافكار التي مرّت بنا عند دراسة التأملات الاخلاقية والقيم التي استلهمتها الفلاسفة من تأملاتهم في الوجود وحياة البشر. (وذلك في البحث الاول وتحت عنوان خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم). ثم نحاول ان نستخلص افضل تلك الافكار مما قد تصبح قاعدة لمذهب اخلاقي شمولي. ونبين ما توصلنا اليه بفضل الله سبحانه من نظرات حول التأملات الاخلاقية، وذلك تحت عنوان المذاهب الاخلاقية في الميزان. ولعل هذا البحث هو الأهم في سلسلة بحوثنا في الاخلاق ويمكن ان يكون قاعدة لوعي افكارنا في القيم وفلسفة القانون (أي موضوع الباب الثالث) والبحث في هذا الموضوع يتناول جوهر الاخلاق وأهم القيم فيها وهي الحب والعدل والحياة. وقيم وسيلية تساهم في تطبيق تلك القيم. كما يبحث ما يحملنا على الالتزام بهذه القيم أو الرؤية الفلسفية التي تبررها من نظرة الى الذات البشرية. أو الى الطبيعة (الكائنات من حولنا) أو الى الايمان بالله. 1/ خلاصة التأمل الأخلاقي اليوم بعد تطواف شيق حول نظريات المدارس المختلفة في الاخلاق يطيب لنا الاستراحة والتحقق حول ما قطفناه من ثمرات التأمل الاخلاقي عند كبار الفلاسفة فماذا نجد فيها؟. نجد إنها ثمرات متشابهة تهدف غاية سامية، هي الخروج من الشهوات العاجلة للذات، الى رحاب (غاية سامية) ان اختلفوا فيها فانهم يتّفقون في ضروروتها. انها حالة من التجاوز الذي لا يكتمل الذات الّا به، حالة من الحب والبحث عن المثل الاعلى عن الخلق الجديد للنفس (وحسب التعبير القرآني اقتحام العقبة). لا ريب في وجود تطلّع في النفس نحو الاعلى. فهل هو صدى نداء علوي، يفرض الخلق الرفيع؟ اصحاب المذاهب العلوية في الأخلاق، قالوا بلى: فالانسان بكل أبعاده المادية والمعنوية؟ قطرة في نهر متدفّق، أو ومضة نور في شلاّل ضوء باهر، وكل شيء فيه، تعبير عن الكائنات، فليكن هذا التطلع صدى ذلك النداء الذي يحيط به من كل جانب وهكذا يؤكدون: النداء (العلوي) يمثل الامر الفارض بينما التطلّع الوجداني يمثل الضمير المسؤول (حسب التعبير القرآني العقل أو النفس اللوّامة) وفي نظري ان الهوة تضيق بين فكرتي التطلع من العمق، والواجب من فوق، عندما نهتدي ـ بتذكرة القرآن ـ نعرف ان الوحي يوقظ العقل، والعقل يصدق به، فالعقل هو الضمير المتطلع والوحي هو الأمر الفارض. والآن دعنا نستعرض مع (غريغوار) خلاصة افكاره عمّا رست عليه سفينة الباحثين عن الاخلاق انه يرى ثلاثة دروس في هذا الحقل: الف ـ هجر الامل نهائياً، في عصر متأخر نسبياً، بإنشاء اخلاق، أو بنائها، أو «البرهان» عليها… ومن البديهي انه لا يجب تنهيج هذه النظرة، فقد كان الاخلاقي يظهر في العصور القديمة ذاتها بمظهر «ناصح» فحسب.. غير ان العصر الحديث هو الذي سادت فيه حقاً (وبتأثير «كانت» بشكل خاص) فكرة ان المذهب الاخلاقي لا يستطيع ان يطمح الى اكثر من التنسيق العقلاني للمفاهيم الاخلاقية المقبولة سلفاً من قبل اولئك الذين نتوجه اليهم بالخطاب.. فهو لا يستطيع البرهان عليها بشكل قاطع216.. واختلف عن المؤلف في هذا الموضوع حيث ان السعي نحو بناء فلسفي للاخلاق لا يزال قائماً، غير ان (كانت) طرح الفكرة التالية اننا لسنا بحاجة الى مثل هذا السعي لان الوحي الذاتي للاخلاق يكفينا حسب نظريته. باء ـ وبين ثلاث نظريات: الاخلاق منهاج علويّ، الاخلاق منهاج انساني، الاخلاق منهاج شخصي، وتجربة ذاتية. سادت الثالثة حسب رؤية (غريغوار). اصبح الشعور الاخلاقي «باطنياً» بشكل ليس من الممكن انكاره: فقد مكث السلوك الاخلاقي ردحاً طويلاً من الزمن وهو يعرف بأنه خضوع (عن عقل أو عن احترام) لنظام علوي.. ولكنه شرع يميل منذ عصر «بايل» الى اتخاذ مظهر الانتماء الى نظام انساني بالاحرى.. أما اليوم فيعتبر بصورة عامة جداً كتجربة شخصية فعّالة217. هنا ايضاً لا يمكن القبول بهذا التقسيم الحاد حيث انه لا تزال كل المدارس الفلسفية القديمة تجد انصاراً لها في عالمنا وبالتالي امتداداً وحسبما يعترف المؤلف فان النظرية العلوية تجد صداها عند لوسين مثلاً. ولكن نستطيع ان نقول ان نسبة الاهتمام تختلف من عصر لعصر بواحدة من المصادر الثلاث للإلهام الاخلاقي ـ السماء (الإله)، الانسان (الوجدان)، الفرد (التجربة الذاتية). جيم ـ الانسان هو الحي الوحيد الذي يتعالى فهو لا يروي غرائزه فقط بل يتطلع الى الحب والى المثالية والى الاخلاق وبالتالي الى اضفاء مسحة علوية على افعاله (وربما تحويلها الى قيم). وهو بالتالي يتحرك بين قطبي «الواجب» المفروض عليه من الاعلى (أو قل من خارج ذاته عموماً) وقطب «التضحية» الثابعة من ذاته، من تطلعه، يقول المؤلف: هناك «ازدواجبية في المعنى» اساسية ودائمة لازمت الفكر الاخلاقي عبر العصور، فقد كان كل مذهب من المذاهب الاخلاقية، وفي كل عصر من العصور، ذا مظهر مزدوج: التضحية والنظامية، بحسب تعبير الاخلاقي البليجيكي «دوبرييل».. او «العقبة والقيمة» بحسب تعبير «لوسين».. وهذا ما يعين التقابل بين القسر الخارجي الذي «يلزم» الفرد بشكل ما، والتطلع الداخلي المنبثق من الفرد متجهاً نحو مثل اعلى. ومن الممكن الا تلحظ هذه الازدواجية في جميع المذاهب: فقد كان الحكيم القديم يعني خصيصاً بالاشارة الى ما يمثل في «الخير المهيمن» من فتنة جذابة، فيما الحّ «كانت» خصيصاً بدوره على مظهر «الواجب» … بيد ان الازدواجية موجودة دائماً، حتى أن «ارسطو» ذاته لم يتجاهل تماماً فكرة «يجب» كما بيّنه «روبن Robin »، وكذلك فإن «سيادة الغايات» الكانتية تشكل من زاوية ما قطباً جذاباً218. ويبحث المؤلف موضوع التجاوز الإضفاء الذي سبق ان تحدثنا عنه في مناسبة اخرى، ـ ويبدو لي ان هذا البحث يفتح لنا نافذة على الحقيقة ـ حيث انه يجعلنا نقترب كثيراً من وعي انفسنا، على انها تنطوي على نفحة إلهية، وليست مجرد حفنة من تراب الارض، يقول المؤلف: وقد نوّه عدد من المفكرين فعلياً بتلك الخاصة التي تتميز بها كل فاعلية نفسية، وهي كونها بصورة اساسية نتيجة لمعاكسة ما وتولدها «وكأن المرء يصطدم بشيء ما» على حدّ تعبير «فاليري». الّا ان هذه الخاصة لا تتجلى بكل وضوحها الان على مستوى الميل، تلك الظاهرة الخاصة بالانسان والمختلفة كل الاختلاف عن الغريزة الحيوانية من حيث كونها تشكل ما يمكن تسميته «تنقيباً مفتوحاً، أي تجاوزاً مستمراً وغير محدود لكل غاية جزئية».. واذا انطلقنا الى هذه الخاصة، عند البشر وهي خاصة الاضفاء والمثالية، والتي لا نجد أحداً من فلاسفة الاخلاق ينكروها، والتي يقول عنها (برادين) (الانسان هو الكائن الوحيد الذي يميل لأنه الوحيد الذي يتطلع الى تجاوز نفسه) ويقول المؤلف غريغوار: وتؤدي هذه الروحانية المضفاة الى الغريزة الى تحويل ما هو ارواء فحسب ـ لدى الحيوان ـ الى لذة لدى الانسان، فهذه اللذة تمثل الترجمة الوجدانية لذلك الانقلاب، من كل تثبيت تخديري، وذلك الخلق ـ من قبل الفرد ـ لغايات هي بالفعل «غاياته» هو بالذات.. وكذلك فإن مجال الميل ذاته هو الذي تبرز فيه فكرة «الصراع» العضوية219. اليس في استطاعتنا بالتالي ان نعتبر «الاخلاقية» كالـ«صورة» العليا لتلك الخصاصة الانسانية؟ (وهذا في الواقع وحي الكانتية)، أي أن نعتبرها «البنية ـ الحدّ» للفاعلية الروحية؟ أو كنوع من «ميل الميول» متولد عن التحرر من كل ميل جزئي (ولكن هذا التحرر بالذات هو الذي يجعله تقييدياً.. فلعلّ هذا المفهوم يأذن لنا اخيراً بإيجاد تعريف مرضي لذلك «الخير المهيمن» الذّي حاول العديد من قدامى الفلاسفة البحث عن طبيعته الدقيقة دونما جدوى.. إذ ان هناك سعادة وحيدة قد يمكن وصفها بأنها «مهيمنة» ـ وذلك لأنها لا تكون محدودة ابداً ـ وهي سعادة الوصول الى استقلال ذاتي أكمل فأكمل، والتغلّب الفعلي على جميع تلك العقبات التي تعترض طريق «الخلق الذاتي»: أي الغايات الجزئية. وكما قال «كونت» على وجه التقريب («يملّ المرء كل شيء.. عدا الحب»)، فالحبّ انسلاخ عن كافة الميول التفريدية، فهو بالتالي «الميل»، ولا يرتوي هذا «الميل» ابداً لأنه هو الذي يجعل الوجود تجاوزاً220. ويحق لنا هنا ان نطرح التساؤل التالي: كيف اتصف الانسان بهذه المثالية. أفلا يجوز لنا ان نغور في اعماقنا لنكتشف هذا الحسّ الجمالي (المطلق) وأبعاده؟ أفلا يجوز لنا ان نتّخذ هذا الحس (الفطري) معراجاً الى ما هو أبعد من ذاتنا وكيف يجوز لنا ان نعتبر الاحساس بالحرارة دليلاً على وجود النار خارج اجسامنا ولا يجوز ان تعتبر الحس الخلاقي صدى لنداء إلهي واستجابة له؟ يقول المؤلف: ولعلّ هناك امراً اخيراً متبقّياً بالنسبة لأولئك الذين يمتلكون عقلية ميتافيزيائية (ولكن من الذي لا يمتلك مثل هذه العقلية؟).. وهو التساؤل عن اصل وظيفة الانسلاخ تلك التي يختصّ بها الانسان، أي ذلك التطلّب للاستقلال الذاتي.. أو عدم الاكتمال ذاك الذي لا تشبعه الا العقبات.. فهل يجب ان نشارك «بارودي» في اعتبار هذه الوظيفة الصدى في داخلنا لدافع كوني؟.. أم نرى مع «برغسون» ان («الكون آلة لصنع الآلهة»)، أي صنع مخلوقات حرّة قابلة آنذاك لأن تحب خالقها بحرية221. لا ريب ان اعظم نعمة أسبغها الله بقدرتها الواسعة هي نعمة الحرية (الاختيار) وحسب آية قرآنية «وخلق الانسان من نطفة فاذا هو خصيم مبين» فهذه منتهى القدرة ان يخلق الله بشرأ يعطيه من القدرات ان يخاصم (وهو المخلوق) رب العالمين ويقول مثلاً: «من يحيي العظام وهي رميم». وان لحظة تجلّي هذه النعمة، هي لحظة تحدّي الانسان لذاته، والتوبة الى ربه فتلك هي ـ فيما يبدولي ـ احلى لحظات الخلق.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|