فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
|
5/ وسائل الى القيم اهتمّت طائفة من المذاهب الاخلاقية ببعض الوسائل التي تؤدي الى القيم المثلى، واعبترتها قيمة. وهي ذات فائدة ولكنها ليست هدفاً بذاتها، بل هي سبل ووسائل نحو تحقيق تلك الاهداف، ونذكر فيما يلي بعضها: 1ـ مثلاً حينما اعتبر «توماس مور» وحدة الشكل والمتاثل الرياضي قيمة استلهاماً من علم الرياضيات. فانه كان ـ حسبما يبدو ـ يقترح وسيلة لحمل المجتمع على الاهداف السامية (ومنها مثلاً الاهتمام بالآخرين) من خلال وحدة الشكل. 2ـ كذلك حين اعتبر (هيوم) الاخلاق حساسية فيزيائية، فانما كان يريد الاستفادة من هذه الحساسية في سبيل التربية، ولكن التربية على أيّ شيء؟ على القيم المثلى، فالتربية وسيلة وليست هدفاً. 3ـ وكذلك (فرويد) حين زعم ان عقدة اوديب محور الحالات النفسية فانه كان يقترح وسيلة تربوية في ظنّه. 4ـ كذلك (دي مستر) الذي أثار فكرة تحديد قيمة الجهد بمردوده فانه كان يقترح معياراً لتقييم الجهد. وعموماً: فالعلم متأخّر عن الفلسفة والذين استلهموا من الحقول المختلفة من العلم مذهباً اخلاقياً فقد كانوا يقترحون وسائل للاخلاق، وليس قيماً لها. بالرغم ان بعضهم كان يتصور انه يحدّد قيمة للاخلاق منتزعة من العلم، بينما العلم يكشف حقائق جزئية والقيمة نظرية عامة. 6/ لماذا القيم الاخلاقية؟ حين نسعترض المذاهب الأخلاقية، نجدها تهدف: إقناعنا بتلك القيم الواحدة مضموناً (بالرغم من تعدد التعبير عنها) والتي لا تعدو ما سبق الحديث عنها آنفاً (الحب والعدل والحياة وبعض الوسائل التي تساهم في تكريسها) ولكن هذه المذاهب تسلك نحو تلك الاهداف (القيم) سبلاً شتى، وفيما يلي اجمع تلك السبل في طوائف ثلاث لتيسير وعيها وهي أولاً ما يتصل بالذات البشرية، ثانياً ما يرتبط بطبيعة الخلق (الكائنات) ثالثاً ما يتحدث عن رب العرش الله سبحانه وتعالى. وبعد استعراض هذه الطوائف نعقبها بكلمة الفصل التي استخلصتها من هذا البحث. والقارئ الذي كان يرافقنا في تطوافنا على المذاهب الاخلاقية، منذ البدء، يتذكر منها بعض التفصيل، الذي نلغيه هنا اختصاراً اعتماداً على ذاكرته، أو على مراجعته للفصول السابقة. الف ـ الذات تبريراً للاخلاق: كان (أفلاطون) يرى ان في ذات البشر عناصر متنازعة: الشهوات، والهوى الكريم (الحب)، والعقل. والاخلاق تتمثل في التوازن حيث ان العقل يكبح جماح الهوى (الحب) ثم يستعين به ضد الشهوات. أما (أرسطو) فقد اعتقد ان طبيعة الانسان حالة وسطية بين البهيهة والإله. (وان عليه ان يغلب حالة الإله على حالة البهيمة). واما (أبيقور) فانه اتخذ من اللذة والألم الطارئين على البشر تبريراً للاخلاق: فقال: ان الحياة السعيدة هي التي نقلّل فيها الألم، وذلك بضبط اللذات، الاختصار فيها على اقلّ قدر ممكن (الزهد) حتى لا نصاب بألم اكبر عند فقدها أو تسببّها في ألم اكبر بسبب مرض أو عداوة. والنفقية هي الاخرى استلهمت الاخلاق من احساس الانسان باللذة وإنّ اخصب لذة تتمثل في خدمة الآخرين لأن فيها لذتك ولذة غيرك. وقد اسس (كانت) نظرية القيمة الذاتية للأخلاق، واعتقد بأن أهمّ ما في الاخلاق صورته، وان في الانسان وجداناً يأمر، ولا يستأمر ولا يخضع لأيّ مؤثر خارجي. واعترف بوجود نوع ثان من الدوافع يسميها بالحساسية (أي بالتأثر بالمؤثرات الخارجية) ولذلك فان النية الحسنة التي هي وجدان الانسان، واصل المبادئ الخلقية بحاجة الى تنمية، ولان كل انسان يصبح مشرّعاً. (بما فيه من وجدان اخلاقي) فان على كل فرد ان يحترم تشريع غيره ايضاً. وهكذا تصبح (الحرية) اساس العلاقة فلأنك حرّ فعليك ان تحترم حرية غيرك. لانه حرّ ايضاً. أما «اوجست كونت» فهو يرى ان اصل الاخلاق متجذّر في روح الانسان في صورة حبّ الغير. وتبرير الاخلاق عند (بلونديل): ادراك النقص ومحاولة تجاوزه، وهذا يعطينا قوة لتجاوز النقص بالفاعلية. والوجودية الملحدة (سارتر) ترى قوة الاخلاق نابعة في التحسس بالحرية، وحريتي لا تكتمل الا بحرية غيري. و(هيجل) يرى الذات الآخر (وجود شخص آخر) يُسبب تموضع الذات واتحادها بعضن واصل الاخلاق هذه الحالة التموضعية. والواقع: ان التجربة الذاتية التي انطلقت من افكار «هيجل» و«كانت» ولكنها توسعت حتى بلغت الوجودية اضحت اليوم هي السائدة. يقول غريغوار: اصبح الشعور الاخلاقي باطيناً بشكل ليس من الممكن انكاره، فقد مكث السلوك الاخلاقي ردحاً طويلاً من الزمن وهو يُعرف بأنه خضوع (عن عقل أو عن احترام) لنظام علوي. ولكنه شرع يميل منذ عصر «بايل» الى اتخاذ مظهر الانتماء الى لنظام انساني بالأحرى اما اليوم فيعتبر ـ بصورة عامة جداً ـ كتجربة شخصية فعالة 235. وعندما تقارن بين هذه الفلسفات التي تبدو متباعدة ـ في الظاهر ـ تجدها تؤكد على وجود «فطرة الاخلاق» في ذات البشر، وان تلك الفطرة تنمو وتنمو حتى تصبح شجرة الاخلاق الباسقة. وقد اعترف الجميع ـ تقريباً ـ بوجود نزعتين في النفس أحداهما تدعو البشر الى المثل والثانية الى الذات (العقل والشهوة عند أرسطو وأفلاطون، والذات الفردية والذات الجمعية عند هيجل، والنية الحسنة والحساسية عند كانت. وحبّ الغير وحب الذات عند كونت). ويعتبر هذا الاتفاق بين المذاهب المتباينة دليلاً على وجود ثنائية لا تحتمل الانكار في ذات البشر. وانها هي تلك الثنائية التي تعطي البشر حريته وميزته، وهي التي يدركها كل واحد منا بعقله انّى كان مذهبه وموطنه. باء ـ الطبيعة تبريراً للاخلاق: لكي تبرهن المذاهب الفلسفية المختلفة على ضرورة التزام البشر على القيم الاخلاقية، فانها تتوسّل بمختلف النظريات الفلسفية عن الطبيعة وعن علاقة البشر بها. وفيما يلي نتسعرض طائفة منها: الفيثاغورية زعمت: ان النظام الإلهي الذي يهيمن على الكون ذو طبيعة رياضية، وان الروح حبيسة في سجن هو الجسد فلا تستطيع منه فكاكاً الا عن طريق قاعدة للحياة منسجمة مع هذا النظام قوامها الطهارة والتنسك واحترام التضامن236 (احترام الآخرين). أما (ارسطو) فقد برهن على ضرورة الاخلاق: بأن للكائنات صورة ومادة والمادة واحدة، بينما للصورة مستويات كمالية، وان اعلى مستوى للصورة هو الذي يجذب البشر الى تطوير نفسه الى الأمثل فالأمثل، وفي اعلى الهرم توجد صورة الآلهة. وبالاخلاق الحسنة نصل الى صورتها. والمزدكية تبين فلسفة الأخلاق بأن إله الخير خلق المباهج والكمال في الطبيعة، فلما تدخّل إله الشر وأوجد الفساد في الخلق، كان على الانسان مساعدة إله الخير عبر الاخلاق الفاضلة، حتى تعود الحياة الى تلك المباهج الأولية. والطاوية زعمت: ان الوحدة في الطبيعة اصل كل خير، وان التعدد كان سبباً للشر، وان العودة الى الوحدة تتطلّب اخلاقاً فاضلة. ومسألة الخطيئة الأولى، وإبليس وسقوط آدم من الجنة تعتبر نوعاً من استلهام الاخلاق الفاضلة من حقائق وقعت في الطبيعة، وهي موجودة ـ كما نعرف في الأديان السماوية، وسنعود الى فلسفتها في الاخلاق قريباً ـ انشاء الله ـ. ولا ريب انّنا نجد في الطبيعة صلاحاً وفساداً، واننا نساهم يومياً في اصلاحها أم افسادها، وان فطرتنا تدعونا الى الاصلاح بالسلوك الحسن، ولكن ما هي فلسفة ذلك؟ قد لا نعي تلك الفلسفة كما تتصورّها المذاهب الاخلاقية المختلفة. ولكنها ـ كنتيجة ـ معترف بها في هذه الحدود. أما القرآن الكريم فقد ذكر بهذه الحقائق، سواء فيما يتصل بصلاح الطبيعة أم بطبيعة البشر، أو بقصة الخطيئة الاولى. وكيفية اخراج آدم من الجنة وطريق عودته اليها عبر الايمان العمل الصالح. قال الله تعالى: «ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً ان رحمة الله قريب من المسحنين»237. «لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم ثم رددناه اسفل سافلين، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين»238. «يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان كما اخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليربهما سوآتهما انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون»239. جيم ـ الايمان بالله مصدراً للأخلاق: تتميز الفلسفة الدينية ابتداءً من المجوسية 240 حتى الاسلام مروراً باليهودية والنصرانية، بالاعتقاد بدور الايمان في ترسيخ دعائم الاخلاق الفاضلة. فالاخلاق عند المجوسية مساهمة في إعادة الحياة، الى حيث كانت في بدء الخلق حيث حفلت بالمباهج والكمال. وهذا ما يرضي الرب بل و(يعينه) ضد (أهريمن) إله الشر. أما اليهودية فقد امرت بالاخلاق الفاضلة لأن الله سبحانه يثيب من يتبع وصاياه في الاخلاق، كما يعاقب بشدة بالغة من يخالفها. والمسيحية ـ عند المذهب المتشائم من مذاهبها ـ زعمت: ان الارض وادي الدموع، وان على الانسان ان يدّخر كنوزه في السماء (حيث لا تصدأ) لأن الشيطان قد افسد عالم الارض. وهكذا يجب ان نحتقر الشهوات. اما المذهب المتفائل في المسيحية، فقد زعمت: ان الشيطان يجرّ البشر الى الخطيئة، وهو مخلوق متمرّد اخرج أبا البشر من الجنة واغراه بالخطيئة. (حسب تعبير غريغوار) خلطوا المبدأ المسيحي في الحب، بالفكرة العبرانية القديمة في العقاب، بالنظرية اليونانية في العقل الكلي. واما المذهب البروتستانتي، فقد زعم: ان اليأس واجب مادامت الخطيئة مفروضة على البشر، ولكن الله ينقذ بعض الناس لأنه اختارهم لذلك اختياراً، وعلاقة اختياره لهم: انهم يحسون ابداً بالخطيئة. وقد طوّر (كالفن) هذه النظرية حين زعم ان على الانسان مسؤولية كبرى في تعظيم الله، وذلك باسداء خدمة معينة في حياته الدنيا، وتلك الخدمة هي رسالته الخاصة التي تعتبر عبادة. اما القرآن الكريم فانه يجعل الايمان بالله وبأسماءه الحسنى ذروة بناء القيم الرصين. حسب تفصيل يأتي انشاء الله. وفي الآيات التالية من مطلع سورة الانعام بيان لهذه البصيرة، حيث نشهد صلة الايمان بأبعاد حياة البشر ومسؤوليته عن أفعاله وحتى عن نيّاته أمام الرب المصيط به علماً، والمهيمن عليه قدرة، والذي اليه المصير. قال الله تعالى: «الحمد لله الذي خلق السموات والارض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون». «هو الذي خلقكمم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمىً عنده ثم انتم تمترون». «وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سرّكم وجهركم ويعلم ما تكسبون». «وما تأتيهم من آية من آيات ربهم، الّا كانوا عنها معرضين، فقد كذبوا بالحق لمّا جاءهم فسوف يأتيهم انباؤا ما كانوا به يستهزئون»241.
|
|
|
فصل:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|