فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
4/ كلمة الفصل وكلمة الفصل في معرفة أم القيم وجوهر الاخلاق. وأم الفضائل: إنها الايمان 223 وأبسط تعريف له: تقبّل الحق كله. والتسليم له طوعاً، ويتشعّب من الايمان: الحب، العدل، والحياة؟ ومن كل شعبة تفيض قيم اخرى حسب التفصيل التالي: الف ـ الحب: أعظم تطلّع عند النفس تجاوزها، وقد فطرت النفس البشرية على ان رسالتها الاولى تتمثل في التكامل بها الى حيث نفي ذاتها لمصلحة ذات آخر. أو لا أقلّ بالتحول من حالها الى حالة اسمى. وهذا مصدر حبّ الله سبحانه، والانجذاب الى جماله وكماله. والبحث عن أيّة وسيلة للتقرب اليه زلفى. ومن الحب الاحسان الى الآخرين (الاديان السماوية). والبّر بالآباء (كونفوشيوس) والزهد والتبسيط (الطاوية) وتربية الذات على الطهارة والتنسّك والعدل (فيثاغور) حب الله وحب الغير (المسيحية) ولعل هدف المذاهب الصوفية كان في البدء تعميق هذا الاصل في روح الانسان، ولكنهم شطوا فيه الى الحالة العدمية. فمثلاً تبدو الاخلاقية (عند البوذية) وسيلة تقنية مهمّتها تدمير الذات لكل ميل متمركز حول الفرد. وكل تطلع الى امتلاك حياة شخصية حتى يصل المرء الى (النيرفان) أو (العدل المحض ـ الوجود الاعلى) 224. كما تفيص من هذه القيمة العيش من أجل الآخرين (يقول كونت: الحب مبدأ والنظام أساساً. والتقدم هدفاً). ولذّة الصداقة (أبيقور). واللذة الأسمى الاخلاص للآخرين (النفعيّة) وإشراك الآخرين في الخير (أخلاقيات أميركا). فاعلية العطاء وتجاوز الذات (برغسون) والعمل المفيد للفرد وللمجتمع وللكون (وليم جيمس). وجاء في الحديث الشريف: (وهل الدين الا الحب). وقال الله تعالى: «قل ان كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله»225. وقال سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه»226. وقال: «والذين آمنوا اشدّ حباً لله»227. باء ـ العدل: ومعناه ان تقسط للناس حقوقهم، ولا تبخس منها شيئاً، وإعطاء كل جانب من الحياة حقه، وذلك كله انطلاقاً من قيمة الايمان، فمادام البشر مؤمناً بالله سبحانه، وبما خلق، وبكل حق في العالم. فهو معترف بحق الناس وحرمتهم، ملتزم سلفاً بالوفاء بهذا الحق. كما هو معترف بحق جسده وروحه وعقله. وبالنسبة مختلف الحاجات معترف بحقها كل بقدر. (مثلاً: الطعام والشراب السكنى والجنس والترفيه و..). وهذه هي «العدالة» التي اعتبرها أفلاطون حاكمة على عالم المثل ولا بدّ من تطبيقها على الارض. واعتبرها أرسطو القيمة الاولى من قميه الثلاث (بالإضافة الى العقل والحب) ولعلّها (العدالة) هي مراد أبيقور في الحياة المتوازنة، إذ ان التوازن بين سائر اللذات نوع من العدالة الفردية (الإعتدال في السلوك). ويبدو ان هوبز اتّخذ من أبيقور هذه النظرة حين دعا الى ايجاد التوازن بين الشهوات الجزئية، كما جعلت الهيودية الاصل الثاني (بعد طهارة القلب) واعتبرتها المسيحية: أقل الواجب، أما المذاهب الاخلاقية الحديثة، فقد أشادت بها، وان اختلفت في تبريرها فقد اعتقد كانت: بـ(سيادة الغايات) وان يجعل الانسان إرادته متفقة مع ارادات الآخرين. والتضامن المنفعي عند (متشنيكوف)والذي اعتبره ذروة السعادة إنما هو جانب من جوانب العدالة. والنظرات السائدة في أميركا (الواقعية) تدعو الى ايجاد توازن بين مختلف الحقوق والقيم (رسكو باوند مثلاً). أما القرآن الحكيم فقد اعتبر العدالة هدف الرسالات، حيث قال ربنا سبحانه: «لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط»228. وقال عن العدالة حتىمع الاعداء: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على الا تعدلوا إعدلوا هو اقرب للتقوى»229. جيم ـ الحياة: الايمان بالله سبحانه، وبأسماءه الحسنى، يثير في الانسان تطلعه الفطري نحو الكمال. والتخلّق بصفات الرب، والتوسل باسماءه اليه. وبالتالي يزيده اندفاعاً نحو التسامي على ان حب الله وحب عباده يحفزه نحو العطاء اكثر فأكثر كما ان العدالة تفتح الطريق امامه للتحرك بفاعلية كبيرة. وهذه الحيوية هي جوهر المذاهب الاخلاقية التي سُمّيت بالفاعلية. وابرزها المزدكية (المجوسية) حيث تمحورت فلسفته حول دور الانسان في إعادة الكون الى سابق صلاحه. وان كل فعل من افعالنا يمكنه ان يؤثّر في المعركة حيث الخير هو ما يخدم قضية (اهورامزدا)230 إله الخير، وحتى عند الأبيقورية والمذاهب التي تشيد باللذة كتبرير للاخلاق. نجد اهتماماً بممارسة الحياة. اما في اليهودية فلعلّنا نجدها في وصيتها بالصحة العامة والخاصة. أما في المسيحية فلعلها تتجلّى في السياحة. أما في الاسلام، فانها تظهر في صور شتّى ابرزها الجهاد (حيث قمة الفاعلية). بينما كان لها نصيب وفر في المذاهب الاخلاقية الحديثة (التي سمّيت بالفاعلية). فقد زعم نيتشة: ان جوهر الاخلاق يتمثل في الحيوية الفردية وأشاد بالفاتحين ايما إشادة. وزعم راو: ان التجربة الشخصية تجعل الانسان اقرب الى القيمة المثلى. وقد اعتبر بلونديل: الفاعلية، قمة القيم. واعتقد انها تأتي نتيجة احساس الانسان بالنقص. وممارسة الحرية عند سارتر (الوجودية) تعبير عن هذه النظرة. والتقدم الذي اعتبره الكثير (كونت مثلاً) اصل القيم وهدف القانون هو الآخر نتيجة الفاعلية. وقد اعتبر سان سيمون: اصل القيم، الإخلاص للعمل الهادف واستثمار خيرات الارض لخير الجميع، وهو تعبير آخر عن التقدم. وقد استوحت المذاهب الاشتراكية هذه الفكرة منه. أما الفلسفة السائدة في أميركا والتي تقدّس الانتاج، فقد كانت نتيجة المذهب النفعي (وليم جيمس) ومنه الكالفنية. وقد جاء القرآن الكريم: «وجاهدوا في الله حق جهاده»231. واعتبر الجهاد سبيلاً للهداية وقال ربنا سبحانه: «والّذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا»232. وجعل شرط الحب الاّتباع: «قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»233. وجعل الهداية الى سبل السلام مشروطة باتباع رضوانه فقال سبحانه: «يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم»234.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|