فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
الفصل الثامن: القيم الأخلاقية في القرآن
1/ العبادة غاية خلق الانسان
2/ من هم عباد الرحمن؟
3/ حقيقة الايمان
4/ دعائم الايمان
5/ أبعاد الايمان
6/ الانسان بين الايمان والظلم
1/ العبادة غاية خلق الانسان
«وما خلقت الجنّ والانس الا ليعبدون * ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون * ان الله هو الرزّاق ذو القوة المتين»242.
استلهاماً من هذه الآية الكريمة نبيّن فلسفة القرآن في الحياة والهدف الأساسي لخلقه وهي حسبما يبدو لي فيما يتصل بالحياة الدنيا تتلخّص فيما يلي: العالم خليفة الله سبحانه، والانسان أكرم خلق الله تعالى، في هذه الدنيا. وقد جعل القرآن الكريم عبادة الله، غاية خلقه، وهدف وجوده فما هي العبادة؟ لكي نعرف أبعاد هذه الكلمة (التي هي القيمة الاسمى في هذه الآية) دعنا نتأمل في آفاق معنى الخلق، وهي الكلمة الاولى في هذه الآية؟
الانسان خَلقُ الله، ماذا تعني هذه الكلمة؟
الف ـ ماذا تعني كلمة الخَلقُ؟
أول ما تعنيه كلمة الخَلقُ، أن الانسان حق، وبالرغم من انه حق قائم بالله تعالى، ألا ان ذلك لا يعين، انه ظلال أو مثال أو نقوش في جدار الغيب المطلق.
والاعتراف بأن الكائنات حق، يعتبر نقطة البداية في بناء القيم الحياتية، لأن كل القيم ـ تقريباً ـ ناشئة من الاعتراف بوجود الكائنات.
ثانياً: انه مادام مخلوقاً فهو لا يزال ناقصاً، أو ليس المخلوق فقيراً الى خالقه، «يا ايها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد»243.
أو ليس المخلوق قائماً بخالقه «واصبر وما صبرك الا بالله ولا تحزن عليهم»244.
كذلك الانسان قد خلق من ضعف «الله الذي خلقكم من ضعف»245 كذلك الانسان خلق هلوعاً «ان الانسان خلق هلوعاً إذا مسّه الشر جزوعاً وإذا مسّه الخير منوعاً»246.
ثالثاً: ان فيه أهلية التكامل. أليس الذي خلقه لا من شيء بقادر على ان يزيده كمالاً ويبارك له في جسمه وعقله وقدراته.
«تبارك الذي ان شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصوراً»247.
وهكذا فانّ العالم لم يكتمل خلقه، وهكذا فان الرب لم ينقطع عطائه، وهكذا الانسان إنما أوتي هذه الفرصة لكي يساهم في كمال العالم بدعاءه، وحركته، فاذا دعا ربه استجاب دعائه واذا عمل صالحاً رفع الله عمله، وآتاه من فضله.
«وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين»248.
«واسألوا الله من فضله ان الله كان بكل شيء عليماً»249.
«اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه»250.
«ويبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجراً حسناً»251.
وكما عطاء الانسان يزيده كمالاً ويطور حياته الى الافضل، كذلك بخله يوقف الكمال وقد يرديه الى الاسفل. «ومن يبخل فأنما يبخل عن نفسه والله الغني وانتم الفقراء»252.
رابعاً: لأن الله متعال عن النقص لا يحدّه حدُّ محدود، ولم يكن عطاؤه بمجذوذ، فهو الله الذي تبارك فلا انقطاع لفيض رحمته الواسعة. اذاً لا حدّ لتكامل خلقه، ولا نهاية لتطورّه الى الافضل، وحتى الجنة التي هي غاية المنى عند المؤمنين، ليست بجامدة، بل هي دار حشوها البركة، يزيد الله فيها للمؤمنين ما يشاء.
ومن هنا فحركة الانسان في مسيرة التكامل لا نهائية وليست محدودة.
باء ـ ماذا تعنى كلمة العبادة؟:
ما هي عبادة الله؟ بكلمة: العبادة هي وسيلة التكامل، انها الصراط المستقيم الى الله تعالى، والى كل تكامل منشود، وفلاح مبتغى، وتطور الى الاسمى!.
ذلك لأن عبادة الله تعالى، تعني ـ فيما تعني ـ الحقائق التالية:
اولاً: الاعتراف بكل معاني الخلق التي سلفت آنفاً، انا مخلوق فأنا حق. لكني لمّا اكتمل، وأمامي فرص لا تنتهّي للتسامي.
وتلك قاعدة إنطلاق المخلوق الى كل صفات الجلال والجمال.
ثانياً: التسليم للحقائق القائمة التي هي أسماء الله الحسنى، وآياته الحسنى، التي تجلّت في خلقه، وبكلماته التي انزلت على عباده المرسلين، وبسننه التي اجراها في الكائنات وفي البشر.
هذا التسليم الذي هو جوهر العبادة. يهئّ الانسان للمرحلة الثانية. إذ من دون التسليم لله سبحانه، المليك المقتدر، كيف يتسنّى لهذا المخلوق ان ينشط في مملكة الخليقة.
ولعلّ صفة الرضا، التي تساهم في تطوير الانسان، هي من ابرز تجليات هذا التسليم، فالرضا هو الاعتراف النفسي بحقائق الخلق.
ثالثاً: التقرب اليه، وإتخاذ الوسيلة الى مرضاته باسماءه الحسنى، وهنا حقيقة هامة لا بدّ ان تتوضح، الا وهي: معنى القرب من الله.
جيم ـ ماذا تعني كلمة التقرب؟:
بالتأكيد ليس الله سبحانه في موقع مرتفع نصعد اليه مادياً، ولا هو في مكان بعيد نتحرك اليه ونقطع المسافة الجغرافية بيننا وبينه، انه الله المتعالي عن احتواء الاماكن، وحدود المواقع، فما هو ـ اذاً ـ هذا القرب من الله؟
دال ـ ماذا تعني كلمة الأسماء؟:
ان لله الاسماء الحسنى وإنما ندعو الله بها، واسماء الله سبحانه هي أسمى معانى الكمال والجمال تعال نتدبّر معاً في الآيات التالية من سورة الحشر:
«هو الله الّذي لا اله الا هو، عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم».
«هو الله الذي لا اله الا هو، الملك القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبّر، سبحان الله عمّا يشركون».
«هو الله الخالق، البارئ، المصور، له الاسماء الحسنى، يسبّح له ما في السموات والارض، وهو العزيز الحكيم»253.
ماذا نفقه من هذه الأسماء؟ بالتدبر فيها نعرف أنها معاني الكمال، التي لو تجلّت في الانسان لا بتُعث مكاناً محموداً، انها العلم، القدرة، الرحمة، السلام، الأمن، الهيمنة، العزة، الجبر (التألف)، الصنع، الجمال، العزة والحكمة.. أليست هذه معاني الكمال التي ينشدها الانسان؟ أو ليس هذه هي وسائل التقرب من الله؟ فالعالم اقرب الى ربّه من الجاهل «انما يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور»254 والمؤمن المقتدر خير من الضعيف «واعدّوا لهم ما استطعتم من قوةّ»255، والرحمة أم الفضائل «رحماء بينهم» والسلام انشودة الخير «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة»256 والامن وسيلة التقدم «الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الأمن»257 والهينمة عنوان المجد «ألم تروا أن الله سخرلكم ما في السّموات وما في الأرض»258 والعزة جلبان المؤمن «ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين»259.
والجبر هدف المؤمنين «واعتصموا بحبل الله جمعياً ولا تفرّقوا»260.
والصنع الجميل زينة الحياة الدنيا «يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات»261.
والحكمة الخير الكثير «ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيراً كثيراً»262.
وكلما تحلّى المؤمن بواحدة من هذه الصفات، اقترب الى الله درجة.
ومن هنا امر الله تعالى ان ندعوه باسماءه الحسنى فقال:
«ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها»263.
وأمرأن يبتغي الوسيلة اليه: وقال:
«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة»264.
والعمل الصالح وسيلة فقال سبحانه:
«اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه»265.
والعلم وسيلة من وسائل القرب حيث قال سبحانه:
«يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات»266.
وهكذا فان وسيلة القرب الى الله سبحانه تلك المعاني الكمالية التي امر بها.
هـ ـ الكمال وسيلة لا هدف:
كل كمال وكل جمال وكل تطور يبتغي لذاته، وليس لبلوغ مرضاة الله، فهو غير مطلوب. لأنه يوقّف مسيرة الكمال عند الانسان، ولأنه يناقض سائر معاني الكمال.
ولانه يحجب الانسان عن الكمال المطلق. وهو القرب من الله. دعنا نضرب مثلاً: العلم كمال. ولكنه اذا لم يتّخذ وسيلة للتقرب من الله سبحانه، فهو يتحوّل الى نقص، فمنَ تعلّم لا لكي يرحم الناس (أي بعيداً عن فضيلة الرحمة التي هي معنى آخر للكمال الإلهي) بل لكي يسعى في الارض فساداً، ويقطع الارحام، فانه ليس لا يتقدم خطوة في طريق الكمال فقط، بل ويزداد عن الله بعداً.
(من لم يزده علمه تواضعاً لم يزدد عن الله الا بعداً).
وكذلك القدرة والثروة والجمال، إذا لم تكن في طريق الله، ومتوافقة مع سائر المعاني الجميلة فانها لا تنفع شيئاً. بل وتضرّ كثيراً.
و ـ التسليم لسنن الله:
التسليم لله، ولسننه التي اجراها، وبتعبير آخر لتلك الانظمة التي جعلها للكائنات أحد أبعاد حقيقة العبادة لله سبحانه ذلك لأنه ما من شيء الا وقد خلقه الله بقدر والى أجل ولهدف وبميزان و.. و.. وعبادة الله. تعني التسليم لهذه الحقائق تسليماً كاملاً، قال ربنا سبحانه:
«انّا كل شيء خلقناه بقدر»267.
«ما خلق الله السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمّى»268.
«والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل شيء موزون»269.
وهكذا التسليم يخلق حلة من الوئام بين الانسان وبين الكائنات من حوله. وبين الفرد والمجتمع. وبين الفرد ونفسه، ومختلف ما فيها من غرائز ومواهب.
كما يهدي الانسان الى اقرب السبل الى الله. والى كل معاني الخير وقد قال سبحانه:
«ألم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وان اعبدون هذا صراط المستقيم»270.
وعبادة الله تورّت التقوى، الاستقامة على الطريق والطاعة.
قال الله تعالى:
«ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون»271.
كذلك تلهم عبادة الله، السعي نحو الرزق عبر الطريق السليم، حيث يقول ربنا سبحانه:
«فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له»272.
وفوق كل ذلك، تعني عبادة الله التبتّل اليه بالسجود والركوع والضراعة وسائر ما تسمى بـ(العبادة) بالعنى الاخصّ حيث يقول ربّنا سبحانه:
«واسجدوا لله الذي خلقهن ان كنتم إياه تعبدون»273.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب