فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
2/ من هم عباد الرحمن؟
وفي سورة الفرقان نتلو صفات عباد الرحمن الذين اكتملت لديهم صفات الخير.
وبالتدبر في الآيات (63-77) من هذه السورة نعرف ابعاد العبادة التي جعلت هدفاً للخلق يقول الله تعالى:
«وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هوناً».
ولعلّ ذلك من تجلّيات حالة السلام التي تورثها عبادة الله في نفوسهم، لأنهم يعيشون الرضا والتسليم والوئام مع سنن الله في الخلق..
«واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما».
صفة العفو والرحمة. والابتعاد عن الصراعات التي تورثها الأنانية والعصبية هي من تجليات عبادة الله. فالقلب العامر بحبّ الله، وبحب عباد الله، لا يكره الناس، ولا يدخل معهم في صراعات.
«والذين يبيتون لربّهم سجداً وقياماً».
ان التبتّل والضراعة والاستغفار والتوبة هي مخّ العبادة حيث ان كل ذلك يزيد من وعي الانسان لحقيقته، واستشعار المخلوقية والعبودية في نفسه.
«والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، ان عذابها كان غراماً، انها ساءت مستقراً ومقاماً».
وهذه الخشية من نار جهنم، تورث اقصى درجات التقوى في النفس، وهي جماع كل خير، واصل كل فضيلة.
وهذه الكلمات تنبعث من ضمير واع، تخلص من سجن الانانية، والتبرير، وأخذ يؤنّب نفسه على تقصيرها، ويسعى لتصحيح مسيرته بالتوبة، ايماناً منه بأن النفس البشرية ضعيفة، فتسقط في الخطأ، ولكنها تستطيع ان تستمد القوة من الله، وتصنع معجزة التوبة، التي هي اعظم انجاز النفس البشرية.
«والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما».
فالعبادة تورث نظرة شمولية الى العالم، وهي بدورها تورث العدالة، التي تتجلّى في الانفاق كما تتجلّى في سائر الافعال، فكما انهم يمشون على الارض هونا. (وقد فسّرنا هذه الكلمة وأحد تفسيريها: الاعتدال في التحرك) كذلك يلتزمون الإقتصاد في الصرف.
«والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر».
فهم لا يتساهلون في حريتهم، ولا يخضعون لترغيب أو ترهب الطغاة، الذين يحاولون جاهدين اخضاعهم لسلطاتهم الجائرة.
«ولا يقتلون النفس التي حرّم الله ألا بالحق».
فهم يحترمون الدماء، لانهم يعبدوون الله خالقهم، وخالق الناس جميعاً، فلا يجدون لانفسهم ميزة على الآخرين حتى تسهل عليهم إراقة دمائهم، وهكذا يحترمون الحياة وحق كل حيّ فيها.
«ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاما».
«يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً الا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فاولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً.
وهكذا تغرس عبادة الله روح التقوى في النفوس، وبحيث يحترم كل انسان دماء الآخرين واعراضهم، ثم هذه التقوى تتزيّن عند عباد الرحمن بالتوبة، التي تمنع تحولها الى انطواء وقنوط.
«والذين لا يشهدون الزور».
ترى كيف تتجلى عبودية الرحمن، في تحمل مسؤولية الكلمة، فهم يقولون الصواب، ويشهدون للحق.
«واذا مرّوا باللغوّ مرّوا كراما».
ان الكرامة ميراث عبادة الله، لأنها من ابعاد وعي نعم الله على الانسان، ووعي تلك الفرص المتاحة للإنسان للتقدم في أبعاد الحياة، وذلك بالتوكّل على الله، واستدرار رحمته الواسعة، بالسعي والدعاء.
وهكذا تتسامى نفوسهم عن اللغو إكراماً لأنفسهم عنه.
«والذين اذا ذكّروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صماً وعمياناً».
لأن عبودية الله تعطيهم نور الايمان بآيات الله جمعياً، فقلوبهم لا تنكر شيئاً من الحق. وآذانهم تستقبل آيات الله التي تتلى عليهم كما وان عيونهم تبصر الآيات.
«والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرّياتنا قرّة أعين».
ان الذرية زينة الحياة الدنيا وعباد الرحمن لا يتطلّعون الى مجرد امتلاك زوجة وذرية بل يتسامون الى طلب ذروة النعمة المطلوبة منهم، وهي ان تقرّ أعينهم بهم، وهذه لا تتحقق الا ببلوغ منتهى الراحة النفسية والمعنوية منهم.
«واجعلنا للمتقين إماماً».
إذا اكتمل وعي العبودية في قلب الانسان. وعرف ان الكمال من عند الله، وان عطاءه واسع ورحمته شاملة، فان نفسه تسموا الى ذرى الغايات. فلا تكتفي بمجرد بلوغ مرحلة التقوى (وهي لا شكّ ذروة متعالية) ولكنه يطمح ليكون إماماً للمتقين يسبقهم بالتقوى ويقودهم الى كل خير. وفي هذه الكلمة تتجلى نظرة الاسلام الشمولية الى قيمتي الدنيا والآخرة والجسم والروح.
وكلمة أخيرة:
حين نتدبّر في الآية الكريمة: «وما خلقت الجنّ والإنس الّا ليعبدون» التي توّجّهنا الحبث بها، والتي تبيّن بوضوح مراد الله سبحانه من الخلق، نجد مقابلة بين عبادة الله (الّا ليعبدون) وبين الهدف الآخر غير المطلوب، وهو طلب الله الرزق من البشر أو الطعام.. ولدى التأمل اكثر نجد ان هذه مقابلة بين الأخذ والعطاء، لأن الرزق أخذ وحاشا لله ان يبتغي من خلقه رزقاً أو طعاماً (أجراً كاملاً أو جزئياً) لأنه سبحانه هو الخالق وهو الرزاق. وهو ذو القوة المتين. إذا الغاية هي العطاء فانما خلق الله الخلق لكي يرحم ولكن ما هو سبيل رحمة الله؟ انه العبادة فلكي تكتمل رحمة الله لعباده عليهم ان يعبدوه وهكذا جاء في آية كريمة أخرى:
«وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين لو أردنا ان نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنّا ان كنّا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ولكن الويل مما تصفوه»274.
وهكذا لا يجوز ان نتّهم ربّ العزة والعظمة الحكيم العليم بالعبث سبحانه. انما خلق الخلق بالحق وهكذا يجري الحق على العباد طوعاً أو كرهاً، فما هو ذلك الهدف؟ ان يبلغ الانسان الكمال بحسن اختياره. فليس الكمال والتسامي غاية الخلق، من دون الحرية والانتخاب، بل من خلال الانذار والتبشير وبعث الرسل وتواتر الكتب وكثرة التجارب ونضج البشر، واخذه بالبأساء والضراء، لكي يتضرّعوا وتتكامل رؤيتهم، وينمو علمهم وتتحسّن اخلاقهم ولعل التعبير بالعبادة، في الآية الكريمة 275، للدلالة على ان مراد الله تكامل البشر بحريتهم وسعيهم وبذل الجهد من قبلهم، وليس بصورة آلية من دون وعي، أو سعي، أو ارادة حرة.
وفي تفسير هذه الآية عبر السنة الشريفة تأكيد على هذه البصيرة حيث روى أبو بصير عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ في تفسير قوله عزّ وجل: «وما خلقت الجنّ والانس الا ليعبدون» قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة. قال (أبو بصير) وسألته عن قوله عزّ وجل «ولا يزالون مختلفين ألا من رحم ربك ولذلك خلقهم». قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم276.
وجاء في حديث آخر مأثور عن الامام الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ قال:
ان الله عزّ وجلّ بمنّه ورحمته لمّا فرض عليكم الفرائض، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه اليه بل رحمة منه لا إله إلا هو 277.
وخرج الامام الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ على اصحابه فقال: أيها الناس ان الله جلّ ذكره ما خلق العباد الا ليعرفوه، فاذا عرفوه عبدوه، فاذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ماسواه278.
وهكذا كانت الحرية والمعرفة وسيلة الى العبادة والعبادة وسيلة للرحمة.
وجاء في حديث مأثور عن الامام الصادق ـ عليه السلام ـ: «وقد سأله رجل وقال: لم خلق الله الخلق؟» فقال: ان الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً، ولم يتركهم سدىً، بل خلقهم لإظهار قدرته، وليكلفهم طاعته، فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعةً ولا ليدفع بهم مضرّة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم الى نعيم الأبد279.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب