فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
هل وجدت الكتاب مفيداً؟
نعم
لا
4/ دعائم الايمان
كيف يعتمر القلب بالايمان؟ كلمة: حين يُسقط حجاب الزمان فيعيش عِبرَ الماضي، وعواقب المستقبل، يعيشهما بذات الوضوح الذي يعيش الحاضر.
وحين يسقط حجاب الظاهر وينفذ ببصيرته الى غيب الباطن فاذا به لا ينظر الى شيء حتى يتبصّر اوله وآخره وحكمته وعبرته.
وحين يسقط حجاب الذات، فلا يمزج بين هوى نفسه وبصيرة قلبه، ولا بين اُمنياته وعلمه، ولا بين هدى عقله وبين وساوس الشيطان!.
وهنا يجدر بنا ان نتلو معاً حديثاً مأثوراً عن الامام علي ـ عليه السلام ـ وهو يبين دعائم الايمان بلغة موجزة ونحاول توضيحها باختصار:
عن الشريف الرضي ـ رضي الله عنه ـ قال: وسئل ـ عليه السلام ـ عن الايمان فقال: الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، فالصبر منها على اربع شعب على الشوق، والشفق، والزهد، والترقّب، فمن اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات ومن اشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.
واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر في الفطنة تبيّنت له الحكمة، ومن تبيّنت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الاولين.
والعدل منها على اربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم ورساخة الحلم، فمن فهم علم غور العلم، ومن علم غور العلم صدر عن شرايع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميداً.
والجهاد منها على اربع شعب، على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر ارغم انوف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وارضاه يوم القيامة282.
تفسير دعائم الإيمان:
يبدو ان هذا الحديث يبين حقيقة الايمان وما يهدينا الى تلك الحقيقة، وبالذات من حيث ان الايمان ليس مجرّد نور (كنور العقل والعلم والمشيئة) بل هو ايضاً روح وعزم وبالتالي اعمار القلب بذلك النور، وتفاعل النفس معه. وبكلمة: الايمان فعل الفؤاد وليس فقط نوره، وعلى الانسان السعي نحوه لكي يعطيه الله سبحانه منه بقدر مقدور.
فهو قائم على تلك الاركان الاربعة.. الصبر واليقين والعدل والجهاد.
الف ـ الصبر.. اول دعائم الايمان:
ولكن كيف اصبح الصبر ابرز دعائم الايمان؟
الايمان حقاً هو التسليم لحقيقة الغيب، وقد قال ربنا سبحانه: «الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة».
ولعل العلم بالشهود ليس ايماناً، اذا لم يتطلّب جهداً نفسياً وسعياً قلبياً.
والزمن القادم (الآخرة) هو الذي يحفز الانسان الى الايمان، وبالذات وعي المسؤولية والاعتقاد الراسخ بالجزاء، وهكذا اصبح الشوق الى الجنة والخشية من النار، والرغبة عن الدنيا وانتظار الموت، من اعظم دعائم الايمان، لأن كل ذلك يجعلنا نتجاوز الشهود الى الغيب والحاضر الى المستقبل والمحدود الى المطلق.
باء ـ اليقين.. زهرة الايمان:
بعد ان ترتفع عن العين حجب المادة، وشهوات الدنيا وضغوط الحياة العاجلة تنفتح على البصيرة نافذة وسيعة على الغيب، وهنا الغيب ليس مجرد وعي المستقبل. بل تبصرة حقائق الاشياء التي غلّفتها المادة الثقيلة وادرانها..
واليقين هو تلك النافذة فما هي اركان اليقين وعوامله؟
أولاً: تبصير العقل، وإثارته لكي تتعرّف على مواطن الامور، وخلفيات الظواهر، وللقلب موهبة الوصول الى الباطل تسمى بـ(الفطنة) ولكن الفطنة .. في سبات حتى يبصّرها الانسان فهنالك يصبح الفرد فطناً (يصبح كيّساً وذا بصيرة).
فاذا اصبح فطناً لا يكتفي بمعرفة المظهر، بل يتفطّن الى المخبر ليس بالتعمق القائم على التخّيل والظنّ، بل بالفطنة القائمة على اكتشاف الحق بحقيقته، والصواب بنوره، وكل شيء بآياته وعلاماته، مستهدياً بنور العلم، وبالمعارف السابقة والتجارب المتراكمة.
ثانياً: تأوّل الحكمة ومن خلال معرفة الشيء معرفة واسعة محيطة، يعرف الانسان حكمته، وسبب وجوده وما ادّى اليه، وهنا تلتقي فطرة الانسان التي تحتوي على المثل العليا؛ والحقائق الكبرى؛ تلتقي بتطبيقاتها على الواقع وكمثل على ذلك اذا كانت الحكمة هي القيم التي تميّز للإنسان الحق والباطل وقد فطرت النفس البشرية عليها وعرف الانسان عبر تطبيق تلك القيم ـ على الواقع الخارجي ـ عرف حقيقة الحوادث والظواهر التي تقع وإنها هل هي حق أم باطل.. صواب أم خطأ، وهكذا يطبّق الانسان المؤمن الحكمة على الواقع كما وإنه يرجّع الواقع الى حقائق الحكمة283.
ثالثاً: فاذا عرفنا ماذا وقع (عبر موهبة الفطنة) وعرفنا لماذا وقع (عبر موهبة الحكمة) فعلينا ان نتخذ موقفاً منه أي نحدّد وضعنا بالنسبة الى تلك الحقيقة، ومن هنا قال الإمام ـ عليه السلام ـ ومن تبيّنت له الحكمة عرف العبرة، فالعبرة هي الانتفاع العملي بالحكمة.
رابعاً: سنّة الاولين، فمن خلال الاعتبار يصل الانسان الى تفاعل بين النفس والمعرفة، ويندمج العلم بالعمل، ويتناغم الموضوع والذات، ويقترب الانسان الى معرفة السنن الإلهية التي جرت في الأولين، وان من نجا كيف نجا ومن هلك كيف هلك..
كيف تكون العبرة طريقاً الى معرفة السنن (القوانين الاجتماعية)؟ لعلّ ذلك يتمّ بعد الغاء الحاجز الزمني بين الماضي والحاضر، والغاء الحاجز المصطنع بين الموضوع والذات، فيصل القلب الى الحقيقة المطلقة من دون حجاب.
جيم ـ العدل جوهر القيم:
ماذا تعني كلمة العدل؟ انها تعني إعطاء كل ذي حق حقّه، والقضاء بين الناس بما اراه الله من الحق وعدم اتباع الهوى 284.
ولكي يعدل الانسان بين الناس فانه بحاجة الى اربعة امور هي: فهم عميق، وعلم غزير، وصواب في الرأي، وضبط للعواطف.
والايمان بالله سبحانه يورث هذه الخصال، كيف ذلك؟ ذلك أن:
اولاً: غائص الفهم، فالمؤمن الذي يكشف ـ بإيمانه ـ حجب الكبر والجحود، ويطلع على غيب الشهود، إنّه يؤتى غائص الفهم، أرأيت كيف يغوص طالب اللؤلؤ في عمق البحار؟، كذلك المؤمن لا يقف عند حاجز الشهود الظاهر، بل يسعى ابداً لفهم الحقيقة بالغوص في الحقائق، والاطلاع على الماورائيات، من هنا جاء في حديث الامام علي ـ عليه السلام ـ في تعريف العدل انه يقوم على غائص الفهم، وجاء في بعض نسخ الحديث، «على غامض الفهم» والفهم الغامض هو الفهم لما غمض وخفي.
ثانياً: غور العلم، فعندما يؤتى المرء غائص الفهم، يصل الى غور العلم، فلا يكون علمه سطحياً قشرياً، بل يغور في الاعماق ليبلغ لبّ الحقيقة.
والعلم العمق (غور العلم) هو العلم الغامر (حيث جاء في بعض النسخ).
ثالثاً: زهرة الحكم، حيث تكتمل عند المؤمن شروط الحكم الصائب، الذي طلبه بالفهم الغائص والعلم الغامر، والذي يسمّيه الامام ـ عليه السلام ـ بـ(زهرة الحكم).
وهي الحكم الزاهر الواضح، الذي لا ريب فيه، فهو لا يتّبع المتشابهات، ولا يبحث عن الاحكام الملتوية، بل يسير على الطريق الواضح والذي يسمّيه الامام بـ(الشريعة).
ويقول في نص آخر: ومن علم عرف شرائع الحكم.
رابعاً: رساخة الحلم واذا عرف الحكم الصائب، لم يبق امامه الا العاطفة التي قد تلوبه عن الحكم السليم وهو يتحدّاها الحلم الراسخ، الذي يضبط النفس، فلا تميل مع الهوى عن الحق.
ومن هنا قال الامام ـ عليه السلام ـ: (ورساخة الحلم).
ثمّ قال الامام: (فمن فهم علم غور العلم).
اليس الفهم (الفقه ـ التأمل ـ التفكر) هو وسيلة الانسان لمعرفة العلم العميق.
وقال ـ عليه السلام ـ:
(ومن علم غور العلم صدر عن شرايع الحكم).
فمن دون العلم بالحقائق الخفية، لا يتسنّى للمؤمن ان يعود من رحلته العلمية والعقلية، بالحُكم الواضح، الذي يسميه الامام بشرايع الحكم.
ونستلهم من كلمة الامام: ان المؤمن يصل الى تلك المناهج الواضحة (التي تشبه الشريعة التي لا تخصّ قضية محدّدة وانما جملة القضايا وفي مختلف الحالات) فهو كمن قد استوى على الطريق المستقيم في امر القضاء.
وقال عن فائدة الحلم:
(ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميداً).
دال ـ الجهاد حصن الايمان:
واذا اكتملت حقائق الايمان في سلوك الفرد في العبادات (الصبر) وفي شؤون الحياة (اليقين) وفي المجتمع (العدل) هناك جاء دور الدفاع عن ايمانه بالجهاد، الذي قال عنه الامام ـ عليه السلام ـ:
والجهاد منها على اربع شعب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين.
اولاً: الامر بالمعروف، وهو ذلك المصباح الذي لا يخبو نوره لأنه يجعل الخير راية مرفوعة، الصلاح شعاراً للأُمة، وعلماً فوق كل ذروة، حتى يصبغ المؤمن مجتمعه بالمعروف.
ثانياً: النهي عن المنكر، الذي هو السيف الذي لا ينبو، والحصن الذي لا يحترق، والمتراس الذي تتكسر عنده امواج الشهوات الفاسدة.
ثالثاً: الصدق في الموطن، فلا يكتفي المؤمن بهاتين الفريضتين وانما يقتحم غمار الجهاد المسلّح ـ حين تحين ساعته ـ فلا تخور عزيمته. ولا يتراجع عن الجهاد ـ دهره ـ فهو شجاع مقدام، تشهد له المعارك (المواطن) بالصدق والثبات.
رابعاً: شنآن الفاسقين، فمواقفه اليومية ـ هي الاخرى ـ صراع دائم ضد الفساد، لأنه يجتنب الفاسقين، فتكون مواقفه ـ هي الاخرى ـ في خدمة دينه.
ويعقب الامام على هذه الجمل النيرة بقوله:
(فمن امر بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر ارغم انوف الفاسقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين، وغضب لِله غضب الله له وارضاه يوم القيامة)..
هكذا يختم الامام حديثه عن الايمان بكيفية الدفاع عن حرماته، بقولين وعملين:
فبالكلمة يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وبالثبات في الحرب ضد الكافرين، واتخاذ الموقف المعادي من الفاسقين، يؤدي المؤمن حق الدفاع عن دينه.

فصل: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب